عقيدة أهل السنة والجماعة 37

الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 37، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الإيمان بحوض النبي وصفاته وترتيبه في يوم القيامة

يتناول المحور الإيمان بحوض النبي محمد صلى الله عليه وسلم كجزء من أصول الإيمان باليوم الآخر، مبيناً صفات مائه (أبيض من اللبن، أحلى من العسل، أطيب من المسك) وارتباطه بنهر الكوثر واختصاصه بالنبي دون سواه. كما يوضح مكانة الحوض قبل الميزان والصراط في ترتيب مراحل القيامة، مع التحذير من حرمان المبتدعين منه وفضل أهل اليمن المتمسكين بالسنة في الشرب منه.

أحوال الناس عند المرور على الصراط يوم القيامة

يصف المحور الصراط بأنه جسر على متن جهنم يعبر الناس عليه بقدر أعمالهم ونورهم، فمنهم من يمر كالبرق ومنهم من تخدشه الكلاليب وينجو ومنهم من يسقط في النار. ويؤكد أن الاستقامة على الصراط المعنوي في الدنيا (كتاب الله وسنة نبيه) سبب للنجاة على الصراط الحسي في الآخرة، وأن الأنبياء يدعون يومئذٍ: «اللهم سلم، اللهم سلم» لعظم الموقف.

الدعاء بالنجاة على الصراط واستكمال مسائل الإيمان باليوم الآخر

يسجل المحور دعاء المتحدث بأن يوفق الله الحاضرين للمرور على الصراط بسرعة كالبرق أو الريح. ويشير إلى أن المصنف سيذكر لاحقاً تفاصيل الإيمان باليوم الآخر التي يجب على العبد الإيمان بها بعد العلم بها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فكان آخر الكلام في ذكر الموازين يوم القيامة، وأن من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بنصب الموازين يوم القيامة تزن فيها أعمال العباد. قال رحمه الله تعالى: «ونؤمن بحوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماءه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من رائحة المسك، طوله شهر وعرضه شهر، وآنيته كنجوم السماء حسناً وكثرة، يرده المؤمنون من أمته، فمن شرب منه لم يظمأ بعد ذلك». ذكر رحمه الله تعالى مما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر مجملاً فيه التفصيل: الإيمان بحوض النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقد دل كتاب الله جل وعلا على أن الله جل وعلا أنعم على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الحوض الذي يمد بميزابين من الكوثر، الذي هو نهر في الجنة. فالكوثر وعده ربنا عز وجل نبينا محمداً عليه الصلاة والسلام، وهو نهر في الجنة. هذا النهر الذي في الجنة يمد منه ميزابان إلى هذا الحوض، فالحوض هو ملتقى الماء، الموضع الذي يلتقي فيه الميزابان اللذان يمدان هذا الحوض من الكوثر الذي هو النهر في الجنة، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. فالكوثر هو نهر في الجنة، وهذا النهر يمد منه ميزابان إلى الحوض. فذلك الحوض خصه ربنا عز وجل نبينا محمداً عليه الصلاة والسلام، وعلى الصحيح أنه لم يثبت لنبي ذلك إلا لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وأما الحديث الوارد: «إن لكل نبي حوضاً»، فالحديث ضعيف على الصحيح من أقوال أهل العلم، لأنه من رواية الحسن عن سمرة، والحسن لم يسمع من سمرة هذا الحديث، وإنما أثبتوا حديث العقيقة وبعض حديث، وهذا ليس من ذلك. إضافة إلى ذلك، ليست العلة فقط الانقطاع (عدم سماع الحسن من سمرة)، وإنما كذلك علل أخرى ذكرها العلماء. فلذلك الصحيح أن الحوض إنما هو للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. ومن صحح ذلك الحديث فأثبت حوضاً لغير نبينا عليه الصلاة والسلام من الأنبياء، لكنه ليس كحوض النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حيث الوصف، ومن حيث كثرة من يرده، وغير ذلك. وإلا فالصحيح أن الحوض إنما هو ثابت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما في القرآن: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، أي لم يكن ذلك لغير النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أعطاه الله جل وعلا نبينا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم دون سائر الأنبياء، وهذا مما شرفه الله جل وعلا به. ولا حديث كثيرة في سنة النبي عليه الصلاة والسلام في إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة. فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عدد من الصحابة، منهم سهل بن سعد الساعدي، وكذلك عقبة بن عامر، وجاء كذلك حديث جندب بن عبد الله البجلي، وغيرهم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إني لأنظر إلى حوضي الآن». وقال عليه الصلاة والسلام: «أنا فرطكم على الحوض»، أي متقدمكم إلى ذلك الماء، وهو الحوض الذي جاء خبره عن النبي عليه الصلاة والسلام. وكما سمعتم جاء في كتاب الله جل وعلا، وهكذا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». وهكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين أيضاً، حديث أنس بن مالك وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يردن علي أقوام من أمتي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختلجوا مني»، أي أخذوا، «فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك». وجاء في لفظ آخر: «قالوا: إنهم غيروا وبدلوا، غيروا وبدلوا، فقال عليه الصلاة والسلام: فأقول: سحقاً سحقاً سحقاً لمن غير وبدل». وهذا فيه الوعيد الشديد والتحذير العظيم ممن يحدث في دين الله جل وعلا، ويغير سنن النبي عليه الصلاة والسلام، وهدي النبي عليه الصلاة والسلام، فيقع في البدع والمحدثات والمشاقة لله جل وعلا ولرسوله وللمؤمنين، فهو على خطر عظيم. فإن مما جاء من الوعيد في حق هؤلاء: حرمان الشرب من حوض النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم العظيم، الذي يحتاج الإنسان فيه إلى أن يشرب. لا شك أن الموقف عظيم، الموقف بين يدي الله جل وعلا عظيم جداً، تدنوا الشمس من الخلائق، فيلجم العرق الناس، والناس في كرب شديد، وفي شدة عظيمة، موقف عظيم جداً، يحتاجون بعد هذا الموقف إلى الشرب. فينعم ربنا سبحانه وتعالى على أهل الإيمان، وعلى أهل السنة والجماعة الذين التزموا هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وساروا على الصراط المستقيم، وعلى ما كان عليه السلف الصالح، ينعم ربنا جل وعلا عليهم بالشرب من حوض النبي عليه الصلاة والسلام شربة لا يظمأون بعدها أبداً، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «من شرب شربة لا يظمأ بعدها أبداً». وذكر من فضائل أهل اليمن أن النبي عليه الصلاة والسلام يذود الناس عن حوضه، أي يبعد الناس عن حوضه ليشرب أهل اليمن. هذا فيه منقبة وفضيلة لأهل اليمن الذين هم على تمسك بكتاب الله جل وعلا وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، على منهج السلف الصالح. ليس المراد من هو مكتوب في بطاقته يمني، لا، ليس كل من مكتوب في بطاقته يمني، وأنه من أهل اليمن، أي من بلاد كذا، من بلاد اليمن، أو كذا وكذا، لا. وإنما أهل اليمن المتمسكون بشرع الله جل وعلا. ولا شك أن أهل اليمن كانت لهم مواقف عظيمة ومشرفة، فقد نصروا الإسلام، وجاء عن طريقهم المدد. بل ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن». نفس الرحمن يعني التنفيس، التنفيس، التنفيس للكرب، نعم، من جهة اليمن. فذلك يدل على فضلهم. ولذلك مما أكرمهم الله جل وعلا به أن يجعل نبينا محمداً عليه الصلاة والسلام يوم القيامة يذود الناس عن حوضه ليشرب أهل اليمن من هذا الحوض. وكما سمعتم أن هذا الحوض وصف بأوصاف: فأما من حيث لونه، فلونه أشد بياضاً من اللبن، هذا ما يتعلق بلون هذا الماء، لون ماء الحوض أشد بياضاً من اللبن. وأما ما يتعلق بطعمه، فهو أحلى من العسل. وأما ما يتعلق برائحته، فهو أطيب من ريح المسك. هذه أوصاف هذا الحوض من حيث اللون، ومن حيث الطعم، ومن حيث الرائحة: فمن حيث اللون أشد بياضاً من اللبن، ومن حيث الطعم هو أحلى من العسل، ومن حيث الرائحة هو أطيب من ريح المسك، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فهذا الحوض ثابت في كتاب الله وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. والأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إثبات الحوض متواترة، متواترة، قد جاءت عن أكثر من بضع وخمسين صحابياً، ولذلك عدّ من الأحاديث المتواترة عن النبي عليه الصلاة والسلام. مما تواتر: حديث من كذب، ومن بنى لله بيتاً واحتسب، ورؤية الشفاعة