شمولية الشريعة الإسلامية

الدرس في شمولية الشريعة الإسلامية، خطبة الجمعة بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 12 ربيع أول 1431هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شمولية الشريعة الإسلامية واكتفاؤها بالناس في دينهم ودنياهم

يؤكد الخطيب أن الشريعة الإسلامية شاملة كاملة لا يعتريها نقص، مستدلاً بالقرآن والسنة وأقوال السلف في رجوع الصحابة إليها في النوازل كدفن النبي واختيار الخليفة. ويدعو المسلمين للتمسك بها والرجوع إليها في جميع شؤونهم الدينية والدنيوية.

رجوع السلف الصالح إلى الشريعة في النوازل والطوارئ

يستعرض المقطع كيف كان السلف يرجعون إلى الشريعة ويستشيرون العلماء في النوازل، مستدلين بقصة أبي بكر في قتال مانعي الزكاة وعمر في استشارة الصحابة بشأن الطاعون وتطبيق الحجر الصحي. ويؤكد كمال الشريعة وشمولها لجميع مناحي الحياة بما فيها الطب ووجوب الرجوع إليها وحدها.

خطر البدعة ووجوب الاتباع دون ابتداع في الدين

يؤكد المقطع أن الدين اكتمل بوحي الله، وأن كل عمل لم يأذن به الله ورسوله هو بدعة مردودة، مستدلاً بآيات وأحاديث وأقوال السلف كمالك وابن الماجشون. ويحذر من إحداث عبادات كمولد النبي، مشدداً على لزوم أركان الإسلام والإيمان الخمسة والستة دون زيادة.

