الدرس في شرح كشف الشبهات 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الله تعالى جعل لكل نبي أعداء من شياطين الإنس والجن، ووجود الأعداء سنة كونية تحيط بطريق الأنبياء والمتقين. يجب على المسلم الصبر عند مواجهة الخصوم.
شياطين الإنس والجن يتسلطون على أهل التوحيد بأشكال متنوعة مثل الوساوس والمس والصرع واستخدام الحيوانات في إيذائهم. كما يتفقون على العداوة كما في عمل السحر.
العلم الشرعي والعقلاني ضروري لمواجهة أعداء التوحيد والدفاع عن الدين، وقد كان الإمام أحمد يستخدم العلم في الرد على المخالفين. العلم هو سلاح أهل السنة الذي لا يهزم.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: انتهينا من مسألة العذر بالجهل وما يتعلق بها من أحكام، وعلمنا ما المراد من قول المؤلف ورحمه الله تعالى، وأنه يحمل على المحمل الحسن، أنه أراد بذلك العذر، أو أنه لا يعذر بالجهل لمن كان من أهل الإعراض. قال رحمه الله تعالى: واعلم أنه سبحانه من حكمته لم يبعث نبيًا بهذا التوحيد إلا جعله أعداء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. هذه الفقرة أشار فيها المؤلف رحمه الله تعالى إلى العداوة بين أهل التوحيد ومن يضادهم. وهذه الفقرة مع الاستدلال بهذه الآية تحتوي على عدة مسائل. أولًا، ما جاء فيها من العموم في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾، أي: لكل نبي من الأنبياء، دل على أنه ما من نبي إلا وجعل الله له أعداء. هذا تتفرع منه عدة فوائد؛ الفائدة الأولى: أن وجود الأعداء سنة كونية، يتسلى بها أهل الحق إذا ابتلي، ولست الأوحد. ثانيًا: أن المؤمن عليه أن يتسلح بالصبر إذا علم أن هناك أعداء سيقفون أمام دعوته. ثالثًا: أن طريق الأنبياء محفوف بالابتلاءات، فمن سار على منوالهم ستبتلى. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب البدائع: "فيا مخنث العزم أين أنت وهذه الطريق...". ثم عرج رحمه الله إلى الابتلاءات التي ابتلي بها الأنبياء. وفي هذه الآية بيان على أن الخصوم كثر، ليس واحدًا ولا اثنين، بدليل أن الله وصف الأعداء بأنهم شياطين، وجمع كثر. ثم ننتقل إلى فوائد متعلقة بمسألة الشيطنة؛ شياطين الإنس والجن. معنى الشيطان: البعيد عن الخير. الكفار والمشركون شياطين؛ لأن أعظم بعد عن الخير هو البعد عن التوحيد. والشياطين على قسمين: شياطين من جنس الإنس، وهم الذين يؤذون أهل التوحيد بالشبهات والصد والعدوان، وشياطين من جنس الجن، وعداوتهم لنا تكون بالوسواس، وتسلط على أهل التوحيد بالأمراض، كما في قصة أيوب عليه السلام. قال عليه الصلاة والسلام: "إن الشيطان يأتي إلى أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق الله؟". وأذية الشيطان لأهل التوحيد كثيرة؛ منها: الوساوس والخطرات، والتسلط عليهم بالأمراض، والمس والصرع. والشيطان يستعين بالحيوانات لأذية أهل التوحيد، كما في حديث الفأرة التي حاولت أن تجر فتيلة من نار على الحصير الذي كان يجلس عليه النبي صلى الله عليه وسلم. قال عليه الصلاة والسلام: "إن الشيطان ليأمر هذه أن تفعل مثل هذا". ومن السنة إطفاء السرج في الليل؛ لأن الفأرة قد تفعل الأفاعيل في الليل بأهل الإسلام. أحيانًا يتفق شيطان الإنس مع شيطان الجن على العداوة، كما في عمل الساحر، حيث يتفق الشيطان الإنسي مع الشيطان الجني؛ ذاك يتولى استراق السمع، وهذا يتولى إضلال الآدمي. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾، أي: يوحون إليهم بالشبهات، لكي يجادلوا بها المؤمنين. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، فائدة؛ وهي: أن زخرف القول هو القول الذي له وضوح وضياء، وفيه فائدة على أن أقوال أعداء الدين يكون فيها زخرف، وهو إشارة إلى التلبيس والتدليس. والآية الثانية التي استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾، فيها نفس المعاني؛ العموم، وأن ما من نبي إلا وجعل الله له أعداء من المجرمين. لكن هذه الآية ختمت بقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾. والحكمة في ختم الآية بهذين الاسمين: أن الله هو الهادي، وهو النصير. قال العلماء: إن هذه الآية ختمت بهذين الاسمين؛ لأن عداء أعداء الدين يكون في أمرين اثنين: إما تشكيك وإرجاف وبث شبهات، وإما إرهاصات وتعذيب وتنكيل. ففي الأول يظهر اسم الهادي سبحانه، حيث يهدي عباده المؤمنين للخروج من الشبهات. وفي الثاني يظهر اسم النصير سبحانه، حيث ينصر عباده المؤمنين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: واعلم أنه سبحانه من حكمته لم يبعث نبيًا بهذا التوحيد إلا جعله أعداء. وذكر مسألة الحكمة؛ وهي: وضع الأشياء في مواضعها لغايات حميدة. ووجود الأعداء لأهل التوحيد له حكمة؛ لأن الله قادر على إبادتهم، لكن جعل الله أعداء لهذا الدين لحكم كثيرة؛ منها: أن الله يظهر من يدافع وينافع عن دينه، فيكرمه الله سبحانه وتعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾. وهذا يدل على أن أكثر ما يقوم عليه المبتدع من العلوم هو علم اللغة العربية. فطالب العلم ينبغي أن يتسلح بهذه المادة؛ لأنها مع فائدتها العظيمة في فهم الكتاب والسنة، ففيها كذلك الرد على المخالفين من أهل الزيغ والضلال. قال رحمه الله تعالى: إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لابد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج، فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير لك سلاحًا. وهنا قوله: "فالواجب" أي: الواجب الشرعي. والتعبير بالتبعيض "من دين الله" يدل على أن من العلم ما هو فرض كفائي، ومن العلم ما هو فرض عيني. فما كان لا يقوم به دين الله فهو واجب عيني؛ لأن عليه يكون قوام دينك. وذكر الشيخ بن عثيمين رحمه الله تعالى فائدة في العلوم التي ينبغي أن يتسلح بها المسلم أمام أعداء الدين؛ وهي: أن يكون عنده من الحجج الشرعية والعقلية ما يدافع به، وأن يكون عنده معرفة بالباطل الذي عليه المخالف. قال فتقاتل به هؤلاء؛ القتال هنا قتال بدء، أو قتال دفاع. والعلم سلاح من أعظم الأسلحة؛ كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "دعوتك لو أجبت إلى ما في حظك...". إلى أن قال: "تقاتل به". فالإمام أحمد رحمه الله تعالى لما كان مربوطًا بالسلاسل، كان يُعقد له مجلس المناظرة، فيبدأ المناظرون يناقشونه، فيرد عليهم الإمام أحمد، حتى كان المعتصم يستشيط غضبًا. فكان الإمام أحمد يرد بسلاح العلم، الذي هو سلاح لا يهزم به أهل السنة؛ لأن النصر يكون بالعلم والبيان، فدائمًا وأبدًا لا يهزمون في هذا المضمار. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.