التعليق على تقريب التدمرية 17

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 17، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مذهب المعتزلة في الأسماء والصفات وشبهتهم

يبيّن المقطع مذهب المعتزلة في إثبات الأسماء لله دون الصفات، معتبرينها أعلامًا محضة ونافين الصفات المقتضية لها بدعوى التشبيه. ويرد المصنف بأن التفريق بين الأسماء والصفات تناقض، فيلزم إما إثبات كليهما أو نفي كليهما.

رد شبهة المعتزلة ودلالة الأسماء الحسنى وآية التنزيه

يوضح المقطع تناقض المعتزلة في إثبات الأسماء ونفي الصفات، لأن المخلوقين يتسمون ويتصفون، وآية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ تجمع بين إثبات الصفات ونفي المماثلة. بذلك يبطل قول من زعم أن إثبات الصفات يستلزم التمثيل.

أدلة إثبات صفات الكمال ونفي التشبيه والتعطيل

يستعرض المقطع أدلة عقلية ونقلية لإثبات صفات الكمال لله، مستشهدًا بإنكار إبراهيم وموسى عليهما السلام لعبادة من لا يسمع ولا يبصر، ومبينًا أن الذات لا توجد بلا صفات. وتدل الأسماء الحسنى على معانٍ مختصة متعددة مع اتحاد المسمى.

