الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 42، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استهل المتحدث الدرس بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بيان أن المرتبة الأولى من مراتب القدر هي علم الله تعالى الأزلي الأبدي المحيط بكل شيء سراً وعلانية، غير مسبوق بجهل ولا يلحقه نسيان، مع الاستدلال بالقرآن والسنة والرد على القدرية الغلاة الذين ينفون العلم السابق.
عرض حجة الصحابة والتابعين في تكفير من جحد العلم السابق، وبيان مرتبة الكتابة الثانية بأن الله كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
استعراض أدلة مرتبة الكتابة من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وتوضيح أنواع الكتابة منها الأزلي والعمرية التي تقدر للإنسان في بطن أمه، مع تأكيد موافقة الواقع للكتابة المقدرة.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فكان آخر الكلام عند قول المصنف رحمه الله تعالى: "المرتبة الأولى: العلم"، بعد قوله: "وللقدر أربع مراتب، المرتبة الأولى: العلم". فنؤمن بأن الله تعالى بكل شيء عليم، علم ما كان وما يكون وكيف يكون، بعلمه الأزلي الأبدي، فلا يتجدد له علم بعد جهل، ولا يلحقه نسيان بعد علم. علم الله جل وعلا الأزلي الأبدي علم غير مسبوق بجهل، والعلم المسبوق بجهل إنما هو علم المخلوق، أما علم الخالق جل وعلا فهو علم غير مسبوق بجهل، وهكذا هو علم لا يلحقه نسيان بعد علم. ولذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم على لسان فرعون يقول لموسى: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه: 51-52]، ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]. فعلم الله جل وعلا علم غير مسبوق بجهل، ولا يلحقه نسيان، لخلاف علم المخلوق؛ فإنه علم مسبوق بجهل، وكذلك هو علم يلحقه نسيان. قال رحمه الله تعالى: "المرتبة الأولى: العلم". ودلائل هذه المرتبة كثيرة في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال جل وعلا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: 73]، وقال جل وعلا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: 26-28]، وقال جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]، وقال جل وعلا: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]، وقال جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7]، ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 59]، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 34]، وقال جل وعلا: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: 116] على لسان عيسى عليه الصلاة والسلام، وقال جل وعلا على لسان الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 32]، وقال جل وعلا: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [يس: 38، الطلاق: 12]، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: 7]، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 11]. هذا كله في بيان علم الله جل وعلا، وأنه علم شامل محيط بكل شيء، لا يخرج شيء عن علم الله جل وعلا، فعلمه محيط، ولا يخفى عليه شيء جل وعلا، يعلم السر وأخفى، سبحانه وتعالى. وكذلك في حديث سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام نصوص كثيرة في بيان مرتبة العلم، وأن الله جل وعلا قد علم الأشياء في الأزل، وتقع وفق علمه جل وعلا السابق. قال سبحانه، وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عبد الله بن عباس لما سئل عن أطفال المشركين: «الله أعلم بما كانوا عاملين، الله أعلم بما كانوا عاملين». يعني: إذا وصلوا سن البلوغ وصار القلم يكتب عليهم، أو إذا كبروا هل يدخلون في الدين ويسلمون؟ أطفال المشركين، فالله جل وعلا يعلم ذلك قبل أن يكون، لكنهم ماتوا وهم أطفال. لكن إذا كبر هؤلاء الأطفال، أطفال المشركين، ماذا يكون منهم؟ هل يبقون على كفرهم أو أنهم يسلمون؟ هذا علمه عند الله جل وعلا، يعلم الله سبحانه وتعالى لو كبروا، مع أنهم لم يكبروا، نعم، وإنما ماتوا وهم أطفال، لكن علم الله جل وعلا سابق بهم: ماذا لو قدر أنهم عاشوا؟ هل يبقون على كفرهم أو أنهم يسلمون؟ وفي حديث عمر رضي الله تعالى عنه في الصحيحين: قال عمر رضي الله تعالى عنه للنبي عليه الصلاة والسلام: «يا رسول الله، أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ أعلم أهل الجنة من أهل النار؟» فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم». فقال عمر: «ففيما يعمل العاملون؟ فيما يعمل العاملون؟» فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «كل ميسر لما خلق له، كل ميسر لما خلق له». فالله جل وعلا قد علم الناس، من منهم في الجنة ومن منهم في النار، ويسر أهل الجنة طريق أهل الجنة، ويسر أهل النار طريق أهل النار، وفق اختيارهم الذي علمه منهم سبحانه وتعالى، فقد جعل لهم اختيارًا ومشيئة يختارون بها: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]. فالله جل وعلا قد علم اختيارهم، ما يختارون: طريق الضلالة أو طريق الهدى. فمن علم جل وعلا أنه يختار طريق الضلالة يسر له طريق الضلالة، ومن اختار طريق الهدى يسر الله جل وعلا له طريق الهدى. كما دل على ذلك أيضًا حديث علي رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، لما كان النبي عليه الصلاة والسلام في جنازة في بقيع الغرقد، وكان معه عود ينكث به، يعني: يحفر به في الأرض أو يخط به، فرفع رأسه عليه الصلاة والسلام، قال: «ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله منزلها، وقد كتبت شقية أو سعيدة». فقال: «يا رسول الله، ففيما العمل؟» قال: «اعملوا، كل ميسر لما خلق له، فمن كان من أهل السعادة فيسر لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فيسر لعمل أهل الشقاوة». ثم تلا قول الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 5-10]. فعلم الله جل وعلا سابق، وهو علم قدره الله جل وعلا، وعلمه في الأزل، وما يحصل وفق علمه جل وعلا السابق، لا يخرج شيء عن علمه سبحانه وتعالى. هذه المرتبة، مرتبة العلم، هي أول مراتب القدر، ضلت فيها القدرية في أول الأمر حين ظهروا، وهم القدرية الغلاة الذين يقولون: إن الله جل وعلا إنما يعلم الأشياء بعد وقوعها، إذا وقعت علمها جل وعلا، أما قبل وقوعها فلا يعلمها. وهذا فيه تعطيل لعلم الله جل وعلا الأزلي الشامل المحيط. فمعنى أنه إذا لم يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، فمعنى أن هذا من العلم الذي لم يعلمه جل وعلا في الأزل، وإنما علمه حين وقع. هذي الفرقة التي ظهرت في البصرة، وجاء خبرها في صحيح الإمام مسلم، وهو أول حديث ذكره الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، حديث يحيى بن يعمر: «أول من تكلم في القدر بالبصرة معبد الجهني، معبد الجهني». قال: «فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري إلى المدينة، لعلنا نوافق أحدًا من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فنخبره بخبرها، أو لا». قال: «فوفق لنا عبد الله بن عمر». قال: «فاكتنفته أنا وصاحبي». فذكر له يحيى بن يعمر ما حدث في البصرة، وأنه: «ناسًا ظهروا يتفكرون العلم، ويفترون العلم، ويتصدرون حلق العلم، يقولون: لا قدر، وإن الأمر أنف»، يعني: حادث، لم يسبق لله فيه علم، أو لم يسبق لله فيه علم، علم حادث، هذا العلم غير سابق في علم الله جل وعلا، وإنما يعلم بعد حدوث ذلك الشيء يعلمه الله جل وعلا، وأما قبل ذلك فلا يعلمه. فعبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخبر هذين التابعيين بأنه بريء من أولئك، وأمرهم أن يخبروهم أنه بريء، قال: «أقول لهم: إن عبد الله يتبرأ منكم». قال: «إني بريء منهم، وهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا وأنفقه، لم يقبل منه حتى يؤمن بالقدر، حتى يؤمن بالقدر خيره وشره». ثم ذكر حديث عمر، قال: «حدثني أبي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام»، أو قال: «عن أبي، بينما نحن جلوس عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، اطلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرف من أحد»، إلى آخر الحديث الذي فيه ذكر جبريل، لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام، ذكر النبي السلام لما سأله جبريل عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، وتؤمن بالقدر خيره وشره». فتلك الطائفة كفرها الصحابة في ذلك الزمان، الصحابة الموجودون في ذلك الزمان، كعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع، وسهل بن سعد، وغيرهم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت عند ظهور هذه الفرقة الضالة، القدرية الغلاة، في البصرة. وحج بعض السلف هؤلاء القدرية، كعمر بن عبد العزيز رحمه الله، حج غيلان الدمشقي الذي أخذ هذه العقيدة، عقيدة القدرية، ويقول: إن الله جل وعلا لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها. فحجه عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بأن قال له: «ماذا تقول في علم الله جل وعلا السابق؟» فقال: «أقر بعلم الله جل وعلا السابق». فقال: «لماذا أسمعه عنك؟ قال: يكذب علي يا أمير المؤمنين»، يعني: أنكر. قال: «يكذب علي، أنا ما أقول شيئًا». كذب على أمير المؤمن عمر بن عبد العزيز. قال: «ماذا تقول في العلم، في علم الله جل وعلا السابق؟» قال: «أقر بذلك، أن الله جل وعلا قد علم كل شيء، كل شيء قد علمه الله جل وعلا». قال: «اذهب، اذهب، فأنت مخذوم، اذهب، فأنت مخذوم»، يعني: قد خصمتك. قال: «يا غيلان، إنك إن تقر بالعلم، فإنك إن تقر في العلم، خير لك من أن تجحده فتكفر». إنك إن تقر بالعلم، أي: بعلم الله جل وعلا السابق، خير لك من أن تجحده فتكفر. وكان يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «ناظروا القدرية بالعلم، ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقر، فإن أقر به خصموا، وإن جحدوه كفر». إن أقر به، أي: علم العلم السابق لله جل وعلا، وأنه جل وعلا قد علم كل شيء، وأنه لا يخفى شيء، ولا يخلو شيء عن علم الله، وأنه قد علم الأشياء قبل وقوعها، فمن أقر بذلك فقد خصم، ومن جحد ذلك فقد كفر. وبمثل هذا قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقر به خصموا، وإن جحدوه كفروا». فهذه الطائفة انقرضت وانتهت في ذلك الزمان، وإنما خلفها القدرية غير الغلاة، الذين أثبتوا مرتبة العلم لله جل وعلا، ومرتبة الكتابة، وأنه قد كتب كل شيء، ولكن ضلوا في مرتبتي المشيئة والخلق، ضلوا في مرتبتي المشيئة والخلق، حين جعلوا العباد يخلقون أفعال أنفسهم، العباد يخلقون أفعال أنفسهم، وأنه لا مشيئة لله جل وعلا مع مشيئة العباد، بل مشيئة العباد منفصلة عن مشيئة الله جل وعلا، والعبد هو الذي يخلق فعل نفسه. ولذلك صح فيهم حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: «القدرية مجوس هذه الأمة»، لأنهم قالوا بخالقين، وهؤلاء قالوا بخالقين. المجوس قالوا بخالقين: خالق الظلم وخالق النور، وهؤلاء قالوا بخالقين، حيث جعلوا المخلوق يخلق فعل نفسه، فجعلوا كل مخلوق يخلق فعل نفسه، ما جعلوا خالقين فقط، ولا ثلاثة، وإنما جعلوا خالقين كثيرين مع الله سبحانه وتعالى. فهذا ما يتعلق بمرتبة العلم. قال رحمه الله تعالى: "المرتبة الثانية: الكتابة". فنؤمن بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة. قال جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: 70]. المرتبة الثانية من مراتب القدر هي مرتبة الكتابة، ومعنى الإيمان بهذه المرتبة: الإيمان الجازم بأن الله جل وعلا قد كتب مقادير الخلائق، قد كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قدر ذلك، كتب ذلك في اللوح المحفوظ، وما يقع فهو وفق تلك الكتابة، وفق تلك الكتابة التي قد كتبت وقدرت، وقدرها الله سبحانه وتعالى. فكل شيء يحصل في ملكوت الله جل وعلا فهو قد كتب، فهو قد كتب: طيران الطائر، وتنفس السمكة، وسير الولد، وقيام الرجل، وبكاء الطفل، ونهيق الحمار. كل ما يحصل في ملكوت الله سبحانه وتعالى من مخلوقات الله جل وعلا، من حركة وصوت، كل ذلك قد كتب، كله مكتوب، قد كتبه الله جل وعلا وقدره أنه يحصل في ملكوته سبحانه وتعالى. ونزول مطر، وهبوب رياح، وغير ذلك مما هو حاصل في ملكوت الله سبحانه وتعالى، كل ذلك بقدر مكتوب، قد كتبه الله سبحانه وتعالى، وهو يقع وفق ذلك المكتوب الذي كتبه الله سبحانه وتعالى. وأدلة هذه المرتبة كثيرة في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ [الحديد: 22]، أي: من قبل أن نخلقها، ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 22-23]. فكل شيء يقع في ملكوت الله جل وعلا فهو قد كتب، كتب قبل أن يخلق، قبل أن يقع، وقبل أن يحدث في ملكوت الله سبحانه وتعالى، فهو قد كتب. وكما قال جل وعلا: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: 51]. وقال جل وعلا أيضًا في كتابه الكريم: ﴿وَالتُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ﴾ [الطور: 1-3]. وقال سبحانه وتعالى أيضًا في كتابه الكريم، الكريم، مبينًا أنه قد كتب كل شيء سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: 