كمال الشريعة في أصولها وفروعها وخاتمة الخطبة

يؤكد المقطع أن الشريعة الإسلامية كاملة في أساسياتها وأركانها ومعاملاتها وعباداتها، ولا تحتاج إلى أي زيادة من البشر. ويختتم بالدعاء بأن يوفق الله المستمعين لاتباع أحسن القول والعمل الصالح.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصبغ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من نعمة الله عز وجل علينا معشر المسلمين أن جعل لنا شريعةً شاملة لا يعتريها أي نقص من وجه من الوجوه، فكل ما يحتاج إليه الناس في أمر دينهم وفي أمر دنياهم ومعاشهم إلا ويجدون ذلك في هذه الشريعة العظيمة، الشريعة الإسلامية. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾. قال الحافظ بن كثير: قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «قد بيّن لنا في القرآن كل علم وكل شيء». وقال مجاهد رحمه الله تعالى: «الحلال والحرام»، أي بيّن لنا الحلال والحرام. قال الحافظ بن كثير عليه رحمة الله: «وقول ابن مسعود هو أعم وأشمل، فإن القرآن قد اجتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق ومن علم ما سيأتي ومن حكم كل حلال وحرام ومن ناس إليه يحتاجون في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم». انتهى كلام ابن كثير عليه رحمة الله. وقال الإمام الشافعي عليه رحمة الله كما نقل ذلك عنه الإمام المفسر الشنقيطي عليه رحمة الله في تفسيره: قال الإمام الشافعي: «ليست نازلة، أو ليست تنزل بأحد في الدين نازلة، إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها. ليست تنزل على أحد في الدين نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها». وكذلك من شمول هذا الدين شمول سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإنها داخلة في الآية المتقدمة. قال الإمام الشنقيطي عليه رحمة الله: «قال: والسنة كلها تدخل في آية واحدة من القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ﴾». فقد بيّن النبي عليه الصلاة والسلام بيانًا شافيًا كافيًا، ما من خير إلا دل الأمة عليه، وما من شر إلا وحذر الأمة منه، حتى تركها على البيضة، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. جاء عند مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما من نبي إلا ودل أمته على خير، أو ما من نبي قبلي إلا ودل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم». وقال أبو ذر رضي الله تعالى عنه كما عند الطبراني في الكبير: يقول أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه: «تركنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما طائر يطير في الهوى إلا وقد علمنا، إلا وقد أخبرنا منه علمًا». فهكذا يا عباد الله هذه الشريعة ينبغي أن يتمسك بها المسلمون، وأن يتوجهوا إليها عند كل حادثة، وعند كل أمر في أمر دينهم وفي أمر دنياهم. وهكذا كان سلف هذه الأمة يروا على هذا الأمر العظيم، تقع في أزمانهم وقائع وحوادث، فسرعان ما ينظرون في هذه الشريعة العظيمة، وما يطلبون الدليل منها من كتاب الله ومن سنة النبي عليه الصلاة والسلام. لما توفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم اختلف الصحابة أين يدفن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فوجدوا ذلك في سنته عليه الصلاة والسلام، كما عند الإمام أحمد من حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه: جاءهم أبو بكر وقال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ما من نبي، ما من نبي يقبض، أو ما من نبي إلا ويدفن حيث قبض، ما من نبي إلا ويدفن حيث قبض». فوجدوا شفاءهم في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فكان قبره في المكان الذي مات فيه في حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها. وهكذا لما اختلفوا في الخلافة ومن يخلف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، فلما يريدون الإمرة، فلما علم بهم إخوانهم المهاجرون ذهبوا إليهم وفيهم أبو بكر وعمر، فتكلم أبو بكر وقال للأنصار وكان سيدهم ذاك سعد بن عبادة: فقال له: «يا سعد، أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال وأنت قاعد: قريش أولاة هذا الأمر، قريش أولاة هذا الأمر». فما كان من الأنصار وفي مقدمتهم سعد بن عبادة إلا الانقياد، إلا الانقياد، إلا الاستسلام، إلا السمع والطاعة لحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال سعد حينئذ: «أنتم الأمراء ونحن الوزراء». فتمت البيعة لأبي بكر. وفي عهد التابعين جاء التابعون إلى أنس بن مالك، نزلت بهم نازلة عظيمة وأمر عظيم، ظلم ظاهر واضح من أميرهم أنذاك، ألا وهو الحجاج بن يوسف الثقفي، ذلكم الحاكم الظالم الذي نكل بالمسلمين وبالصالحين. جاء في البخاري من حديث الزبير بن عدي رحمه الله تعالى أنه أتى إلى أنس بن مالك يشكو له ما يلاقون من الحجاج، أي من الظلم، فما كان من أنس بن مالك إلا أن قال له: «اصبروا، اصبروا، فإنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم». انظروا يا عباد الله، ما أرشدهم إلى الحماسات الفارغة، ولا إلى العصبيات الجاهلية، ولا إلى العواطف الجامحة، إنما ذكرهم بحديث من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، فإن فيه الشفاء، وفيه المصالح العظيمة، لأن هذه الشريعة أتت لتحقيق المصالح، وأتت كذلك لدفع المفاسد. وهكذا عباد الله، كم وكم من الوقائع ومن الحوادث التي تنزل بالسلف الصالح، فلعلمهم وليقينهم أن هذه الشريعة كاملة شاملة، سرعان ما يرجعون إليها، وسرعان ما يستشيرون حملتها من العلماء الربانيين، فإن العلماء هم الذين يستنبطون ما في هذه الشريعة من أحكام ومن حلول، ومن كذلك دقائق وغوامض لا يصل إليها إلا الراسخون منهم. وهذا أيضًا ما أمر الله