الدرس في أحكام الجنائز، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول أحكام عيادة المريض وتحسين ظن المريض بربه، وتلقين المحتضر الشهادة. كما يشرح آداب التعامل مع الميت بعد الوفاة مثل إغماض عينيه وتوجيهه للقبلة وتغطيته.
يستحب تجهيز الميت بسرعة وتغسيله وتكفينه وتطييبه مع تفاصيل في كيفية ذلك. يُنهى عن قراءة القرآن على الميت وعن الاجتماعات عند الوفاة.
يشرح النهي عن النياحة ورفع الصوت بالبكاء، ويبين أحكام الصلاة على الجنائز وآدابها ودفن الموتى وفق السنة النبوية مع التحذير من البدع.
يحذر من البدع والمحدثات مثل الإعلان عن الوفاة في منارات المساجد وتلقين الميت بعد دفنه، ويبين حكم دفن الميت ورفع القبور وبناء المساجد عليها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله جل وعلا أمر عباده أن يستزيدوا من العلم النافع الذي به يقيم سائر العبادات الشرعية والعقائد الدينية، والذي به يميزون بين الصواب من الخطأ والهدى من الضلال والنافع من الضار، وغير ذلك من المصالح الشرعية الكثيرة. قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. وهكذا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». وفي الصحيحين من حديث معاوية رضي الله عنه قال: قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». فإذا علم ذلك، عباد الله، علم أن نتفقها في الدين وتعلم أحكام الشرع المبين من أعظم المهمات وأوجب الواجبات التي يجب على أهل الإسلام تعلمها. ونقف في هذا اليوم وقفة مع بعض الأحكام الشرعية في أحكام الجنائز وما تيسر من ذلك. فمن هذه الأحكام، عباد الله، أنه يشرع في أول ذلك عيادة المريض. فإن عيادة المريض مما أوجبه الشرع. في قول بعض أهل العلم: أنه من الواجبات الكفائية التي إذا قام بها البعض سقط عن الكل. لما في حاجة المريض المسلم من مواساة أخيه المسلم، إما أن يواسيه بخدمة أو يواسيه بمال أو يواسيه بكلمة طيبة أو غير ذلك مما لا يستغني عنه المريض المسلم. وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «حق المسلم على المسلم خمس». وفي رواية لمسلم: «ست». وذكر من ذلك: عيادته إذا مرض، واتباع جنازته. وهكذا كذلك من هذه المسائل: أن المريض ينبغي عليه عند مرضه وفي مرض موته خاصة أن يحسن الظن بربه. فإن الله جل وعلا عند ظن عبده به. فيجمع بين الخوف والرجاء، ويكثر من التوبة والاستغفار والابتهال إلى الله جل وعلا. والله يقبل توبة العبد ما لم تطلع الشمس من مغربها أو تغرغر نفس ابن آدم. ومن هذه الأحكام: أنه يشرع لمن حضر رجلًا محتضرًا أو امرأة أو غير ذلك، وكان يقبل التذكير، أن يذكره بما يكون به تلقينه بـ «لا إله إلا الله». لما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله». وفي مستدرك الحَسَن عن معاذ رضي الله تعالى عنه أرضاه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». فيستحب لمن حضر ميتًا أن يذكره، ولا يشق عليه بكلمة التوحيد والشهادتين «لا إله إلا الله». ولا بأس بزيادة «محمد رسول الله». يذكره بذلك، ولا يشق عليه، ولا يلح. فإذا تلفظ بذلك انصرف، وانصرف من معه، حتى يبقى آخر كلامه «لا إله إلا الله». وهذا الذي فعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وسنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كذلك، عباد الله، من هذه الأحكام: أنه إذا قبضت روح هذا المسلم، فيسن عند ذلك أن يغمض له عينيه. كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كما جاء في الصحيح بأبي سلمة رضي الله تعالى عنه. وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الروح إذا قبض ذهب البصر». فأغمض عينيه عليه الصلاة والسلام. ويسن كذلك: أنه إذا قبض وأغمض عينيه، أنه إن تيسر ولم يشق عليه، أن يوجهه إلى القبلة. كما استدل على ذلك جماعة من أهل العلم بأدب الاضطجاع والنوم في حديث البراء. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علم المسلم إذا أخذ مضجعه أن يتوضأ وضوءه للصلاة، ويضطجع على شقه الأيمن، ويقول: «اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك». قال النووي رحمه الله تعالى: وفي هذا دليل على استحباب توجيه الميت إلى القبلة. وهكذا كذلك يسن كذلك، ويستحب: أنه إذا توفي المسلم، أن يسجى ويغطى. كما فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم بنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين مات. ولا شك أنهم فعلوا ذلك من سنته عليه الصلاة والسلام. ويسن كذلك: أنه إذا دخل عليه من يحبه، أن يودعه. ولا بأس أن يودعه بما فيه، بما ليس فيه أذية له. كما فعل أبو بكر رضي الله عنه. كما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس: أنه دخل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو ميت عليه الصلاة والسلام، فقبله بين عينيه، وقال: «طبت حيًا وميتًا يا رسول الله». وهكذا كذلك من أحكام الجنائز، عباد الله: أن المسلم كذلك إذا مات، ينبغي أداء حقوقه إن كانت عليه حقوق من دين أو رهن أو غير ذلك. فجاء عند ابن ماجة ومسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «كل مسلم أو كل ميت مرهون بدينه حتى يقضى عنه». وجاء في الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يمتنع من الصلاة على الجنازة إذا علم أن عليها دين، حتى يسدد عنه دينه عليه الصلاة والسلام. فإن دل ذلك على شيء، دل على أن الميت يعذب بدينه الذي يكون عليه، خصوصًا إذا كان مماطلًا ومؤخرًا. فيستحب بل يجب على الغريم الصحيح أن يؤدى من ماله. ويستحب أن يسدد من مال ورثته بما يفك عنه الدين والرهن، ويتخلص من هذه الحقوق. ومن هذه الأحكام، عباد الله: أنه كذلك يستحب التعجيل بتجهيزه. كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه أمر في جنازة أبي سلمة رضي الله تعالى عنه أن يعجل بتجهيزه، خصوصًا إذا استيقنا أنه مات. كما جاء عند أبي داود بإسناد حسن أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ما أظنه إلا قد مات». «ما أظنه إلا قد مات». فعجلوا به، أو فعجلوا بدفنه، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك من هذه الأحكام: أنه يستحب كذلك أن يغسل الميت بما ثبت في الدليل الشرعي تغسيله. فمن ذلك: أن يغسل ثلاث غسلات أو خمس أو أكثر وترًا إن احتيج إلى ذلك، بما يكون به طهارته وتنقيته. كما جاء في الصحيحين من حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للنساء المغسلات لابنته: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك». وفي رواية: «اغسلنها بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور». فيستحب في غسل الميت أن يغسل بما ينقى به جسده من السدر أو ما كان بمعناه من الصابون أو ما هو قريب منه. ويسن أن يجعل في آخره بشيء من الكافور أو ما كان بمعناه مما فيه الرائحة الطيبة، وتطيب هذا الميت. ويستحب كذلك في تكفينه أن يكفن ويحسن في كفنه. كما ثبت بحديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا كفنتم موتاكم فأحسنوا بكفنهم». أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك ينبغي لمن كفن ميتًا أن يحسن في كفنه بغير إفراط ولا تفريط. فلا إسراف ولا تبذير ولا تقصير، بما يكون به ستره وبما يكون به تسجيته من غير غلو ولا إجحاف. وهكذا كذلك يستحب أن يطيب بما اعتيد به تطييب الموتى، بما اعتيد به تطييب الموتى من الحنوط أو ما كان بمعناه. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه أذن بذلك. ففي حديث عبد الله بن عباس في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في الرجل الذي وقصته ناقته وكان محرمًا: «لا تمسوه طيبًا». وهكذا كذلك يستحب أن يجمر، أي يبخر، بما يبخر مثله الموتى. والصحيح أنه لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى لعدم الدليل الشرعي على التفريق. وصح من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بتجمير الموتى ثلاثًا. وهكذا كذلك ينتبه أنه لا يغسل الشهيد، لا يغسل الشهيد الذي قتل في أرض المعركة. لما ثبت في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بشهداء أحد أن يدفنوا بدمائهم وثيابهم، ولا يغسلوا ولا يصلى عليهم. وهكذا كذلك المحرم يستحب أن يكفن بإحرامه الذي مات فيه. فإنه يبعث ملبيًا. كما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس. وهنا ننتبه إلى بعض المخالفات الشرعية التي يفعلها بعض الناس في أحكام الجنائز. من هذه المخالفات: قراءة القرآن، سواء قراءة القرآن عند احتضار