عقيدة أهل السنة والجماعة 23

الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

رؤية الكفار والمنافقين لله يوم القيامة

يبيّن المقطع أن الكفار والمنافقين يرون الله يوم القيامة قبل الحجاب لكن رؤيتهم عذاب وحسرة، بخلاف المؤمنين. ويناقش خلاف السلف في رؤية النبي ﷺ لربه مرجحاً أنها بالقلب أو حجاب النور، مع تنزيه الله عن النقائص.

قاعدة نفي صفات النقص وإثبات كمال الضد

يشرح المقطع أن نفي صفات النقص عن الله كالسنة والنوم ليس نفياً محضاً بل إثبات لكمال الضد كالحياة والقيومية. ويستدل بقول ابن تيمية أن النفي عدم وليس مدحاً، بل يدل على كمال الصفات.

وجوب إثبات الأسماء والصفات والتنزيه عن التمثيل

يؤكد المقطع وجوب إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات مع اجتناب التمثيل والتكييف. ويبين منهج أهل السنة في السكوت عما سكت عنه الشرع والاستفصال عن الألفاظ المجملة لقبول الحق ورد الباطل.

قاعدة أهل السنة في الرد على بدع الصفات

ينتقد المقطع من نفى عن الله الجوهر والعرض بلا دليل، مبيناً أن منهج أهل السنة هو السكوت عما سكت عنه الشرع. فإذا طرح المبتدع ألفاظاً مجملة استُفصلوا عنها لإثبات الحق ورد الباطل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فأكرنا في درس الماضي ما يتعلق برؤية رب العالمين، يوضا قيامه، وأن المؤمنين يرون الله جل وعلا يوم القيامة بأبصارهم، رؤية ليس معها إدراك، أي إحاطة. بقي من مباحث هذا الموضوع ما يتعلق برؤية الكافرين يوم القيامة: هل الكفار يرون الله عز وجل يوم القيامة أو لا يرونهم؟ من أهل علم قال: الكفار لا يرون الله يوم القيامة، لقوله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. فهذه الآية فيها بيان أن الكفار محجوبون عن رؤية رب العالمين يوم القيامة. والقول الثاني: أن الكفار والمنافقين يرون الله سبحانه وتعالى يوم القيامة في عرصات يوم القيامة، وهكذا في بعض المواضع التي جاء ذكرها في السنة. والصحيح في هذا: أن الكفار والمنافقين يرون الله جل وعلا يوم القيامة، كما جاء في بعض نصوص السنة، منها ما جاء في تقرير رب العالمين الكافر على ذنوبه فيعترف بها، وهكذا المنافقون، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيح: حين يأتي المنافقون ويريدون السجود لله جل وعلا فلا يستطيعون، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. جاء في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيح: أن ربنا جل وعلا يكشف عن ساقه يوم القيامة، فيسجد له من كان يسجد له في هذه الدنيا طواعية، يعني عن إخلاص وصدق، ويأتي المنافقون يريدون السجود فلا يستطيعون، تكون ظهورهم طبقاً واحداً لا يستطيعون. فهذه النصوص تدل على أن المنافقين والكفار يرون الله جل وعلا يوم القيامة، ثم بعد ذلك يحجبون، ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. فالحجب يكون بعد ذلك. وهذه الرؤية التي يراها المنافقون والتي يراها الكفار: رؤية ليس معها نعيم. فنفرق بين رؤية المؤمنين ربهم جل وعلا يوم القيامة، فهي رؤية معها نعيم وتلذذ، بخلاف رؤية المنافقين قبل حجبهم، ورؤية الكفار قبل حجبهم، فهي رؤية ليس معها نعيم، ليست معها نعيم، فهي رؤية عذاب لهم وتحسير لهم، ثم بعد ذلك يحجبون عن رؤية رب العالمين جل وعلا. هذا الذي تدل عليه النصوص التي جاءت في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفي كتاب الله جل وعلا. اختلف أهل السنة فيما يتعلق برؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه جل وعلا في الدنيا: هل رأى النبي عليه الصلاة والسلام ربه في الدنيا أم لم يره؟ ثبت عن عائشة رضي الله تعالى عنها: لما قيل لها: هناك من يزعم أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى ربه، رأى ربه، قالت: «لقد قف شعري مما قلت، لقد قف شعري مما قلت، من زعم أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى ربه فقد كذب، فقد كذب». وثبت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى ربه، رأى ربه. جاء في بعض الروايات: «بفؤاده، بفؤاده»، أي بقلبه. فهي ليست رؤية عينين، ليست رؤية بالبصر بالعينين، وإنما هي رؤية قلبية. فالصحيح في هذا: أن المنفي الذي ردته عائشة رضي الله تعالى عنها هو رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه بعينيه في الدنيا، لربه جل وعلا بعينيه في الدنيا. فهذه لم تثبت، بل هذه منفية؛ لأنه لا يرى أحد ربه جل وعلا في الدنيا. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح، من حديث ابن عمر: قال عليه الصلاة والسلام: «اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا»، في رواية: «تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا». فلا تكون الرؤية في الدنيا، ولا للأنبياء. نعم، فهذا الذي نفته عائشة رضي الله تعالى عنها. وما يدل على هذا: أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل، كما جاء في الصحيح، قيل له: هل رأيت ربك؟ قال عليه الصلاة والسلام: «نور، أن أراه»، «نور، أن أراه». في لفظ: «رأيت نوراً». وفي لفظ: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه من انتهى إليه بصره من خلقه». فهذا صريح من النبي عليه الصلاة والسلام أنه لم يرى ربه، وإنما رأى الحجاب، وإنما رأى الحجاب، وهو حجاب رب العالمين جل وعلا، وهو النور. وهذا يدل عليه ما جاء في ذلك اللفظ الآخر: «رأيت نوراً»، في لفظ: «نور أن أراه»، يعني: كيف أراه وهو نور؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام رأى الحجاب، ولم يرى ربه سبحانه وتعالى. ولهذا جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «رأى ربه بفؤاده»، يعني بقلبه، بقلبه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. وهي رؤية بالقلب، رؤية بالقلب، وليست رؤية بالعينين، وليست رؤية بالعينين. وفيما يتعلق برؤية رب العالمين جل وعلا في المنام: هل يمكن لأحد أن يرى ربه جل وعلا في المنام غير النبي عليه الصلاة والسلام؟ من أهل العلم من أثبت ذلك، من أهل العلم من أثبت أنه يمكن أن يرى رب العالمين في المنام، أن يراه الشخص رؤية منامية، وذلك بقدر الإيمان الذي معه، فإنه يرى الله عز وجل في صورة حسنة، في صورة حسنة، يعني ليس معها تكييف لصفاته جل وعلا، فيرى ذلك في صورة حسنة، صورة جميلة. استدلوا بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «رأيت ربي في أحسن صورة، رأيت ربي في أحسن صورة». ومنهم من قال: لا يرى أحد ربه جل وعلا في المنام، وهذا إنما هو خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام. والشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول بالأول، قال: بإمكان أن يرى الإنسان ربه جل وعلا في المنام، بقدر ما معه من الإيمان. والذي يظهر والله أعلم: أن هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، رؤية منامية، رؤية بالقلب، وهو النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا الذي في الحديث: هي رؤية منامية: «رأيت ربي في أحسن صورة، رأيت ربي في أحسن صورة». وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أكرم نبيه عليه الصلاة والسلام بذلك. وهذه المسألة هي مسألة خلافية، يتسع الاجتهاد فيها، فلا يضلل من قال بإمكان رؤية الرب جل وعلا في المنام من غير النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يضلل، وإنما هذا من باب الاجتهاد الذي تسعه