الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 21، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يقرر المقطع أن الله تعالى لا تدركه الأبصار إحاطةً بينما هو يدركها ويحيط بكل شيء. ويؤكد أن المؤمنين سيرون ربهم يوم القيامة رؤية نعيم واضحة دون إحاطة ولا مشقة مستدلاً بالقرآن والسنة.
يبيّن المقطع أن رؤية الله يوم القيامة ثابتة بالأحاديث المتواترة وأن التشبيه في حديث القمر عائد على صفاء الرؤية لا على المرئي. ويفند شبهة المعتزلة والجهمية مبيناً أن الإدراك غير الرؤية فالله يُرى ولا يُدرك.
يبيّن المقطع الفرق بين الإدراك بمعنى الإحاطة والرؤية مستدلاً بآية ترائي الجمعين وطلب موسى رؤية ربه. ويؤكد أن نفي الرؤية في الدنيا لقصور قوة البشر لا للتأبيد وأن الرؤية ثابتة في الآخرة للمؤمنين.
أعلن المحاضر انتهاء الوقت ودخول وقت الصلاة مؤكداً أنه سيكمل النصوص في الدرس اللاحق. ثم دعا بالصلاة على النبي وحث المشاهدين على الاشتراك في القناة.
بسم الله، وحمد الله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال المصنف رحمه الله تعالى: "ونؤمن بأن الله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير". من الإيمان بالله عز وجل: الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار، بمعنى لا تحيط به جل وعلا. فالله سبحانه وتعالى لا يحيط به شيء من خلقه، بل هو جل وعلا المحيط بخلقه سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. فالعباد لا يحيطون بالله جل وعلا علما، كما قال سبحانه: ﴿لَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، وهكذا لا يحيطون جل وعلا به بصرا حاطة بأبصارهم رؤية، ولا سمعا. فالله جل وعلا تعالى أن يحاط به شيء من خلقه، بل هو جل وعلا الذي أحاط بكل مخلوقاته سبحانه وتعالى. فذكر المصنف رحمه الله تعالى هذه الآية التي فيها بيان أن الله جل وعلا لا تدركه الأبصار، ليبين منهج أهل السنة والجماعة في إثبات النصوص الواردة في كتاب الله جل وعلا؛ لأنها لا تقتضي الإحاطة بصفات الله جل وعلا فتكون محدودة، أو أن الله جل وعلا يحاط به شيء من مخلوقاته. تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا. وهو اللطيف الخبير، الذي علم كل شيء، علم ظواهر الأشياء وبواطنها، ما ظهر وما خفي، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فلا يخفى عليه شيء جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: "ونؤمن بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة". قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. "ناضرة" فيه بيان أن المؤمنين يرون الله جل وعلا يوم القيامة. فالله جل وعلا من أوصافه أنه يرى، يرى يوم القيامة من غير إحاطة، رؤية من غير إحاطة، كما تقدم: "لا تدركه الأبصار" بمعنى لا تحيط به رؤية. فالله جل وعلا يرى يوم القيامة، يراه المؤمنون رؤية نعيم يتلذذون بالنظر إلى وجه الكريم جل وعلا. فأهل السنة والجماعة يثبتون ذلك ويؤمنون بذلك، لأن رؤية الرب جل وعلا يوم القيامة جاء ذكرها في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأجمع على ذلك السلف الصالح. والنصوص في كتاب الله جل وعلا كثيرة، منها ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى: قوله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. "ناضرة" بالضاد أي حسنة بهية، "إلى ربها ناظرة" أي تنظر إلى ربها سبحانه وتعالى. وهكذا جاء في كتاب الله جل وعلا قوله سبحانه وتعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. هذه الآية بين الله جل وعلا فيها أنه حجب الكفار عن رؤيته سبحانه وتعالى، فهذا يدل على أن المؤمنين يرونه جل وعلا. ففائدة إخبار الله جل وعلا أنه حجب رؤيته عن الكافرين: بيان أن المؤمنين يرونه، لأنه لو كان الكل محجوبا عن رؤية رب العالمين، لما خص الله جل وعلا