والحوض، ومسح الخفين. هذه بعض. فالحوض قد جاءت به الأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. طول هذا الحوض شهر، وعرضه شهر، وزواياه سواء، وزواياه سواء. ولذلك ذهب بعض أهل العلم أن هذا الحوض مربع، أن هذا الحوض شكله مربع، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «زواياه سواء». بعضهم ذهب إلى أنه على شكل دائرة، ومن أهل العلم من قال إنه مستطيل، ومن أهل العلم من قال هو مربع. وهذه اللفظة تدل على أن الحوض مربع، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «زواياه سواء»، فإذا كانت الزوايا سواء دل على تربيع هذا الحوض، وأنه مربع. وجاءت أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في سعة هذا الحوض، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «طول هذا الحوض من أيلة إلى مكة». وفي بعض الأحاديث: «من أيلة إلى صنعاء اليمن»، من أيلة، وهذه منطقة في بلاد الشام، إلى صنعاء اليمن. وهكذا جاءت أحاديث أخرى أنها كذلك من أيلة إلى عمان. وهكذا نصوص تدل على سعة هذا الحوض، وأن له اتساعاً عظيماً. فهنيئاً لمن وفقه الله جل وعلا للشرب من هذا الحوض شرباً هنيئاً ورياً عظيماً. وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وأقر بالميزان والحوض الذي أرجو بأني منه رياً أنهل: «نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يشرب من حوض النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة شربة لا يظمأ بعدها أبداً». أما أهل البدع والتعطيل من المعتزلة وغيرهم فقد أنكروا الحوض. قال بعض أهل العلم: حري بمن أنكر الحوض أن يحرم من الشرب منه. فقد ثبت ذلك. ومع هذا، فمن هؤلاء من ينكر الحوض، ويقدم عقله، وأن هذا لا فائدة منه، أو ما هي الحكمة من هذا الحوض، وغير ذلك من الأمور التي إنما هي من جهة العقل. نعم، والواجب في هذا الأمر التسليم لشرع الله جل وعلا، ما جاء في كتاب الله، وما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يستبعد الإنسان شيئاً ذكر في كتاب الله، أو ذكر في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيقدم عقله، أو يأتي بتأويلات وغير ذلك، مما خلاصته المعارضة وعدم التسليم الكامل لشرع رب العالمين جل وعلا. والحوض الصحيح أنه قبل الميزان، الحوض قبل الميزان، لأنه يناسب الناس بعد ذلك الموقف العظيم الذي يحتاج فيه للشرب، لأنهم قد عطشوا عطشاً عظيماً، عطشوا عطشاً عظيماً، فيناسب شربهم من الحوض. فالصحيح أن الحوض قبل الميزان، الحوض قبل الميزان، الحوض ثم يأتي بعد ذلك الميزان، وبعد ذلك الصراط. وعلى هذا: حوض، ميزان، صراط. فهذا الترتيب هو الصحيح الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعليه جمهور العلماء. قال رحمه الله تعالى: «ونؤمن بالصراط المنصوب على جهنم، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، فيمر أولهم كالبرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشد الرجال، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قائم على الصراط يقول: يا رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، فيأتي من يزحف، وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة تأخذ من أمرت به، فمخدوش ناج، ومكردس في النار». ذكر رحمه الله تعالى ما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر مما جاء تفصيله، ووجب الإيمان به بعد العلم به، ولا يعذر أحد بعد العلم بشيء ثبت الخبر به في كتاب الله أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. الأمور التفصيلية التي تتعلق بالإيمان باليوم الآخر لا يسع أحد إلا الإيمان بذلك. ومن ذلك ما جاء في ذكر الصراط، وأن العباد والناس يوم القيامة يمرون على هذا الصراط. والصراط لغة: الطريق، والمراد به شرعاً: الجسر الذي يمد على متن جهنم، الجسر الذي يمد على متن جهنم، فيمر الناس عليه بقدر أعمالهم. وقد جاء في كتاب الله جل وعلا قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. اختلف أهل العلم في تفسير المرور هنا على أقوال: فمنهم من فسر المرور هنا، الورود هنا في هذه الآية، الورود ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، أي