الأدلة، والاجتهاد فيها. ومن كذلك لم يثبت ذلك، فهذه مسألة خلافية، نعم محتملة، والأدلة تدل عليها، فبين أجر وأجرين، وليست من المسائل التي يضلل فيها المخالف، يضلل المخالف فيها، ولا يضلل الشخص مخالفه فيها. نعم. قال رحمه الله تعالى: «ونؤمن بأن الله تعالى لا مثل له لكمال صفاته، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وهو السميع البصير. ونؤمن بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم لكمال حياته وقيوميته. ونؤمن بأنه لا يظلم أحداً لكمال عدله. وبأنه ليس بغافل عن أعمال عباده لكمال رقابته وإحاطته. ونؤمن بأنه لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض لكمال علمه وقدرته. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾». ذكر المولِّد رحمه الله تعالى في هذا الموضع هذه النصوص التي فيها بيان ما نفي في كتاب الله جل وعلا، ما نفاه الله سبحانه وتعالى عن نفسه، وما أثبته جل وعلا لنفسه. فما نفى الله سبحانه وتعالى عن نفسه، وما نفاه رسول الله عليه الصلاة والسلام عن ربه في سنته المطهرة، المراد بنفي الصفات: إثبات كمال الضد، إثبات كمال الضد. لماذا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾؟ ولماذا لا مثل له لكماله جل وعلا؟ لأنه سبحانه وتعالى له الكمالات من كل وجه، له الكمالات من كل وجه، وذلك ليس لأحد إلا لله جل وعلا. فلذلك كان لا مثيل له، وكان ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، لأنه لا أحد سوى رب العالمين جل وعلا متصف بالكمال المطلق من كل وجه. لا أحد له الكمال المطلق من كل وجه إلا الله سبحانه وتعالى. فلذلك هو المتفرد بذلك، هو المتفرد بالكمال المطلق، فلذلك كان لا مثل له. ولذلك كان ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، لأنه لا أحد له الكمال المطلق من كل وجه إلا هو جل وعلا. وهو السميع البصير، الذي اتصف بالسمع والبصر، وأكمل ما يكون من هذه الأوصاف، فله جل وعلا الوصف الأعلى في أسمائه وفي صفاته جل وعلا. وكذلك: لا تأخذه سنة ولا نوم، لكمال حياته وقيوميته. فلما نفى الله سبحانه وتعالى عن نفسه السنة والنوم، ليس المراد أن نفي المحض، ليس المراد أن نفي المحض، وإنما المراد إثبات كمال الضد. لماذا نفى الله جل وعلا عن نفسه السنة والنوم؟ لإثبات كمال حياته وقيوميته. فأهل العلم يقولون: ما نفاه الله جل وعلا عن نفسه في كتابه، أو نفاه عنه رسوله عليه الصلاة والسلام، ليس المراد من ذلك أن نفي المحض، وإنما المراد إثبات كمال الضد. نفى جل وعلا عن نفسه السنة والنوم، لإثبات كمال ضد ذلك، وهي الحياة والقيومية. ونفى الله سبحانه وتعالى عن نفسه الظلم، لكمال عدله جل وعلا. ونفى الله سبحانه وتعالى عن نفسه العجز، لكمال علمه وقدرته. وهكذا نفى جل وعلا عن نفسه الإعياء والتعب والنصب واللغوب، لكمال قوته وقدرته سبحانه وتعالى. فما جاء في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، من النصوص التي فيها النفي، فاعلم أنه ليس المراد النفي المحض، وإنما المراد إثبات كمال الضد. لماذا؟ لأن النفي عدم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال: «النفي عدم، والعدم ليس بشيء، والعدم ليس بشيء، فضلاً عن أن يكون مدحاً». النفي ليس بشيء، يعني: لما تنفي الشيء، معناه لا وجود له، وأنه شيء غير موجود. نعم، فهو ليس بموجود، فكيف يكون مدحاً؟ هو أصلاً غير موجود. فالنفي عدم، والعدم ليس بشيء، فضلاً عن أن يكون مدحاً. وكذلك أيضاً: النفي قد ينفى الشيء لعدم قابلية ذلك، قابلية ذلك الذي نفي عنه هذا الشيء. مثل: الجدار، إذا قيل: الجدار لا يظلم. نفينا عن الجدار الظلم، نفينا عن الجدار الظلم، هل هذا مدح؟ لا، لماذا؟ لأن الجدار غير قابل أصلاً لذلك. نعم، ليس هذا من كمال الجدار، وإنما لعدم قابلية الجدار على الظلم. نعم، لعدم قابلية الجدار على الظلم، لأنه جدار، لا يظلم إلا من يظلم، فهو غير قابل لذلك. وأيضاً قد ينفى الظلم، نعم، لعجز ذلك الذي نفي عنه الظلم. مثلاً: ضعيف لا يظلم، لأنه ضعيف. نعم، فليس مدحاً في النصار، النفي المحض ليس مدحاً. لماذا؟ لأنه أولاً: عدم، والعدم ليس بشيء، فضلاً عن أن يكون مدحاً. وثانياً: قد يكون هذا النفي الذي نفي عن ذلك الذي نفي عنه، قد يكون لعدم قابليته، كالجدار لا يظلم، نفينا عن الجدار الظلم، أو الجدار مثلاً لا ينام، نعم، أو لا يتعب. هذه ليس فيها مدح، لأن هذا الجدار غير قابل لهذه الأمور. وثالثاً: قد يكون النفي الذي نفي عن ذلك الذي نفي عنه، لضعفه أو عجزه. فقبيلة مثلاً من القبائل لا تظلم أحداً. نعم، إذا قيل: قبيلة من القبائل هذه لا تظلم أحداً. نعم، قد يكون لضعفها، لا تظلم لأنها ضعيفة. ولذلك يقولون: قبيلة لا يغدرون بذمة، ولا يظلمون الناس حبة خردل. فالقائل هذا، قال: قبيلة، صغرها، لضعفها وعجزها، قال: لا يقدرون بذمة، فهم لا يقدرون، ولا يظلمون الناس حبة خردل، ولا يظلمون، ولا يظلمون أحداً. لكن: هل لا يقدرون ولا يظلمون لعدلهم ولوفائهم بالعهد، أم لعجزهم؟ لعجزهم وضعفهم. والدليل أنه صغرها، قال: قبيلة، ما قال: قبيلة، فصغرها، فعلم أن عدم غدرها وعدم ظلمها لعجزها وضعفها، لعجزها وضعفها. فصار بهذا: النفي ليس مدحاً. النفي ليس مدحاً، لأنه أولاً: عدم، كما تقدم، والعدم ليس بشيء، فضلاً عن أن يكون مدحاً. ثم قد يكون لعدم قابلية ذلك الذي نفي عنه لذلك. وثالثاً: قد يكون نفي ذلك الذي نفي عن ذلك، لضعفه أو عجزه. لكن ربنا سبحانه وتعالى، حين نفى عن نفسه صفات النقص والعيب، مثل السنة والنوم، والعجز، والتعب، والنصب، نعم، والنسيان، إلى آخر ذلك، من صفات النقص، ليس المراد أن في المحض، وإنما المراد إثبات كمال الضد، إثبات كمال ضد تلك الأشياء. ولذلك جاء في قوله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، قال بعد ذلك: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. إنه كان عليماً قديراً. لماذا لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض؟ نفى عن نفسه العجز، أن يعجزه شيء جل وعلا. لكن لماذا؟ إثبات كمال ضد ذلك. ولذلك قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. فلكمال علمه، ولكمال قدرته جل وعلا، كان لا يعجزه شيء في السماوات والأرض. فعلم من ذلك: أن النفي الذي نفاه الله سبحانه وتعالى عن نفسه من العجز، المراد من ذلك بيان كمال ضد ذلك، وهو العلم والقدرة: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. وعلى هذا يكون في بقية الصفات: نفى عن نفسه الظلم، لكمال عدله. وهكذا نفى عن نفسه السنة والنوم، لكمال حياته وقيوميته. ونفى عن نفسه كذلك الغفلة، نعم، لأنه جل وعلا الرقيب بعباده، الرقيب بعباده، لا يغفل عنهم سبحانه وتعالى. فأراد المولِّد رحمه الله تعالى في هذا الموضع أن يبين هذه الأمور، وهو: أن ما نفى في كتاب الله، أو نفى في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، من صفات النقص والعيب، المراد من ذلك ليس نفي المحض المجرد، وإنما المراد بيان إثبات كمال ضد ذلك الذي نفى عن الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «ونؤمن بثبوت كل ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، من الأسماء والصفات. لكننا نبرأ من محذورين عظيمين: هما التمثيل، أن يقول بقلبه أو بلسانه: صفات الله تعالى كصفات المخلوقين. والتكيف، أن يقول بقلبه أو بلسانه: كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا». ذكر رحمه الله تعالى أن الواجب إثبات ما أثبت في الكتاب والسنة من الأسماء والصفات، ولكن الواجب التخلي عن محذورين عظيمين. كل من أثبت الصفات لله جل وعلا في كتاب الله، أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وجب عليه أن يتخلى من محذورين عظيمين: المحذور الأول: التمثيل، والمحذور الثاني: التكيف. ما هو التمثيل، وما هو التكيف؟ ذكر رحمه الله تعالى أن التمثيل: أن يثبت العبد الصفات لله جل وعلا، ولكن يجعلها كصفات المخلوقين. يقول ذلك بلسانه، أو يعتقد ذلك بقلبه. فمثلاً: يثبت صفة الوجه لله عز وجل، أو صفة اليدين لله جل وعلا، أو السمع والبصر، نعم، لكن يقول بلسانه: هذه الصفات كصفات المخلوقين. هذا هو التمثيل. مثل صفات الخالق بصفات المخلوقين. قال ذلك بلسانه، ولو لم يقل بلسانه ذلك، لكن اعتقد بقلبه، اعتقد بقلبه: حين قرأ في كتاب الله عز وجل الصفات الثابتة، أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الصفات الثابتة لرب العالمين جل وعلا، فاعتقد بقلبه أنها مثل صفات المخلوقين، أنها مثل صفات المخلوقين. هذا أيضاً وقع في التمثيل. هذا وقع في التمثيل، مع أنه ما قال بلسانه، لكن اعتقد بقلبه. فالأمر سواء، لا فرق: سواء قال بلسانه: صفات الخالق كصفات المخلوقين، أو لم يقل ذلك، لكن اعتقد بقلبه، اعتقد بقلبه أن صفات الخالق مثل صفات المخلوقين. هذا وقع في التمثيل، هذا وقع في التمثيل. وناقض قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وناقض قول الله جل وعلا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. وناقض قول الله جل وعلا: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. وناقض قول الله جل وعلا: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾. وناقض قول الله جل وعلا: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾. كل هذه النصوص يكون قد ضادها باعتقاده بقلبه أن صفات الخالق كصفات المخلوقين، أو قال ذلك بلسانه، قال: إن صفات الخالق كصفات المخلوقين. هذا التمثيل. التكيف: لا يقول: صفات الخالق مثل صفات المخلوقين، لكن يعتقد لها كيفية في ذهنه، كيفية معينة. نعم، يجعلها في ذهنه، ويعتقدها في ذهنه، أن لصفات الخالق كيفية معينة، كيفية معينة، يتوهمها في ذهنه، يتوهمها في ذهنه، أن لصفات الخالق، من صفات الوجه، أو صفات اليدين، والسمع، كيفية معينة في ذهنه، يتوهمها، يقول: هذه الكيفية في ذهنه. هذا هو التكيف، هذا هو التكيف. فالتمثيل: أن يقول: صفات الخالق كصفات المخلوقين، بلسانه، أو يعتقد ذلك بقلبه. والتكيف: لا يقول ذلك بلسانه، لكن يتوهم في ذهنه أن صفات الخالق لها كيفية معينة. نعم، في ذهنه يتخيلها ويكيفها. فهذا هو ماذا؟ التكيف. فالواجب التخلي عن هذين المحذورين في الإثبات. ولذلك يقول أهل السنة والجماعة: نثبت ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، في سنته الصحيحة، من غير تكيف ولا تمثيل. من غير تكيف ولا تمثيل. من غير تمثيل: بأن نقول: صفات الخالق مثل صفات المخلوقين، أو نعتقد ذلك بقلوبنا. ولا تكيف: أي أن نكيف صفات الخالق بكيفية معينة، نتوهمها في أذهاننا. فكل ذلك الواجب أن يتخلى الإنسان عنه، لأنه مهما كيفت، مهما كيفت كيفية معينة لصفات الخالق جل وعلا في ذهنك، فالله جل وعلا ليس كذلك، لأنه جل وعلا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. كيف تكيف؟ مهما كيفت، نعم، ومهما سولت لك نفسك، ونفسك الأمارة بالسوء، أن كيفية صفات، صفات الخالق كذا وكذا في ذهنك، فاعلم أنك ماذا؟ لم تصل إلى تلك الكيفية. نعم، ولن تصل أبداً. فلذلك الواجب قطع هذه الأوهام، وقطع كذلك هذه الظنون. نعم، فاعلم جزماً ويقيناً أن الله جل وعلا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. واعلم علماً يقيناً جازماً: أنك مهما كيفت للصفات الخالق كيفيات معينة في ذهنك، فالله سبحانه وتعالى ليس كذلك، لأنه سبحانه وتعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ولأنه جل وعلا لا سمي له، ولا ند له، ولا كفو له جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «ونؤمن بانتفاء كل ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ذلك النفي تضمن إثباتاً لكمال ضده. ونسكت عما سكت الله عنه ورسوله». ذكر هنا رحمه الله تعالى تأكيداً لما تقدم: أن ما نفى في الكتاب والسنة، ينفى عن الله جل وعلا، لكن ليعلم أن هذا النفي المراد منه إثبات كمال ضد ذلك الذي نفى عن رب العالمين جل وعلا. وذكر رحمه الله تعالى أن هناك من الأمور ما سكت عنه الشرع، ما سكت عنه الشرع، يعني: ما جاء في كتاب الله جل وعلا، ولا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فالواجب السكوت، الواجب السكوت عن ذلك. مثلاً: ما يتعلق بالجسم والجوهر والعرض والحيز، وهل يخلو منه العرض جل وعلا إذا نزل إلى السماء الدنيا، أو لا يخلو؟ كل هذه الأمور مسكوت عنها في الشرع. نعم، ما عندنا في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، إثبات الجسم لله جل وعلا، أو نفي الجسم عن الله جل وعلا. ما عندنا لا في الكتاب، ولا في السنة، لا إثبات، ولا نفي. فإذا ما دام أنه لم يثبت في كتاب الله جل وعلا الجسم، ولم ينفَ كذلك في كتاب الله، أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلحن نسكت، لا نثبت، ولا ننفي. إذا قيل لنا: هل الله عز وجل جسم؟ نقول: سبحان الله، ليس في كتاب الله جل وعلا أن الله أثبت أنه جسم لنفسه، أو أنه نفى ذلك عن نفسه. لكن أهل السنة والجماعة يستفصلون من هذه الألفاظ، هذه الألفاظ مسكوتة في الشرع. نعم، فإذا جاء من يتوسع في ذلك، ويدخل فيما لا يعنيه علم له به، ويتجاسر في ذلك، فإن أهل السنة يستفصلون منه. نعم، يقولون: ماذا تريد بالجسم؟ ماذا تريد بالجسم؟ أن الله جسم؟ نحن ما عندنا في القرآن أن الله جسم، أو أنه ليس بجسم. لكن ماذا تريد؟ هل تريد بالجسم أن الله سبحانه وتعالى له ذات، وله صفات تليق بجلاله جل وعلا؟ هذا الذي تريده، إذا كنت تريد بهذا، فهذا حق، الله سبحانه وتعالى له ذات، وله صفات، كما في كتاب الله، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. لا تقل: جسم، قل: الله سبحانه وتعالى له ذات، وله صفات. وإذا قال: أريد به الجسم، أن الله سبحانه وتعالى كالمخلوق، نقول: هذا باطل. فأهل السنة والجماعة يستفصلون عن الألفاظ التي سكت عنها في الشرع. وذكر أهل البدع، ممن توسعوا في هذا الباب، حين ذكروا العرض، يقولون: الله عرض، ويقولون: الله عز وجل جوهر. نعم، فلا ينفون. ولذلك انتقدوا على الإمام السفاريني رحمه الله تعالى في «السفارينية»، حين قال: «وليس ربنا بجوهر ولا عرض». انتقدوه في ذلك. ما وجه الانتقاد؟ وجه الانتقاد: أنه نفى، وجه الانتقاد: أنه نفى أن الله سبحانه وتعالى ليس بجوهر، وليس بعرض، ولا دليل على ذلك. لا دليل على الإثبات، ولا دليل على النفي. فلذلك الواجب لا يذكر ذلك. رحمه الله، فهذا ما انتقد عليه. لكن أهل السنة والجماعة يسكتون عن هذه الأمور التي سكت عنها الشرع. فإذا جاء أهل البدع وذكروها، لا يرد قولهم مطلقاً، يقول لهم: قولكم باطل. لا، يستفصلون: ماذا تريدون؟ ماذا تريد بقولك: جسم؟ ماذا تريد بقولك: جوهر؟ ماذا تريد بقولك: عرض؟ ماذا تريد بقولك: أن الله في جهة؟ فيثبت الحق، يثبت المعنى الحق، ويرد ماذا؟ المعنى الباطل. هذه قاعدة عامة عند أهل السنة والجماعة في هذا الباب، باب الأسماء والصفات. نواصل إن شاء الله في الدرس اللاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.