3-5]. هذه كتابة سنوية أيضًا، كتابة سنوية تكتب في ليلة القدر. هذه الكتابة السنوية التي تكتب هي منسوخة من ما كتب في اللوح المحفوظ، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29]. فسر بعض السلف هذه الكتابة أنها تنسخ من اللوح المحفوظ، من اللوح المحفوظ، فيما يحصل في هذه السنة من أمور للعباد، كتبها الله سبحانه وتعالى عليهم. وقال جل وعلا: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [يس: 12]، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾، يعني: كتبناه وقدرناه. فكل شيء قد كتبه الله سبحانه وتعالى وقدره جل وعلا، وكل شيء أحصيناه في إمام مبين. وقال جل وعلا: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38]، المراد به اللوح المحفوظ، فما فيه تفريط أبدًا، كل شيء قد كتب فيه، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾. كل شيء كتب في اللوح المحفوظ مما سيكون في ملكوت الله جل وعلا، كل ما سيكون في ملكوت الله سبحانه وتعالى قد كتب في اللوح المحفوظ، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾. والأدلة كثيرة في كتاب الله جل وعلا في بيان مرتبة الكتابة، وهي المرتبة الثانية من مراتب القدر. وهذا الحديث في سنة النبي عليه الصلاة والسلام في بيان هذه المرتبة كثيرة، منها ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما في صحيح الإمام مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»، قال: «وكان عرشه على الماء». كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: «وكان عرشه على الماء». فالله جل وعلا قد كتب مقادير الخلائق كلها، أمر القلم أن يكتب هذه المقادير، كل ما سيحدث في ملكوته جل وعلا، أمر القلم أن يكتبه، أمر القلم أن يكتبه. كما جاء في حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه وأرضاه، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب. قال له: اكتب. قال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، أي: كتب كل المقادير التي ستحدث في ملكوت الله جل وعلا إلى يوم القيامة. أمر الله جل وعلا القلم بذلك. وهذا في حديث علي السابق في الصحيحين، في قوله عليه الصلاة والسلام: «ما من نفس منفوسة إلا قد كتب الله منزلها، من الجنة أو النار، قد كتبت شقية أو سعيدة». وهذه المرتبة، مرتبة الكتابة، تتعلق بها مقادير، فالكتاب أنواع، منها: الكتاب الأزلي، كما ذكر الإمام ابن القيم رحمة الله تعالى عليه وغيره، منها: العلم. ذكر ابن القيم ذلك في "شفاء العليل"، ذكر أن المقادير أربعة مقادير: الأول: التقدير الأزلي، وهي الكتابة الأزلية، الكتابة الأزلية، حين أمر الله جل وعلا بكتابة مقادير كل المقادير التي تحدث في ملكوته جل وعلا. دل على هذا قوله جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 22-23]. ودل عليه حديث القلم حين أمره الله عز وجل بأن يكتب كل ما هو كائن في ملكوت الله جل وعلا إلى يوم القيامة. فهذا تقدير أزلي، وهي أيضًا الكتابة في اللوح المحفوظ. والنوع الثاني من التقادير: التقدير العمري، التقدير العمري، وهي الكتابة العمرية التي يكتب فيها مقادير العباد وهم في بطون أمهاتهم، وهم في بطون أمهاتهم. دل عليها قوله جل وعلا: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: 11]. فكل هذا التقدير للأعمار قدر بهذا التقدير. دل عليه أيضًا حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الصحيحين، قال: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا»، هذا لفظ البخاري، بعضهم يزيد: «نطفة»، ولفظة «نطفة» شاذة، ليست في البخاري، «نطفة أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات: كتب رزقه، وعمله، وأجله، وشقي أو سعيد». فوالله الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل الجنة حتى ما يكون بينه وبينه إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها». الحديث. ففيه بيان الكتابة العمرية. ودل أيضًا على هذا التقدير قوله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32]. فالجنين في بطن أمه يمر بهذا التقدير، يمر بهذا التقدير، وهي كتابة عمره الذي سيكون عليه في هذه الحياة الدنيا، والأجل، والشقاء، والسعادة. وبقية المراتب إن شاء الله في الدرس اللاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.