الكفار، وذكر الكفار فقط، وأنهم هم الذين يحجبون عن رؤيته سبحانه وتعالى. ولذلك استدل الإمام الشافعي رحمه الله والإمام أحمد على رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة بنصوص الكتاب والسنة، ومنها هذه الآية. فقال رحمهما الله: لما أخبر الله جل وعلا أنه حجب الكفار عن رؤيته، فدل في حال سخطه، دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته فقال: ولقد أتى في سورة التطفيف ** أن القوم قد حجبوا عن رؤية الرحمن فدل بالمفهوم أن المؤمنين ** يرونه في جنة الحيوان وبذا استدل الشافعي وأحمد ** وسواهما من عالمي الأزمان يقول رحمه الله: الله سبحانه وتعالى قد أخبر في سورة التطفيف أنه حجب رؤيته عن الكافرين، وهذا هو منطوق الآية: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. قال: فدل بالمفهوم، أي مفهوم النص، وهو المخالفة، أن المؤمنين يرونه في جنة الحيوان. واستدل الشافعي وأحمد وسواهما من عالم الأزمان، أي استدل على رؤية رب العالمين يوم القيامة بهذا النص الذي منطوقه حجب الكافرين عن رؤيته يوم القيامة، الذي مفهومه رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا يوم القيامة. وهكذا جاء في كتاب الله جل وعلا قوله سبحانه وتعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، فسر الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم. ومنها قوله جل وعلا: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، فسر المزيد بالنظر إلى وجه الله الكريم جل وعلا يوم القيامة. وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. قال ابن المبارك رحمه الله في تفسير هذه الآية: "فمن كان يرجو لقاء ربه" أي من كان يريد النظر إلى وجه خالقه جل وعلا، "فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا" يعني يخلص في عمله لله سبحانه وتعالى. والنصوص في سنة النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة في إثبات رؤية رب العالمين يوم القيامة، منها حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه، والصحيحين، وجاء كذلك حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته»، في لفظ: «لا تضارون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا». فقوله عليه الصلاة والسلام: «إنكم سترون ربكم»، هذا السين فيه للاستقبال: «سترون ربكم» يعني يوم القيامة، فالرؤية لا تكون، أي رؤية رب العالمين، إلا يوم القيامة. «إنكم سترون ربكم» أي يوم القيامة. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تضامون في رؤيته» أي لا تحتاجون إلى أن ينضم بعضكم إلى بعض، كحال الشيء الذي لا يرى واضحا. فالناس إذا أرادوا أن يروا شيئا غير واضح، فإنه يجتمع بعضهم مع بعض، فيقول: تعال انظر، انظر، مثل الهلال، مثل لما يكون بَعِيفا، والهلال لما يكون بَعِيفا فيجتمع الناس في موضع معين لأنه يحتاج إلى دقة نظر، فلا يرى واضحا، يراه كل أحد في مكانه، نعم، أو يرون شيئا دقيقا فهم يحتاجون إلى انضمام حتى يرونه لضعف الرؤية. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تضامون في رؤيته»، بمعنى الرؤية واضحة، الرؤية واضحة، كل واحد يراه رؤية واضحة. وقوله: «لا تضارون في رؤيته» أي لا تجدون ضررا ولا تجدون مشقة، فالرؤية يسيرة ميسرة واضحة. شبه النبي عليه الصلاة والسلام برؤية القمر، وقوله عليه الصلاة والسلام: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر»، هنا فيه تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، كما يزعم أهل البدع أن أهل السنة يشبهون الله جل وعلا بالقمر. نعم، لا، وإنما تشبيه الرؤية بالرؤية: كما نرى القمر واضحا، لا نحتاج إلى انضمام بعضنا إلى بعض لرؤيته، ولا نجد ضررا ولا مشقة حين يكون بدرا، فهكذا نرى ربنا جل وعلا يوم القيامة رؤية واضحة، لا مشقة معها، ولا نحتاج إلى انضمام