الميت أو بعد موته أو بعد دفنه، سواء بيوم أو يومين أو ثلاثة أو في الأربعين. وأعظم من ذلك إقامة الموالد والاجتماعات ونحوها. فكل ذلك ليس من سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن الميت إذا مات، إن قطع عمله إلا من ثلاث. كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات الإنسان، إن قطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». ولو تأملت، أخي المسلم، لوجدت هذه الثلاث كلها في الحقيقة من سعي هذا الميت. فإن صدقة الجارية من سعيه، وإن العلم النافع من سعيه، وإن دعاء الولد الصالح بالقول أو الصدقة بالفعل هي كذلك من سعيه. فصدق في ذلك وصح ما قال الله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾. وقال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله كما في مجموع الفتاوى: قال: «ومن ظن من الناس أنه إذا مات الميت قرئ عليه القرآن وانتفع بذلك، فقد غلط في ذلك غلطًا بينًا». أو كما قال. ثم ذكر حديث أبي هريرة المتقدم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كذلك لا يستحب قراءة يس ولا غيرها. فإن ذلك لم يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نقل الحافظ بن حجر في كتابه «التلخيص الحبير» عن الدارقطني رحمه الله تعالى أنه لم يصح في هذا الباب شيء من الأحاديث ولا من الآثار. أي في قراءة شيء من القرآن على الميت أو عند احتضاره. وذكر ابن القطان رحمه الله تعالى في حديث: «اقرأوا على موتاكم يس». أنه حديث لا يصح عند المحققين وأهل المعرفة بالحديث. وذكر فيه أربعة علل: العلة الأولى: أنه روي بالاضطراب. وثانيها: بالوقف. وثالثها: جهالة أبي عثمان، وليس بالنهدي. ورابعها: جهالة أبيه. وقال ابن العربي أبو بكر رحمه الله تعالى صاحب «أحكام القرآن» نقلًا عن الدارقطني رحمه الله قال: «لم يصح هذا الحديث من وجه من الوجوه». أو كما قال رحمه الله تعالى. وهكذا كذلك، عباد الله، من المخالفات الشرعية التي يفعلها بعض الناس، وليست من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا هدي صحابته، بل صح النهي عنه: ما يفعله بعض الناس من اجتماعهم في المآثم، وذبح الذبائح في ذلك. فإن ذلك أدخله جماعة من العلماء من النياحة المنهي عنها. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه «نهى عن النياحة». ففي الصحيح من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أن الميت يعذب بنياحة أهله عليه. وفي الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه بمعنى ذلك. وفسر العلماء ذلك: أن الميت يعذب بنياحة أهله عليه لأحد أمرين: إما أنه يتعذب بما يكون من حزنه حين يسمع بكاء أهله، وإما أن يعذب لكونه لم يعلمهم وهو يعلم أن النياحة من الأمور المحرمة شرعًا، أو أنه أوصى بالنياحة أو أنه أذن وعلم ذلك. فلأجل ذلك يعذب. وإلا فالأصل أن الميت لا يعذب إلا بما كان من عمله. كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. وهكذا كذلك صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن «أربع فيه للامة من خصال الجاهلية لا يكاد يدعها الناس». وذكر منها: النياحة عليه الصلاة والسلام. و «صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه برئ من الصالقة والحالقة والشاقة». كما جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنهما. أما الصالقة: فهي التي ترفع صوتها عند الموت. وأما الحالقة: فالتي تحلق رأسها أو تنتف شيء من شعرها. وأما الشاقة: فهي التي تشق جيبها. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه في هذا المعنى نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولعنه على التي تشق جيبها. أي أن ذلك نوع من النياحة. وهكذا كذلك ألحق العلماء بالنياحة اجتماع الناس على المآثم. فقد صح من حديث جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أرضاه: أنه كان يقول: «إنا كنا نعد أو نعد اجتماع الناس على الطعام في المآثم من النياحة». وحسنه جماعة من أهل العلم عن جرير رضي الله عنه أرضاه. وجاء كذلك وروي عن عمر رضي الله عنه: أنه وفد عليه جرير رضي الله عنه أرضاه، فسأله عن حاله، ثم سأله: «أفيكم النياحة؟» يعني في البلد الذي جئت منها أو منها. قال: «لا». قال له