الدرس في شرح كشف الشبهات 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع الأول مسألة العذر بالجهل في التكفير، ويشرح أقسام الكفر المختلفة مثل كفر التكذيب والإيباء والاستكبار والشك. يُظهر أن الإمام محمد بن عبد الوهاب يعذر بالجهل كما دلت عليه عباراته وكتاباته.
يتناول المقطع الثاني مفهوم كفر الإعراض وأقسامه، مثل الإعراض الكلي والإعراض القلبي، ويوضح أن الجهل قد يكون نتيجة الإعراض عن العلم، مما يؤدي إلى عدم العذر بالجهل.
يشرح المقطع الثالث الفرق بين من يجهل الأحكام لعدم توفر العلم له وبين من يجهلها لإعراضه عن طلب العلم، حيث يعذر الأول ولا يعذر الثاني خاصة في الأمور الواضحة.
يختتم المتحدث بالوصية بتصدق بأحوال الناس ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، رغبة في نيل البركة والرحمة من الله تعالى.
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن ولاه، أما بعد. الفقرة الأخيرة، إخواني في الله، من كلام المؤلف، رحمه الله تعالى، هي حول ما يتعلق بمسألة العذر بالجهل. قبل ذلكم، وقبل الخوض فيما عرفت مراد المؤلف، رحمه الله تعالى، أشرنا إلى قواعد سريعة في مسائل التكفير. من يذكر لي قاعدة من هذه القواعد الخمس؟ من لا، لا، هذا جزء من قاعدة. ذكرنا خمس القواعد: ليس كل من وقع في الكفر يكفر؛ خطورة التكفير؛ لا أحد يقدم على التكفير؛ لأن ما رده صعب؛ كذلكم، لابد من وجود دليل شرعي يحكم على القول والفعل بأنه كفري. مساعد، قد مرت هذه. خطورة التكفير، ما ضاءها؟ نعم، هذا الرابع: لا يكفر شخص بعينه حتى تقام عليه الحجة. الخامس: من علم إسلامه بيقين، لا يكفر بالظن. قد أشرنا إلى هذا في أثر أسامة، عندما أتى الرجل بالتوحيد، دخل في الإسلام، فأعمل أسامة الظن فيه، لعله قالها تحرزا، لعلها قالها تعوذا، لعل، لعل، فقتله، فعاتبه نبينا، أنه أعمل الظن. أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ قلت: يا رسول الله، ما قال إلا تعوذا. قال: كيف بك بلا إله إلا الله تحاجك عند الله؟ بدل على أن الإنسان إذا دخل بالإسلام بيقين، لا يكون كفره بالظن. هذه قواعد خمس، أشرنا إليها في درس أمس. ثم ذكرنا مسألة، وهي مسائل اتفق عليها العلماء، أن صاحبها يُعذر بجهله. قام سعد، من كان حديث عهد بإسلام، فوقع في أمر كفري، فإنه يُعذر بجهله. كذلكم، من كان في بادية - بادية، طبعا، بادية يدخل فيها كل مكان بعيد - في بادية، في قرية، في رأس الجبل، في بطن واد، في ساحل منطقة، في سواحل المالديف، ولا تلك الأماكن بعيدة، ما عندها أحد. أحد في المالديف، نأكل له، فتجد أن أماكن في أدغال أفريقيا، مثلا، أماكن بعيدة جدا، دخلوا في الإسلام، لكن ما عندهم من يعلمهم. ثالثا: ما يوجد فيه مانع من بلوغ الحجة، كالمجنون، وكالأصم، ونحو ذلك. طيب، ننتقل الآن، ولازلنا مع عبارة المؤلف، رحمه الله. إذا كان العلماء قد عذروا بالجهل، قد عذروا بالجهل في بعض المواطن، فكيف المؤلف، رحمه الله تعالى، هنا يصرح بأن الإنسان قد يكفر بكلمة، ولا يُعذر بجهله؟ هل معنى هذا أن الإمام محمد بن عبد الوهاب لا يُعذر بالجهل، كما يدعي ذلك أعداء التوحيد والسنة، بأن هذا الإمام، بس، يكفر مباشرة، لا يُعذر بالجهل؟ الجواب: لا. الجواب: فإن الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، يَعذر بالجهل، كما عليه أئمة السنة، وبما دلت عليه أدلة الشرع. مما يدل على ذلك، وما جاء من كثيم عباراته، في تآليفه وكتاباته، أنه، رحمه الله تعالى، يُصرح بأنه يَعذر الناس بجهلهم. ومن تلكم العبارة، عبارات كثيرة، أذكر عبارة ذكرها، رحمه الله تعالى، في الدرر، موجودة في الدرر السنية، أنه قال: وَإِذَا كُنَّا لَا نُكَفِّر مَنْ عَبَدَ الصَّنَمَ الَّذِي عَلَى عَبْدِ الْقَادِرِ وَالصَّنَمَ الَّذِي عَلَى أَحْمَدِ الْبَدَوِي وَأَمْثَالِهِم لِأَجْلِ جَهْلِهِم. قال: وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على أحمد البدوي، وأمثالهم، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم. فكيف نكفر من لم يشرك بالله؟ فكيف نكفر من لم يشرك بالله، إذا لم يهاجر إلينا؟ فعبارة الإمام، رحمه الله تعالى، من عبارات كثيرة، التي توضح أنه، رحمه الله تعالى، يعبر بالجهل، بدليل أن أناسا يعبدون قبر عبد القادر الجيلاني، ويعبدون قبر أحمد البدوي، وغيرهم ممن عبدوا، قال: مع ذلك، ما كفرهم. لماذا؟ ما كفرهم؟ قال: لجهلهم. لجهلهم، فهو قد أعذر الناس لجهل، وهذا المراد، وعدم تنبيهم، أي: ما هناك أحد ينبههم على أن هذا شرك. فدل ذلك على أن الإمام، رحمه الله تعالى، يعذر بالجهل. الرد، إخواني في الله، أو بيان هذه المسألة، هذا يُرجعنا إلى مسألة أعم، وهي فائدة نذكرها في هذا المقام. كما في شرح السنة، أطلنا النفس في أقسام الناس، في مناهج الأسماء والصفات. وهنا نذكر هذه المسألة. هذه المسألة مبنية على أقسام الكفر. العلماء، لما تكلموا حول الكفر، وما يتعلق بالكفر، وأنه ينقسم إلى قسمين: إلى كفر أكبر، وإلى كفر أصغر. أشاروا إلى أن الكفر الأكبر ينقسم إلى خمسة أقسام. ذكرها الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى، في المدارج. وأئمة الدعوة، قديما وحديثا، يمشون على هذه القسمة. القسم الأول: كفر التكذيب. كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ إلى أن قال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾. فبين ربنا عز وجل صفة هؤلاء: الكذب، التكذيب لله، ولدينه، فحكم عليهم ربنا عز وجل بالكفر. النوع الثاني من أنواع الكفر: كفر إيباء واستكبار. قد يكون هذا النوع مع التصديق، بخلاف الأول. الأول: مكذب. مكذب. أما الثاني: إيباء واستكبار، قد يكون مصدق، يعلم أن هذا حق، لكن إيباء واستكبار، وهو متبع، يأبى أن يذعن للحق. هذا من أنواع الكفر. هذا كحال إبليس. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. فجع ربنا عز وجل علة الكفر هنا: الإيباء والاستكبار. أبى واستكبر. أبى واستكبر. القسم الثالث: كفر شك. الشك الذي يدعيه صاحبه بعد ظهور الحق. بعد ظهور الحق، يدعي أنه لا زال متشكك، ما أدري. والله، ما أدري. تأتي له بوحدانية الله، تأتي بها بأدلة الإيمان، تأتي له بكل شيء، ثم يدعي أنه: والله، يقول: الله، ما أدري. إيش أفعل؟ الله، ما أدري. إيش أقول؟ كيف تيش تقول؟ خطأ، أخي، واضح. هل يقول: والله، ما أدري؟ والله، ما أدري؟ هل هذا كافي له عند الله جل وعلا؟ عندما يبقى متردد، متشكك، بعد ظهور الدلائل، هذا يسميه العلماء بكفر الشك. وأدلته كثيرة. من ذلك ما جاء في قصة سورة الكهف: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾. ما أظن. ما أدري. ولا أتوقع. ولا. جعل مقدمات كلامه الشكوك. وما أظن. وما أظن. هل هذا كان كافي؟ لا، بدليل ما جاء في حوار المؤمن معه. قال: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾. أطلق عليه لبض الكفر، مع أنه في خطابه لك، صاحب، يقول: أنا، ما أظن. والله، ما أظن الساعة قائمة. ما أظن أن هناك قيامة تقوم. ما أظن. فهذا الشك، إذا كان بعد ظهور الحق، ورد شيء من الدين، فهو كافر. يستنكر العلماء بكفر الشك. الرابع: كفر النفاق. كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. آمنوا ثم كفروا. هناك كفر نفاق. القسم الخامس: وهو كفر الإعراض. كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾. فذكر ربنا أن من صفات الكفار: والذين كفروا، ما بهم، عما أنذروا، معرضون. فعندهم إعراض. وهكذا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾. هنا أهل الإجرام، أي: أهل الكفر، ثم أعرض عنها. فدل على ذلك أن مما يوقع الكفار في الكفر: ما كان من كفر الإعراض. وقد بيّن ابن القيم، رحمه الله تعالى، هذا النوع من أنواع الكفر، ما هو كفر الإعراض. بيّنه ابن القيم، رحمه الله تعالى، بقوله: قالوا: أما كفر الإعراض: كأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، لا يصدقه، ولا يكذبه، لا يواليه، ولا يعاديه، لا يصغي إلى ما جاء به البتة. هذا هو كفر الإعراض. يعرض تماما عن الدين. وقد ذكر العلماء أن كفر الإعراض يكون له صور. يكون له عدة صور. فمن صور الإعراض، أو كفر الإعراض: ما يكون للإعراض الكلي. الإعراض الكلي عن الدين. لا يعمل به، ولا يعلمه، ولا يعمل به. إعراض كلي. مثل من، إخواني، مثل العلمانيين. ورجل علماني، يزعم أن اسمه محمد، عبد الله، عبد العزيز. أنت مسلم، إن شاء الله، مسلم. طيب، هذا الدين، كيف أنت وياه؟ والله، ما أدري. ما أدري عن هذا الدين شيء. لا علم، ولا عمل. لا عنده إيمان، ولا إسلام، ولا ملائكة، ولا يوم آخر، ولا عمل. معرض تماما عن الدين. كما قام القيم: لا يواليه، ولا يعاديه، ولا يستمع لشيء من الدين. ولا أشعر أنا أشعر بهذا الدين. ما له علاقة بهذا الدين. توك، أنت، ودينك. توك، ما له علاقة. فهذا كافر. إذا كان بهذا صورة، أعرض كلية عن الدين. يعيش بلا دين. هذا كافر. ما الذي يغنيه عنه اسمه الإسلامي، أو الديانة؟ مسلم، وهو في الحقيقة لا يعيش مع المسلمين، بل هو معرض تماما عن الدين. الصورة الثانية من صورة الإعراض الكفري: وما يسميه العلماء: الإعراض القلبي. قد يعمل بجوارحه، لكنه في قلبه معرض عن الدين. لكن في قلبه معرض عن الدين. كحال أهل النفاق. قد يعمل بجوارحه، لكنه في أساس قلبه معرض عن دين الله جل وعلا. الصورة الثالثة من الإعراض الكفري: هو الإعراض عن أمور تودي به إلى الكفر. الإعراض عن توحيد الله. أو الإعراض عن الصلاة. على قوم من يقول بأن تارك الصلاة كافر. فمن أعرض عنها، فقد كفر. فهنا، إخواني، إذا فهمنا ذلكم، وعلمنا مسألة الإعراض، وأن تنبني عليها أحكام، سنأتي الآن إلى عبارة المؤلف. بل ليس إلا عبارة المؤلف. بل إلى تقييم حال كثير من الناس، أنهم يحتجون بمسألة الجهل. يأتيك رجل، وقع في خطأ، وقع في زلل، وقع في معصية، تركه واجب، ثم يحتج بك بأنه جاهل. انتبه هنا، يا طالب العلم، حاول أن تقيم هذا الشخص، تقييمه، أن يكون بين أمرين اثنين، لا ثالثة لهما: إما جاهل، أو إما معرض. معرض. إذا كان جاهل، نعذره بجهله. أما إذا كان جاهله - يعني إذا كان جاهل بسبب عدم العلم - نعذره. وإن كان جاهله للإعراض عن العلم، هذا ما نعذره. ما نعذره. وهذا كان شيخنا، مقبل، رحمه الله تعالى، يذكره دائما لنا. يعني أخطأ بعض الناس، يقول لك: أنا جاهل. وهم جاهل معرض عن العلم. وهذا نجده الآن كثير جدا. كثير. يأتي كرجل، وقع في أخطاء، مثلا، في الطهارة، أخطاء في الصلاة، أخطاء في الصيام، ثم يقولك: والله، يخلي فترة، أنا على هذا الحال. لي فترة، أنا على هذا الحال. أفعل الشيء الفلاني. يقولي: يا أخي، هذا الشيء الفلاني مفطر. هذا مفطر في نهار رمضان. يأخي، يقولك: إيش أفعل؟ وأنا لي سنوات أفعل ذلكم. يعني كيف؟ يعني إيش حكم الصيام؟ إيش حكم الفعل؟ هل أنا معذور عند الله؟ قال: لا، من أنت معذور؟ أنت من أنت معذور؟ قد يقول: قال: أنا جاهل. يقول: لا، أنت معرض. من أنت جاهل؟ جاهل. متى تكون جاهل؟ إذا كنت في بادية بعيدة، في بادية بعيدة، أو ما عندك علم. أما أنت تعيش في مثل هذه الأماكن، الدروس مستمرة، لا في مساجد شتى، والإعلام، تفتح الشاشات، تجد عندك برامج، يا من تشاهد الشاشات، عندك قنوات إسلامية، قنوات إسلامية، تفتح المذياع، تجد المذياع فيه إذاعات للقرآن الكريم، تبث العلم. تذهب إلى الدكاكين والمحلات، تجد المطويات، وتجد الجرائد، وتجد الكتب. العلم، اكتسح. تنظر، يملة الميزة، وتجد طلاب العلم في كل مكان. وأنت في خضم هذه الأمواج العظيمة من العلم، ماذا تفعل؟ معرض. معرض. ما تريد. إذا قال الشيخ: إن الحمد لله، خرجت. وإذا أعطوك مطوية، خدتها، وارميتها في السيارة. وإذا جاء ابنك بكتيب: وإيش هذا؟ طلع في الرف. معرض عن العلم. فإذا أعرضت عن العلم، ووقعت في خطأ، تقول: أنا جاهل. لا، ما أنت جاهل. أنت معرض. فرق، يا عبد الله. فرق، يا طالب العلم، بين معرض، بين جاهل. الجاهل: هو الذي ما تسأل له العلم. يأتيك رجل حديث عهد بإسلام، أو رجل بعيد، أو تقول: رجل في بلدة نائية، في بلدة موجود فيها حضار، لكن ما وجد فيها أهل سنة. ما عنده من يعلمهم. ما عندهم. لكن تتكلم عن بيئة فيها الكثير من أدوات العلم، المقروءة، والمرئية، والمسموعة، وصاحبنا يُعرض. هذه المشكلة. يُعرض. يصوم رمضان، عشرات السنين، عشرات السنين، يصوم رمضان. هل تعلمت أحكام الصيام؟ يقول: لا، ما تعلم. ليش؟ أخص نُعرض. يقول: أنا فاهم كل شيء. ثم إذا وقع في الخطأ، يبكي. أقول: لي عشر سنوات، نفعل هذا. يقول: لا، لا، تبكي. ويزرك على ذنبك. تحمل. تحمل ما مضى من صيامك. وهكذا. قصة، يا عبد الله، سائر أحكام الدين. ينبغي التفريق بين مسألة من جهل لعدم تسني العلم له، وبين من جهل لإعراضه عن العلم. الأول يُعذر. والثاني لا يُعذر. طيب، إذا فهمنا هذا، وفهمنا هذا الفحوى، ما المراد؟ المراد الذي أوصله إليكم: خلاصته على أن هذا الإنسان الذي قال عنه الإمام، رحمه الله: وإن ربّى إنسان يكفر بكلمة، ولا يُعذر بجهله. أي: هذا في حق الجاهل المعرض. ما يُعذر بجهله. مثل إنسان الآن يسأل، أو سأل: يسأل رجل سب الدين، أو سب الرب. هل يُعذر بجهله؟ الجواب: لا، ما يُعذر بجهله. لأن هذه المسألة ما تخفى، واضحة، واضحة المعالم. فتاة، والعلماء، وكلام العلماء، وكلام الناس، والفطر السليمة، والطبائع الرشيدة، تدل على هذا. فلو قال رجل: والله، يا أخي، والله، عندي أمر خير. تفضل، يا أخي. أنا سبّت سبّت الدين. أستغفر الله العظيم. وقالوا لي: أنها كفرت. وأنا، والله، ما أدري. أنا، والله، ما أدري. يقول له: كيف ما تدري؟ ما تدري أن السبّت الدين كفر؟ لا، يا أخي، دريت، ولا ما دريت. أنت ما أنت جاهل. أنت ما أنت جاهل. مثل هذا، ربّى إنسان يكفر بكلمة، ولا يُعذر بجهله. لماذا لا يُعذر بجهله؟ لأنه معارض. لأنه قد أعرض عن العلم. أعرض عن تعلم الدين. قال المؤلف، رحمه الله تعالى: ﴿وَقَدْ يَقُولُهَا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهَا تُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ كما كان يظن المشركون. أي: أحيانا، حتى الكفر، قد يقع منك، وأنت تتقرب إلى الله. فليس من شرط كفر الكافر أن يكون معادي للدين. هذا ليس شرط. قد يصل كفر الكافر، وهو يتقرب إلى الله بالدين. بدليل: ﴿وَمَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. هم أرادوا القربة من الله. وفي الحقيقة، مزداد من الله إلا بعدا. مزداد من الله إلا بعدا. فليس كل من ادعى دعوة تقرب إلى الله، أن هذا مبرر لما يقوم به من أعمال، وكفريات. لدليل أن الكافر، وهو كافر، كان يتقرب إلى الله. ومع ذلك، هو كافر. قال، رحمه الله تعالى: خصوصا أن ألهمك الله تعالى ما قص على قوم موسى، مع صلاحهم، وعلمهم، أنهم أتوه قائلين: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. فحينئذ، يعظم خوفك، وحرصك على ما يخلصك من هذا، وأمثاله. هذه مسألة، كذلك، مما تثير الخوف لديك. وهو ما كان من أتباع موسى، عليه السلام، وهم بني إسرائيل. بني إسرائيل، كانوا في أوقاتهم، وأزمانهم، من خيرة الأجيال، ومن خيرة الشعوب. بل بنص القرآن: ﴿وَفَضَّلْنَاكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. فربنا فضل بني إسرائيل على كل الخلق، على كل الخلق، في أزمانهم. ما هناك شعب حباه الله بالخيرية، والإكرام، والحفاوة، والإحترام، بمثل بني إسرائيل. ما هناك أحد. جعل الله منهم الملوك، وجعل منهم الأنبياء، وجعل منهم الرسل. كل الرسل. كل الرسل خرجوا من نسل إسرائيل، من بني إسرائيل. فكان قوم موسى، ومن معه، مع موسى، عزيزا، هم الخلص من عباد الله. ومع ذلك، وقع منهم ما وقع: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. فذكر العلماء أن هذا الأمر، إذا وقع لأتباع موسى، وهم الخلص من عباد الله، فما ظنك بمن هم دونهم؟ فهم ظن لأن يقع منهم خلل في توحيد الله. وهذا مثله يجرنا إلى ما وقع لبعض أصحاب رسول الله، عليه الصلاة والسلام، عندما خرجوا إلى حنين: ﴿اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ﴾. وهو لا من أصحاب رسول الله. فوقع منهم الذي وقع. بهذا نعلم، يا عبد الله، عدة أمور. الأمر الأول: ما أراده المؤلف، رحمه الله تعالى، من الخوف: الخوف على نفسك، الخوف على توحيدك، من أن يذهب عنك، أن يذهب عنك. فلا يزال المسلم خائفا، فزعا. إذا كان هؤلاء ممن صاحب الأنبياء، وصاحب الرسل، وقعوا في هذه الأشياء، فما ظنك بغيرهم؟ كأمثالنا. فالإنسان لا يأمن على نفسه، ولا يغتر بأعماله، ولا يتكئ على أفعاله، بل يخشى دائما وأبدا على نفسه. يخاف. والله، كم نرى حتى في مسالك المنهجية، تجد أحد الناس الذي يتبنى بعض الأقوال المتعصبة. إذا كان فيما بينك وبينه سلم عليك، وهش وبش. وإذا كان مع أتباعه وأصحابه، غضب، وعكر جبهته، وحمر وجهه. سبحان الله. بالأمس، أنا وياك، طبحك. لما تكون مع أصحابك، تظهر الغضب. ليش؟ أين الخوف من الله؟ هذا ليس خوف من الله. هذا خوف من مخلوق. هذا طعم في العقيدة. هذا خوف من سبيل ماذا؟ خوف طبيعي. يا من درست العقيدة والتوحيد عندك، خوف طبيعي. عندك خوف شركي. عندك خوف إيش؟ من خوف هذا؟ عندما تكون لوحدك، تظهر الأخوة الإسلامية. وعندما تكون مع أصحابك، ومن كان على منهجك، تظهر الغضب. ثم تقول: أنا أخاف منهم. هذا إيش من خوف؟ فالإنسان، إخوانا في الله، يقع منهم زلات، وهنات، في توحيد الله. ولهذا يحتاج المسلم إلى التعمق. لهذا كان من دعوة أهل السنة والجماعة: الاهتمام في مسائل العقيدة والتوحيد، دائما. دائما. توحيد. عقيدة. توحيد. عقيدة. توحيد. هو الأس، والأساس. لأن إذا صلح، حال بها، تصدق بأحوال الناس. تصدق بأحوال الناس. والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.