بعضنا لبعض، فالرؤية واضحة، رؤية واضحة. فالتشبيه تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي. وحديث رؤية المؤمنين ربهم جل وعلا يوم القيامة كثيرة، بل هي من الأحاديث المتواترة. أحاديث الرؤية من الأحاديث المتواترة، ولذلك قالوا في هذه الأحاديث التي عدت أنها متواترة، ومما تواتر: حديث من كذب، ومن بنى لله بيتا واحتسب، ورؤية، شفاعة، والحوض، ومسح خفين. وهذه بعض، عدوا أحاديث الرؤية من الأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهي من أعظم النعيم، رؤية رب العالمين يوم القيامة من أعظم النعيم الذي كان يدعو به الأنبياء ربهم جل وعلا. فكان نبي عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول عليه الصلاة والسلام: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة». فكان عليه الصلاة والسلام يسأل ربه جل وعلا لذة النظر إلى وجهه الكريم، وذلك لعظيم هذا النعيم. ولذلك أهل الجنة وهم في الجنة، كما جاء في حديث أبي سعيد وغيره في صحيح الإمام مسلم: حين يكون أهل الجنة في الجنة، الله سبحانه وتعالى يسألهم: «هل أزيدكم؟» فيقولون: «وماذا يا ربنا؟ على ما أنعمت به علينا؟» فيكشف ربنا عز وجل الحجاب عن وجهه سبحانه وتعالى، فيتلذذون بالنظر إلى وجه الكريم سبحانه وتعالى، فما أعطوا نعيما أعظم من النظر إلى وجه الكريم سبحانه وتعالى. والنصوص كثيرة في إثبات رؤية رب العالمين يوم القيامة لأهل الإيمان، رؤية النعيم والتلذذ. وهذا مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة. وضل في هذا الباب أهل التعطيل من المعتزلة والجهمية، الذين نفوا الرؤية، فقالوا: الله جل وعلا لا يرى، لا في الدنيا ولا في الآخرة، لا في الدنيا ولا في الآخرة. وطائفة أخرى غلوا في إثبات الرؤية، فأثبتوا رؤية رب العالمين في الدنيا والآخرة. وهكذا ضل في هذا الباب الأشاعرة، الذين أثبتوا رؤية رب العالمين يوم القيامة، ولكن ليس كإثبات أهل السنة والجماعة لرؤية رب العالمين يوم القيامة. لأن الأشاعرة لم يثبتوا رؤية رب العالمين يوم القيامة رؤية بالأبصار، بالبصر الحقيقي، وإنما قالوا: رؤية بالبصيرة، رؤية بالبصيرة. وأيضا منهم من قال: رؤية من جميع الجهات، ومنهم من قال: رؤية لا إلى جهة. وكل هذه الأقوال باطلة، كل هذه الأقوال أقوال باطلة تخالف الكتاب والسنة ومقتضى لغة العرب. فالجهمية والمعتزلة الذين عطلوا رؤية رب العالمين، وقالوا: الله جل وعلا لا يرى لا في الدنيا والآخرة، استدلوا ببعض النصوص في كتاب الله جل وعلا، منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾. فقالوا: "لا تدركه الأبصار" بمعنى لا تراه، بمعنى لا تراه، أو بمعنى لا تعلمه، لا تراه ولا تعلمه. ولهذا هنا تنبيه نبه عليه بعض أهل العلم في تفسير العلم بالإدراك، يعني إذا فسر العلم بأنه إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكا جازما، هذا فيه مدخل للمعتزلة، فيه مدخل للمعتزلة الذين يفسرون الإدراك بالعلم. ولذلك إذا جاء إلى قوله جل وعلا: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، أي لا تعلمه، بمعنى لا تراه، فلذلك يفسر العلم بالمعرفة، معرفة الشيء على ما هو عليه. نعم، بدأ الإدراك إدراك، لأن العلم غير الإدراك، نعم، والإدراك غير العلم. فليس كل من علم أدرك، ليس كل من علم أدرك، فالإدراك أوسع، الإدراك أوسع. فاستدلوا بهذه الآية، وقالوا: "لا تدركه الأبصار" بمعنى لا تراه الأبصار. ورد عليهم في هذا: أن تفسير "لا تدركه الأبصار" بمعنى لا تراه خطأ وغير صحيح، باطل، لأن الإدراك غير الرؤية، الإدراك شيء والرؤية شيء آخر. فالإنسان يرى ولا يدرك، يرى ولا يدرك. مثلا: الإنسان الآن يرى السماء، يرى السماء، إذا قلنا له: هل ترى السماء؟ يقول: نعم، أرى السماء. نقول: هل أدركتها؟ ما يصير، يقول: نعم، أدركتها. أدركت ماذا؟ نعم، حتى سماء السحر ما أدركتها، كيف أدركتها؟ تراها، نعم، إذن ترى ولا تدرك. أنت ترى السماء ولكن لا لا تدركها. وهذا ابن عباس قال لرجل مثل هذا الكلام، نعم، لما سأله قال: هل ترى السماء؟ قال: نعم. قال: هل أدركتها؟ قال: ما أدركها. فالرؤية غير الإدراك. البحر كذلك: ترى البحر، يقول: نعم، أنا أرى البحر، ولا أدركت البحر، لا، ما أدركت البحر، أين أدرك البحر؟ إلا رأيت هذه الناحية، نعم، أما رأيت كل البحر؟ الإدراك هي الرؤية بإحاطة، الرؤية مع إحاطة، إذا رأيت الشيء نعم وأدركت به إحاطة، أحط به رؤية، يعني من جميع جوانبه، نعم، من جميع جوانبه، ما خفي عليك منه شيء، فهذا هو الإدراك، هذا هو الإدراك. نعم، وهذا لا يمكن، وهذا لا يمكن. يعني ربما حتى القلم هذا ما يستطيع الإنسان أن يدركه، يراه نعم، لكن يدركه لا، يعني هذا الجانب ما يستطيع أن يراه من خلف، فإذا ما أدرك به رؤية لأنه ما أحاط بجميع أجزاء هذا القلم، نعم. فالله سبحانه وتعالى يرى ولكن لا يدرك. فإذا كان هذا في المخلوق، فمن مخلوقات الله جل وعلا ما يرى ولا يدرك، ما يرى ولا يدرك، فكيف بالخالق جل وعلا؟ فالله جل وعلا يرى ولا يدرك سبحانه وتعالى، لأنه أعظم جل وعلا، نعم، عظيم جل وعلا من هذه مخلوقاته. فالله سبحانه وتعالى هو الخالق بهذه المخلوقات العظيمة التي لا يستطيع الإنسان أن يحيط بها رؤية، فكيف يحيط بربه جل وعلا رؤية؟ الإنسان يقول: رأيت الجيش، إذا كان مثلا الجيش عدد عشرة آلاف أو مئة أو أكثر، فقد يرى الجيش ويقول: أنا أرى الجيش. لكن إذا قلنا له: هل أدركت؟ يعني أحط به رؤية؟ لا، الجيش طويل عريض كبير، نعم، رأى جانب من جوانب الجيش ولم يدرك هذا الجيش، نعم. ولذلك قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم مما يدل على الفرق بين الإدراك والرؤية، قال جل وعلا: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. فلما تراءى الجمعان، يعني جمع موسى عليه الصلاة والسلام وجمع فرعون وقومه، حصل الترائي، نعم، جمع موسى عليه الصلاة والسلام وقومه رأى جمع فرعون وقومه، حصل الترائي، لكن هل حصل الإدراك؟ لا، ولذلك قال موسى: كلا، لما قالوا: إنا لمدركون، قال: كلا، يعني غير مدركين، وإن رأونا لكن ما أدركونا، نعم. فهذا يدل على الفرق بين الإدراك وبين الرؤية. المنفي في هذه الآية الإدراك، ما قال جل وعلا: لا تراه الأبصار، وإنما قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، بمعنى لا تحيط به رؤية، لأن الإدراك هو الإحاطة، الإدراك بالشيء هو الإحاطة به، وهذا منفي. فالله جل وعلا لا يحيط به عباده، نعم، بل هو جل وعلا الذي يحاط بعباده جل وعلا. وكذلك استدلوا بقوله جل وعلا لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾. قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. موسى عليه الصلاة والسلام طلب من ربه جل وعلا أن يراه، وما أنكر الله سبحانه وتعالى عليه ذلك الطلب، نعم، ما أنكر عليه ذلك الطلب. وهكذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾، ما أنكر عليه هذا الطلب. ولما قال نوح عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، أنكر عليه ربنا سبحانه وتعالى. فطلب موسى من ربه جل وعلا أن يراه، طلب صحيح، ما أنكر الله جل وعلا عليه طلبه. لو كان الطلب غير صحيح، وأن الله جل وعلا لا يرى، ولا يطلب منه جل وعلا أن يرى، لقال الله سبحانه وتعالى: إني لا أرى، نعم، أو لست بمرئي، أو أنكر عليه ذلك الطلب، ما يدل على أنه غير حاصل ولا يحصل، نعم. وإنما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، يعني في الدنيا، لن تراني، يعني في الدنيا، لن تستطيع، لن تستطيع أن تتحمل رؤيتي. ولذلك الله سبحانه وتعالى جعل له مثلا بهذا الجبل العظيم، نعم. فالله سبحانه وتعالى يقول لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾. هذا الجبل العظيم ما استطاع، نعم، أن يتحمل رؤية رب العالمين جل وعلا مع عظمته، فكيف المخلوق الضعيف، نعم؟ فدل هذا على إمكان، على إمكان الرؤية، على إمكان رؤية رب العالمين جل وعلا، لكنها في الدنيا غير ممكنة، وإنما ممكنة في الآخرة. هي ممكنة، رؤية رب العالمين ممكنة، لكنها في الآخرة، أما في الدنيا فغير ممكنة، وذلك لضعف قوة البشر، لضعف قوة البشر، فما عندهم بصر، نعم، قوي، نعم، يستطيعون به أن يروا ربهم جل وعلا في الدنيا، بخلاف يوم القيامة. يوم القيامة يدعم الله سبحانه وتعالى على المؤمنين في أسماعهم وفي أبصارهم، نعم، وفي قواهم الأخرى، فيوم القيامة تكون قواهم قوية، نعم، عندهم بصر قوي يستطيعون به تحمل النظر. وهذا من نعيم رب العالمين جل وعلا على العباد يوم القيامة. ينظر الإنسان وهو في الجنة في أعلى عليين إلى أسفل سافلين في الجحيم، وهو في الجنة في أعلى عليين ينظر في الجحيم، الجحيم التي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن حجرا ألقي فيها وهوى فيها سبعين خريفا حتى وصل، فحصلت منه هزة في الأرض. قال الصحابة: ما هذا يا رسول الله؟ قال: «هذا حجر ألقي به في نار جهنم سبعون خريفا»، نعم، وصل الآن. حجر يلقى لمدة سبعين سنة حتى يصل، يدل على أن جهنم عظيمة. فهذا الرجل يطلع وهو في الجنة على الذي كان يريد في الدنيا أن يضله، نعم، ﴿إِنْ كُنْتَ لَتَرُدُنِ﴾، قال: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾، أمره طلع وهو في الجنة ونظر في جهنم، في الجحيم، نعم، ورآه في أسفل، ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ يعني في أصلها، نعم، في أصل في جهنم. استطاع يراه لماذا؟ لأنه يوم القيامة تختلف القوة، فأهل الإيمان يكون لهم يوم القيامة النظر القوي، فلذلك يستطيعون النظر إلى رب العالمين جل وعلا، أما في الدنيا فلا يستطيعون. ولذلك قال الله عز وجل لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾. فالجهمية والمعتزلة يقولون: "لن تراني"، "لن" هنا تفيد التأبيد، يعني تأبيد النفي، وهذا غير صحيح في اللغة. "لن" لا تفيد التأبيد في اللغة، وإنما بحسب السياق، فقد تفيد التأبيد وقد لا تفيد، بحسب السياق. ومما يدل على أن "لن" لا تفيد التأبيد: جاء في قوله جل وعلا: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. هذه الآية أخبر الله عز وجل فيها أن المنافقين لن يتمنوا الموت أبدا. هل هنا "لن" أفادت التأبيد وأنهم ما تمنوا الموت بعد؟ لا، تمنوا الموت وهم في النار، تمنوا الموت وقالوا: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، الآن كمنه الموت. إذن الآية التي تقدمت فيها "لن" ولم تفد التأبيد، وهذا هو الصحيح في لغة العرب. ولذلك قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: وَمَنْ رَأَى النِّفْيَ بِـ"لَنْ" الْمُؤَبَّدَةَ ** فَقَوْلُهُ رَدْدٌ وسواه فَعَضُدْ يعني: قوله مردود، غير صحيح، هذا الذي يرى أن "لن" تفيد النفي للتأبيد دائما، قوله غير مقبول. ومن رأى النفي بـ"لن" المؤبدة فقوله رد، وسواه فعضد، يعني سوى هذا القول تمسك به وهو الحق، وهو أن "لن" لا تفيد التأبيد، وإنما بحسب السياق قد تفيد وقد لا تفيد. وما يدل على أن الرؤية يوم القيامة رب العالمين جل وعلا ممكنة، وأن طلب الرؤية ممكن: موسى الكريم عليه الصلاة والسلام، إذا كان لا يجوز، نعم، منه أن يطلب رؤية رب العالمين جل وعلا، لم طلب؟ ولكنه يعلم أن هذا يجوز أن يرى رب العالمين جل وعلا، لكنه الذي لم يعلمه أن الرؤية غير ممكنة في الدنيا، فأعلمه الله سبحانه وتعالى بذلك. طيب، دن الجهمية والمعتزلة، ماذا يفسرون النصوص الواردة في كتاب الله جل وعلا بماذا يفسرونها؟ التي فيها النظر، يفسرونها بالانتظار. ونريد أن نذكر هذه النصوص، ولكن قد ضاق المقام ودخل وقت الصلاة. إن شاء الله في درسنا اللاحق نكمل في هذا الباب. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اشتركوا في القناة، شكرا، شكرا، شكرا، شكرا.