رضي الله عنه أرضاه: «أو يجتمع الناس للطعام بعد دفن الميت؟» قال: «نعم». قال: «فإن ذلك من النياحة». وذكر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه «الأم»: أن اجتماع الناس في المآثم: أن ذلك يدخل في عموم النياحة المنهي عنها. يدخل في عموم النياحة المنهي عنها. قال: وفي ذلك كذلك سبب لاستمرار الحزن وزيادته. وفيه كلفة ومؤونة. يعني كلفة في اجتماع الناس عند أهل الميت. وهكذا كذلك صح عن الأوزاعي رحمه الله تعالى: أنه كان يقول: «إن ما يفعله الناس في زماننا من اجتماعهم في المآثم، لا يخرج ذلك أن يكون من المحرم أو المكروه». لا يخرج ذلك أن يكون من المحرم أو المكروه. فماذا عسى أن يقول هؤلاء لإخوانهم لما يرونه من فعل الناس واجتماعهم على ما هو أعظم من ذلك؟ ومن هذه المخالفات كذلك، عباد الله: أنه صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حديث جابر بن عبد الله أنه «نهى أن يتبع الميت بصوت أو نار». وفسر هذا الصوت بصوت النياحة والبكاء. فإن رفع الصوت بالبكاء مما يدخل في معنى النياحة. أما دمع العين وحزن القلب، فإن ذلك مما رخص فيه وفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأذن فيه. أما رفع الصوت بالبكاء، فإنه مما يدخل في معنى النياحة. وهكذا كذلك فسره العلماء برفع الصوت بالذكر، أن تتبع الجنائز بالأذكار كما يفعل بعض الناس بقولهم: «لا إله إلا الله لا إله إلا الله» أو غير ذلك من الأذكار. فإن ذلك يدخل في عموم نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تتبع الجنائز أو يتبع الميت بصوت. وهكذا كذلك: أن يتبع بنار، سواء شعلة أو كانت مجمرة. وصح عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى أنه رأى جنازة وأتبعت بمجمرة، فأخذ المجمرة وكسرها. وبيّن أن سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن لا تتبع الجنائز بنار. وهكذا كذلك من هذه الأحكام، عباد الله: أن الجنائز ينبغي أن يسرع بها إسراعًا معتدلًا بغير إفراط ولا تفريط. كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أن يسرع بها». فإن تكن صالحة فخير تقربونها إليه، وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم. ولكنه إسراع وسط بغير إفراط ولا تفريط. لا بعجلة واستعجال المستعجلين، ولا بتأخر وتشبه باليهود والنصارى وغيرهم، بل وسط بين الإفراط والتفريط. وهكذا كذلك مما يستحب: أن الجنائز لا توضع أو أن الناس لا يجلسون حتى توضع الجنائز. كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك في الصحيح من حديث ابن عمر وغيره. هذه، عباد الله، جملة من الأحكام. نسأل الله جل وعلا أن يفقهنا في ديننا وأن يبصرنا بأمور شرعنا. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله. وإن من هذه الأحكام: أنه يستحب أن يصلى على الجنائز بأن يقف الرجل عند رأس الرجل، وفي وسط المرأة. كما صحت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإن اجتمعت جنائز كثيرة، فإنه يوضع رؤوس الرجال في محاذاة أعجاز النساء. كما فعل في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ويسن أن يكبر التكبيرة الأولى فيقرأ بفاتحة الكتاب. والتكبيرة الثانية ويصلي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصلاة الإبراهيمية. والتكبيرة الثالثة ويدعو للميت بما تيسر من الدعاء، ويدعو لنفسه بعد ذلك. ويستحب أن يخص الميت بما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الدعاء. ولا بأس أن يزيد أحيانًا بخمس تكبيرات أو أكثر من ذلك، بما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وجاءت به الأحاديث الصحيحة. وهكذا كذلك لا يشرع ولا يستحب الصلاة على الغائب إلا إن كان لم يصلى عليه. كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنجاشي. فإن النجاشي لما مات في بلاد كفر وأعلمه الله بذلك ولم يصلي عليه أحد على عادة النصارى، وكان ممن يكتم إيمانه، أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصحابه بذلك وأعلمهم، وصلى عليه عليه الصلاة والسلام. ومثله من مات في البحر واستيقنت وفاته ولم يصلي عليه أحد، فإنه يصلى عليه. أما غير ذلك ممن مات وقد صلي عليه، ولو كان أقرب قريب، فإنه لا يصلى عليه. أو الشهداء الذين ماتوا