المرور على الصراط، المرور على الصراط. ومن فسرها بدخول النار، لكن ينجو منها، لكن ينجو منها. ومنهم من فسر ذلك بتفاسير أخرى. والصحيح والله أعلم، الذي تدل عليه سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أن المراد بالورود في هذه الآية هو المرور على الصراط، هو المرور على الصراط. وهذا تفسير عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وغيره من الصحابة، فقد فسروا الورود في هذه الآية بالمرور على الصراط. وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين، في حديث صفية رضي الله تعالى عنها وأرضاها، لما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح أيضاً، أنه: «لن يلج النار أحد بايع تحت الشجرة»، أي بيعة الرضوان. فمن فضائل هذه البيعة أن من بايعها أنه لا يدخل النار. فقالت صفية رضي الله تعالى عنها: «بلى يا رسول الله، بلى يا رسول الله»، يعني سيدخل النار، سيدخل النار. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألم تسمعي؟ قالت: بلى يا رسول الله. ألم تسمعي إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾؟» فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «ألم تسمعي إلى قول الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾؟» يعني أن الورود المراد به المرور على الصراط، ولكن نجى الله سبحانه وتعالى أهل الإيمان، أهل الأعمال الصالحة، من الوقوع في النار، أو من خدش تلك الكلاليب، نعم، التي هي معلقة بحافتي الصراط. الصحيح أن الورود المراد به في الآية هو المرور على الصراط، وهذا الذي حققه الطحاوي رحمه الله تعالى، كما في كتابه الطحاوية، قال: «الصحيح هو المرور على الصراط»، وهو القول الصحيح، واستدل له بحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك، وذكر أن هذا أيضاً هو تفسير عبد الله بن مسعود، وأيضاً جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا الأحاديث في سنة النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة في ذكر الصراط، في ذكر الصراط. فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين وغيرهما في مرور الناس يوم القيامة على الصراط، في مرور الناس يوم القيامة على الصراط بقدر أعمالهم. فمن الناس من يمر كالبرق، ومن الناس من يمر كالريح، ومن الناس من يمر كأجاويد الخيل. وهكذا الناس بقدر أعمالهم. قد جاء في بعض الأحاديث، في بعض السنن، وهو صحيح، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يقال: امشوا على قدر نوركم، امشوا على قدر نوركم»، يعني بقدر النور الذي معكم، بقدر النور الذي معكم، «امشوا على هذا الصراط». فمرور الناس على الصراط يوم القيامة بقدر نورهم، بمعنى بقدر الهدى الذي معهم، وكانوا عليه في هذه الدنيا. فإن الله جل وعلا يمن على المؤمنين بالنور، يكون بين أيديهم وبأيمانهم، كما قال جل وعلا: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فالله جل وعلا يمن على المؤمنين بالنور العظيم، فيمرون على هذا الصراط بقدر النور الذي معهم. فكل مؤمن مروره بقدر عمله. فمن كان في هذه الدنيا من أهل السبق وأهل المسارعة في الأعمال الصالحة والخيرات، فإن مروره على الصراط يكون أسرع، يكون أسرع. بل من الناس من يضع رجلاً في بداية الصراط والأخرى في الجنة، أي لكثرة ولسرعة مروره على هذا الصراط. ومن سار على الصراط المعنوي، فإنه يوم القيامة يوفق للمرور على الصراط الحسي. عندنا صراطان: عندنا صراطان، صراط معنوي وصراط حسي. الصراط المعنوي هو الصراط المستقيم الذي أمرنا بالسير عليه في هذه الحياة الدنيا، والذي أمرنا بأن نجعل ربنا جل وعلا أن يوفقنا لسلوكه والسير عليه، بقولنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. هذا الصراط المعنوي، السير على كتاب الله، وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، على ما كان عليه السلف الصالح. فمن كان سائراً في الدنيا على الصراط المعنوي، فإنه كذلك يسير على الصراط الحسي يوم القيامة، وهو المرور على هذا الصراط الذي هو الجسر الذي يمد على متن جهنم، الجسر الذي يمد على متن جهنم. هذا الجسر جاء وصفه كذلك عن أبي سعيد في صحيح مسلم، قال: «بلغني»، قال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: «بلغني أن الصراط أحد من السيف، وأرهف، أو أدق من الشعرة، أدق من الشعرة، وأحد من السيف». هذا ما جاء وصفه. وبعض أهل العلم يجعل هذا إنما هو من الموقوف على أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، لأنه قال: «بلغني». ومن أهل العلم من حمله على المرفوع، وأن حكمه حكم المرفوع، لأنه مما لا يقال بالرأي. وأما المعتزلة الذين أنكروا الصراط يوم القيامة، واستبعدوا أن يكون هناك صراط يوم القيامة، ومن جملة سبب، ومن جملة سبب إنكارهم واستبعادهم ذلك، أنهم قالوا: لا يمكن هذا، لا يمكن هذا أن يكون هناك صراطاً أدق من الشعرة وأحد من السيف، هذا غير معقول، هذا غير معقول. فلذلك لم يثبتوا الصراط. مع أن الصراط قد ذكر، قد جاءت الإشارة إليه على الصحيح في كتاب الله، وجاء ذكره في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فعلى العبد أن يتقي الله عز وجل في هذه الحياة الدنيا، ويتمسك بهذا الصراط، ويسير عليه. فإن من سار على هذا الصراط المعنوي في الدنيا، وفق للمرور على ذلك الصراط. والناس أحوال في مرورهم على هذا الصراط: فمن الناس من يدخل الجنة، ويمر على الصراط، ويدخل الجنة، لكن بعد خدش، بعد خدش من تلك الكلاليب. فإن الكلاليب تخدش الناس. فمن الناس من تخدشه هذه الكلاليب، لكن ينجو، ينجو، ولا يسقط في النار. ومن الناس من تخدشه هذه الكلاليب، ويسقط في النار. فمن الناس من يخدش، لكن هو ناج. ومن الناس من هو مسلم، يعني لا تخدشه هذه الكلاليب، وإنما يمر مروراً إلى الجنة. وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في لاميته: «وكذا الصراط يمد فوق جهنم، فمسلم ناج، وآخر مهلك». وكذا الصراط يمد فوق جهنم، فمسلم ناج، وآخر مهلك، أي أن من الناس من يمر فيسلم وينجو، ومن الناس من يهمل، يعني يسقط في النار. وكما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الكلاليب تخطف الناس، فمن الناس من تخطفهم فيقعون في النار، ومن الناس كذلك من تخدشهم هذه الكلاليب، التي هي مثل شوكة السعدان، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، لكن مع هذا الخدش ينجون، ويمرون على الصراط. بعد هذا الذي يقابلهم ويلاقيهم على ذلك الصراط، وهذا بحسب ما جنت الأعمال، ما فعل ذلك بهم، وما حصل ذلك الخدش إلا بسبب تفريط حصل. فالله جل وعلا يجعل ذلك من العذاب، نعم، الذي يعني يقع على هؤلاء بشيء فرطوا فيه. ولله جل وعلا الحكمة في ذلك، ولا يظلم ربك أحداً. فذكر رحمه الله تعالى الصراط في هذا الموضع. الأنبياء في ذلك اليوم العظيم، وعند مرور الصراط، لهول هذا الموقف، ولعظم هذا الموقف، دعاء الرسل يومئذ في ذلك اليوم: «اللهم سلم، اللهم سلم، اللهم سلم، اللهم سلم». هكذا الأنبياء يدعون. فالموقف عظيم، الناس يمرون على هذا الصراط، من ينجو، من ينجو في المرور على هذا الصراط. فالأنبياء الذين أرسلهم الله جل وعلا رحمة للناس، فمن تلك الرحمة، ومن تلك الشفقة التي جعلها الله عز وجل في الأنبياء، أنهم يوم القيامة، أنهم يوم القيامة يدعون ربهم جل وعلا بأن يسلم الناس، بأن يسلم الناس: «اللهم سلم، اللهم سلم». وهذا يدل على عظم هذا المقام، وهذا الموقف. فعلى العبد أن يعمل حسابه، وأن يتقي ربه جل وعلا، ولا يعوج في هذا الصراط المعنوي. نعم، تارة كذا وتارة كذا، يتمائل تمائل النشوان، أو يكون عندهم مراوغة ولف ودوران، لا يمشي مشياً مستقيماً، ومشياً لا روغان فيه، ولا لف، ولا دوران، صدق وإخلاص، وسير على الكتاب والسنة، من غير تمائل، ولا انحراف، ولا زيغ. إذا أراد أن يمر مستقيماً، وإذا أراد أن يمر مروراً عظيماً على ذلك الصراط. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم للمرور على صراطه، وأن يجعلنا ممن يمر على ذلك الصراط كالبرق، أو كالريح، أو كأجاويد الخيل. إن ربنا لسميع الدعاء. ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى بعد ذلك أيضاً أموراً تتعلق بالإيمان باليوم الآخر، من الأمور التفصيلية التي لا يسع العبد إلا الإيمان بها بعد العلم بها. وإن شاء الله تعالى نذكر ذلك في درسنا اللاحق، إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.