عز وجل به، وهذه الآية أيضًا تدخل في قول الله عز وجل: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الذِّكْرَ ﴾، ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾، ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾. فإن في القرآن قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. فهكذا كان حال السلف، سرعان ما تنزلوا، أو إذا نزلت بهم النازلة، سرعان ما يتجهون إلى هذه الشريعة، وإلى حملة هذه الشريعة. بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام وبعد تولي أبي بكر الخلافة، ارتد من ارتد من قبائل العرب، فهم أبو بكر على قتالهم، فراجعه عمر وقال له: «يا أبا بكر، كيف تقاتلوا، كيف تقاتلوا من قال لا إله إلا الله، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقول لا إله إلا الله، فمن قالها عصم مني دمه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله». فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال». انظروا إلى هذا الاستنباط الدقيق من أبي بكر رضي الله تعالى عنه: «فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لقاتلتهم عليه». قال عمر: «فما أن رأيت أن الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال إلا عرفت أنه الحق، إلا عرفت أنه الحق». انظروا يا عباد الله كيف ذلكم العالم الصحابي الجليل استدل بهذا الحديث على هذا الأمر العظيم، فكان الحق معه، وكان كذلك النصر معه، فنصره الله سبحانه وتعالى على أولئك المرتدين. وهكذا عمر رضي الله تعالى عنه كان يشاور حملة هذه الشريعة، لعلمه أن هذه الشريعة تشمل كل شيء، حتى أمور الطب والصحة، فإن هذه الشريعة فيها ما يجده الناس علاجًا وحمايةً لأبدانهم. جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس أن عمر أراد أن يقدم الشام، فلما كان بسرغ، أي منطقة قبل الشام، جاءه الجنود والأجناد، أو أصحابه رضي الله تعالى عنهم، وقالوا لعمر: «إن الوباء قد وقع في الشام، وباء الطاعون». قال ابن عباس: فقال عمر: «لي، اذهب، ادعُ لي المهاجرين الأولين، اذهب ادعُ لي المهاجرين الأولين». قال: فدعوتهم، فاستشارهم عمر، فاستشارهم عمر، قال: فاختلفوا، فقائل يقول: «إنك ما خرجت إلا من أجل أن تصل إلى الشام، فنرى أن تقدم إليها»، وقوم قالوا: «إن معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنرى أن لا تقدم بهم». فقال لهم عمر: «قوموا عني»، فقاموا. ثم قال لابن عباس: «ادعُ لي الأنصار»، فدعا له الأنصار، فسلكوا مسلك إخوانهم المهاجرين، فقال لهم: «قوموا عني»، فقاموا. ثم قال لابن عباس: «ادعُ لي من كان هنا من مشيخة قريش، من مشيخة قريش، من مهاجرة الفتح، من مهاجرة الفتح». قال: فدعوتهم، فلم يختلف منهم رجلان، ورأوا أن عمر يرجع بالجيش. انظروا، فنادى عمر: «إني مصبح على ظهر»، فأصبحوا عليه. فلما رأى ذلك أبو عبيدة بن الجراح قال: «يا أمير المؤمنين، أفرارًا من قدر الله؟» فقال عمر رضي الله تعالى عنه: «نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، لو قالها غيرك يا ابن الجراح». ثم ذكر له ما يكون في الإبل. ثم جاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه وكان متغيبًا في بعض أسفاره، فقال: «فقال: إن لي في هذا علمًا، إن لي في هذا علمًا». ثم قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا إليه، وأنتم يعني في غير أرضه فلا تقدموا إليه، وإذا وقع بأرض أنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا منه». فحمد الله عمر رضي الله تعالى عنه وانصرف. انظروا يا عباد الله إلى هذه الشريعة، حتى هذا الأمر قد بينته وقد أوضحته، فهو مصداق قول الله عز وجل: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾. وهذا ما وقع في حديث عمر يعمل به الطب الحديث ويسمونه بالحجر الصحي. نعم عباد الله، وهذا مأخوذ من هذه الشريعة العظيمة. فيا عباد الله، يجب علينا أن نحمد الله عز وجل أن جعل لنا هذه الشريعة الشاملة الكاملة التامة، فنأخذ بها ونتجه إليها، لا نتجه إلى الشرق ولا إلى الغرب، لا في سياستنا ولا في اقتصادنا ولا في قوانيننا ولا في معاملاتنا ولا في عباداتنا ولا في غير ذلك مما نحتاج إليه، بل يجب علينا أن نرجع إلى هذه الشريعة، فسنجد فيها الشفاء، وسنجد فيها العلاج، وسنجد فيها الحل. وهذا يكون بالرجوع إلى كتاب الله، وإلى سنة رسوله، وإلى هذه الشريعة العظيمة، وإلى حملتها من السلف الصالح، ومن العلماء الربانيين. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، عباد الله، ومن شمولية هذه الشريعة، كمال هذه الشريعة، كمال هذه الشريعة. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾. قال الشنقيطي في تفسيره رحمه الله تعالى: «هذه الآية نص صريح على أن الدين الإسلامي لم يترك شيئًا مما يحتاج إليه الخلق في دنياهم ولا في أخراهم إلا وبينه وأوضحه، كائنًا من كان، كائنًا ما كان، كائنًا ما كان». هكذا يقول رحمه الله تعالى. فهذه الشريعة شريعة كاملة، شريعة لا يعتريها نقص من أي وجه من الوجوه. نعم، كذلك في العبادات ينبغي أن يعلم المسلم أن الأصل في العبادات المنع والوقف، لكمال هذه الشريعة، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ﴾، ﴿ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ﴾. فمن عمل عملًا لم يأذن به الله، وذلك بوجود دليله من الكتاب أو السنة، فهو شرع واستحسن في دين الله سبحانه وتعالى، وأحدث وابتدع في دين الله سبحانه وتعالى بنص هذه الآية. ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في مسلم، كما في الصحيحين من حديث عائشة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، أي مردود على صاحبه، لكمال هذه الشريعة. وهكذا في مسلم من حديث عائشة: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، لكمال هذه الشريعة. وهذا هو فهم السلف الصالح، وهذا ما جرى عليه سلف هذه الأمة. قال ابن الماجشون عن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد خان الرسالة، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا». قاعدة عظيمة ينبغي أن نعيها، وينبغي أن نقف عندها، ولا نتجاوز في العبادات بالبدع والمحدثات. وهكذا السلف الصالح كانوا ينكرون البدع، وإن كانت في نظر البعض اليوم هينة يسيرة، خير وعبادة وطاعة، ولكنها عند سلف الأمة بدعة ومحدثة. جاء عند البيهقي عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى أنه رأى رجلًا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، والسنة أن تصلي ركعتين، يصلي أكثر من ركعتين ويكثر فيها من السجود والركوع، فنهاه عن ذلك. فقال هذا الرجل: «يا أبا محمد، يعذبني الله على الصلاة، يعذبني الله على الصلاة؟» فقال له، فقال له سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: «لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة، ولكن يعذبك على خلاف السنة». قال العلامة الألباني عليه رحمة الله في إرواء الغليل تعليقًا على هذا الأثر: «قال: وهذا، وهذا من بدائع أجوبة سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، فإن هذا سلاح قوي على المبتدعة الذين يستحسنون كثيرًا من البدع، يستحسنون كثيرًا من البدع بحجة أنها ذكر وصلاة، وينكرون على من ينكر عليهم ذلك، وفي الحقيقة أن أهل السنة إنما ينكرون عليهم خلافهم، خلافهم للسنة في الصلاة والذكر، في الصلاة والذكر». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وهكذا يرد على من يقول: «إن هذه الموالد إنما هي خير، وإنما هي صلاة على النبي عليه الصلاة والسلام»، أن يعذبنا الله على الذكر، أن يعذبنا الله على الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، أن يعذبنا الله على الاحتفال فرحًا بمولد النبي عليه الصلاة والسلام. فيقال لهم ما قال ذلكم العالم النحرير سعيد بن المسيب عليه رحمة الله: «لا، لا يعذبكم الله على الذكر والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما يعذبكم على خلاف السنة، على خلاف السنة». نعم، لأن هذا الأمر لم يكن على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يكن على عهد صحابته الكرام، ولا القرون الثلاثة المفضلة، بل ظهرت هذه البدعة، بدعة المولد، في نهاية القرن الرابع الهجري، في الدولة العبيدية الفاطمية، هم الذين أحدثوا ذلك، ولم يكن على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا. وهكذا عباد الله، قال سفيان بن عيينة كما في الإبانة لابن بطة: قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال له: «يا مالك، أريد أن أحرم، فمن أين أحرم؟» وهو في المدينة. فقال له مالك: «من حيث أحرم النبي عليه الصلاة والسلام، من ذي الحليفة». فقال الرجل: «إني أريد أن أحرم من المسجد، من عند القبر، أي من مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، من عند قبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». فقال له الإمام مالك: «لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة، انظر، لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة». فقال هذا الرجل للإمام مالك: «وأي فتنة في هذا، إنما هي أميال أزيدها، إنما هي أميال أزيدها». فقال عندئذ الإمام مالك: «وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك خصصت بفضل لم يخص به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾، أو يصيبهم عذاب أليم». انظروا يا عباد الله، هذا الإمام مالك، أحد الأئمة الأربعة، عالم جليل من علماء هذا الإسلام العظيم، وهذه الشريعة الشاملة الكاملة، ينهى هذا الرجل عن أميال يزيدها، فكيف عن أمور أعظم من ذلك وهي لم تكن من شريعة الله سبحانه وتعالى، فهي أولى أن تنكر، وأولى أن كذلك ترد. نعم عباد الله، فعلينا أن نحمد الله على هذه الشريعة، وأن لا نزيد فيها، وأن لا ننقص، بل يجب علينا أن نأخذ بهذه الشريعة كما أمر الله سبحانه وتعالى القائل: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾، ﴿ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾. نعم، من دعاك إلى غير هذه الشريعة لا يغن عنك من الله شيئًا، ولا يدافع عنك في ذلك اليوم الذي يقال لك، الذي يقال لك فيه: «قد غيرت وبدلت»، وربما تطرد من حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام في البخاري: «ألا إنه ليذاذن رجال من أمتي عن الحوض، فأقول: يا رب، أصحابي، أصحابي، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم غيروا وبدلوا، إنهم غيروا وبدلوا، فيقول: سحقًا، سحقًا لمن غير وبدل». ألا فلنأخذ بهذه الشريعة العظيمة، نعم، ونتمسك بها، فإنها حجة الله على عباده سبحانه وتعالى. قال الإمام الشنقيطي عليه رحمة الله: «فكما أن هذا القرآن فيه تبيان كل شيء، فإن الله سبحانه وتعالى قد جعل هذه الشريعة حجة على عباده، حجة على عباده، حتى تنقطع حجة الظالمين، وحتى ينتفع المسلمون». ألا فكن ممن ينتفع بهذه الشريعة، وعليك أن تلزم أساسيات وأركان هذه الشريعة، وعبادات هذه الشريعة. ولتعلم أن هذه الشريعة لها خمسة أركان في الإسلام ولا سادس لها، ولها ستة أركان في الإيمان ولا سابع لها، فمن جعل ركنًا سابعًا أو ركنًا سادسًا من أركان الإسلام، وركنًا سابعًا من أركان الإيمان، فقد أخطأ، وقد ضل، وقد تجاوز وغلا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فهذه الشريعة كاملة في أساسياتها، وفي أركانها، وفي معاملاتها، وفي عباداتها، فلا تحتاج إلى زيادة من الخلق، لا تحتاج إلى زيادة من الخلق. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.