بأرض المعركة، فإنه كذلك لا يصلى عليهم. لما صح من حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بل ذهب ابن القيم رحمه الله أن آخر الأمرين من فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عدم الصلاة عليهم. فيحرم الصلاة تحرم الصلاة عليهم. وأن ذلك من سوء الظن بهم. هكذا معنى كلامه رحمه الله تعالى. وهكذا كذلك ينبها هنا: أنه لا يستحب نعي الميت إذا مات، أي لا يعلن إعلانا يكون فيه المفاخرة ويكون فيه المجاهرة كما كان يفعل أهل الجاهلية. بل إن ذلك من النعي المنهي عنه في سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسنة الصحابة. فصح من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه أنه نقل عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه «نهى عن النعي». وكان يقول فيمن إذا مات أحد أهله: أن لا يؤذنوا له. وبه خشية أن يدخل ذلك في معنى النهي. وهكذا أمر بجنازته إذا وقعت. وهكذا كذلك معل الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فهذه سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فما يفعله بعض الناس من الإعلان في منارات المساجد، إما في نصف الليل أو في نصف النهار أو غير ذلك، بقولهم: «لا إله إلا الله» ثلاثًا، ثم «مات اليوم فلان ابن فلان، وأنه سيصلى عليه في المكان الفلاني». فهذا كله من أعمال الجاهلية، وليس من سنة الإسلام في شيء. بل سنة الإسلام الإسراع بالميت ودفنه بما يكون به إكرامه. ويجتمع ما تيسر بما يكون به أداء حقه. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالصحيح من حديث عبد الله بن عباس: أنه «لا يموت ميت فيجتمع على جنازته عشرة يوحدون الله جل وعلا إلا وشفعهم الله جل وعلا فيه». أو «أربعين إلا وشفعهم الله جل وعلا فيه». وهكذا كذلك، عباد الله، من هذه الأحكام: أنه إذا دفن الميت، فإنه إما أن يشق، وإما أن يوضع في الحفر على ما اعتاده الناس من اللحد. وكل ذلك مشروع. واللحد أفضل. وهذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأكثر ما فعله الصحابة. ويجوز الشق عند المشقة، كالمواضع الوعرة في الجبال أو الصحاري أو غيرها مما لا يمكن معه اللحد. فكل ذلك من المشروع إن شاء الله تعالى. وينبغي أن يعلم أن ما يفعله بعض الناس من تلقين الميت ليس هذا من سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل هذا من البدع والمحدثات. وحقيقة الأمر أن الميت لا ينتفع إلا ما سبق من عمله. فوالله لو لقن ما لقن، فلن ينفعه إلا ما سبق من عمله. لن ينفعه إلا ما سبق من عمله. وهكذا كذلك يعلم أنه إذا دفن الميت فيدفن بترابه الذي أخرج من قبره، لا يزاد على ذلك. فقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ترفع القبور وأن يبنى عليها. كما صحت بذلك الأحاديث الكثير عنه عليه الصلاة والسلام. بل كان يبعث أصحابه والأمراء والقضاة والعلماء أن يسووا القبور ولا يتركوها مرتفعة. كما ثبت بصحيح مسلم من حديث علي رضي الله عنه أنه قال لأبي الهياج: «ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا صورة إلا قمصتها». و «صح عن عثمان رضي الله عنه أنه أمر بتزوية القبور». فذكر له قبر ابنته، فقال: «إب به فابدأوا». أي به فابدأوا. «فسوا ولا تتركوا شيئًا مرتفعًا». أي على سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذا علم ذلك، فما يفعله بعض الناس من البناء باللبن أو الجص، وهو النورة، أو كذلك بآجر ونحوه، أو الطين. كل ذلك مما يحرم ومما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأعظم من ذلك أن توضع عليها سقيفة أو توضع عليها قبة أو غير ذلك مما هو من سنة اليهود والنصارى. ففي الصحيحين من حديث عائشة وبمعنى من حديث ابن عباس وهريرة وجند رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد». وهذا الذي فعله بعض الناس. وللأسف رفعوا القبور وعظموها حتى افتتن بها بعض الناس وعبدوها من دون الله جل وعلا. وهكذا كذلك سترها بالخرق وتزينها بالسرج وغير ذلك. كل هذا من سنة الجاهلية التي صحت الآثار وعموم الأدلة بالنهي عنه. نسأل الله جل وعلا أن يفقهنا في ديننا وأن يبصرنا بأمور شرعنا وأن يردنا إلى الحق ردا جميلا. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.