ترادف أسماء الله في الدلالة على الذات وتباينها في الصفات

تتفق أسماء الله الحسنى في الدلالة على الذات فهي مترادفة من هذا الوجه، بينما تختلف في الدلالة على الأوصاف والصفات فكل اسم يختص بمعنى متميز. وتنقسم أنواع الدلالة إلى مطابقة وتضمن والتزام، وسيتم تفصيلها لاحقًا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل: الطائفة الثانية: المعتزلة، ومن تبعهم من أهل الكلام وغيرهم. وطريقتهم أنهم يثبتون لله تعالى الأسماء دون الصفات، ويجعلون الأسماء أعلامًا محضة. ثم منهم من يقول إنها مترادفة، فالعليم والقدير والسميع والبصير شيء واحد. ومنهم من يقول إنها متباينة، ولكنه عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، ونحو ذلك. وشبهتهم: أنهم اعتقدوا أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه؛ لأنه لا يوجد شيء متصف بالصفات إلا جسم، والأجسام متماثلة، فإثبات الصفات يستلزم التشبيه. والرد عليه من وجوه: الأول: أن الله تعالى سمى نفسه بأسماء، ووصف نفسه بصفات. فإن كان إثبات الصفات يستلزم التشبيه، فإثبات الأسماء كذلك. وإن كان إثبات الأسماء لا يستلزم التشبيه، فإثبات الصفات كذلك. والتفريق بين هذا وهذا تناقض. فإما أن يثبت الجميع فيوافق السلف، وإما أن ينفي الجميع فيوافق غلاة الجهمية والباطنية، وإما أن يفرقوا فيقعوا في التناقض. ذكر المصنف رحمه الله تعالى هذا الفصل في بيانه لزيغ المعتزلة عن اتباع الرسل، وعن الرسل وأتباعهم في باب الأسماء والصفات. فذكر أولًا الشيعة، ثم ذكر هنا المعتزلة. والمعتزلة ينتسبون إلى واصل بن عطاء الغزال، وسموا بالمعتزلة لاعتزالهم حلقة الحسن البصري. فكان واصل بن عطاء من تلاميذ الحسن البصري، وذات يوم جاء رجل سائل يسأل الحسن البصري عن حكم مرتكب الكبيرة. فبينما الحسن رحمه الله يعد جوابًا للرد على سؤال هذا السائل، أجاب واصل بن عطاء فقال: هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر. فطرده الحسن البصري رحمه الله تعالى من حلقته، فاعتزل، وتبعه تبعهم عمرو بن عبيد وجمع. فقال الحسن: «اعتزلنا واصل، اعتزلنا واصل»، أي: اعتزل حلقتنا. فسموا بالمعتزلة. ومن منهج هؤلاء، مذهبهم: نفي الصفات عن رب العالمين جل وعلا. بل قد قال واصل بن عطاء: «من أثبت صفة قديمة لله جل وعلا فقد جعل إلهين، وقد جعل مع الله إلهًا». أو قال: «أثبت إلهين». فينفون جميع الصفات، يثبتون الأسماء ولا يثبتون الصفات. فذكر المصنف رحمه الله تعالى في هذا الفصل هذه الطائفة التي عطلت الرب جل وعلا عن صفاته. فكما ذكر رحمه الله تعالى أنهم يثبتون لله تعالى الأسماء دون الصفات. وأيضًا مع إثباتهم لأسماء الله جل وعلا، إنما يثبتونها على أنها أعلام محضة فقط. أعلام محضة بمعنى: أن هذه الأسماء الثابتة لله جل وعلا إنما هي أعلام محضة تدل على المسمى بها فقط، أعلام تدل على المسمى بها وهو الله جل وعلا، أي: لا تدل على أوصاف، وإنما هي أسماء تعين المسمى مطلقًا. فجعلوا أسماء الله جل وعلا كأسماء المخلوقين. فالمخلوقات، وكذلك البشر، يسمون بأسماء، وهذه الأسماء هي أعلام تعين هؤلاء، كجعفر وزيد وغيرها من الأسماء. ولذلك قال ابن مالك رحمه الله تعالى: «واسم يعين المسمى مطلقًا علمه كجعفر وخرنقا». يعني: الاسم المراد به تعين المسمى به، هذا الاسم يعين المسمى به أي الذي تسمى به، ومن غير نظر إلى الوصف، فإنما هو اسم فقط، علم محض مجرد عن الوصفية. فجعلوا أسماء الله جل وعلا أعلامًا محضة مجردة عن الأوصاف. وهذا باطل؛ لأن أسماء الله جل وعلا أعلام وأوصاف، أعلام وأوصاف. هي أعلام دالة على المسمى بها جل وعلا وهو الله جل وعلا، وهكذا هي أوصاف. أيضًا مع إثباتهم لهذه الأسماء وجعلهم أنها أعلام محضة، كذلك منهم من يجعل هذه الأسماء مترادفة. الأسماء هذه مترادفة يعني: معناها واحد، معناها واحد. فالعليم عندهم هو القدير، لا فرق بين هذا الاسم في معناه عن الاسم الآخر، وهكذا القدير معناه مثل اسم العزيز، وهكذا بقية الأسماء. فجعلوها مترادفة في معانيها، وهي لها معنى واحد. ومنهم من جعلها متباينة. متباينة يعني: في المعنى. يعني أن السميع مثلًا له معنى غير معنى اسم الله جل وعلا العليم والحكيم والخبير إلى آخر ذلك. فأثبتوا هذه الأسماء لله جل وعلا وأنها أعلام محضة، وقالوا: هي متباينة في معانيها. لكن لم يثبتوا الصفات، لم يثبتوا الصفات التي تقتضيها هذه الأسماء، وإنما أثبتوا آثار هذه الأسماء. أثبتوا آثار هذه الأسماء. مثلًا: الله اسم الله جل وعلا العليم، فأثبتوا اسم الله جل وعلا العليم. هذا الاسم يقتضي إثبات صفة العلم لله جل وعلا. هم لم يثبتوا ذلك، وإنما أثبتوا الأثر. ما هو الأثر؟ قالوا: عليم يعني يعلم. عليم بمعنى يعلم. قدير بمعنى يقدر. وهكذا في تفسير هذه الأسماء. وهذا باطل، وهذا باطل. لأن اسم الله جل وعلا العليم أو الحكيم يقتضي إثبات الأوصاف، يقتضي إثبات صفة. والسمع باسم الله جل وعلا السميع، صفة العلم باسم الله جل وعلا العليم. لكنهم لم يثبتوا صفة لله جل وعلا، صفة السمع، صفة العلم، مع أنهم أثبتوا الأسماء، أثبتوا الأسماء وجعلوها متباينة، متباينة في معانيها. ومع هذا لم يثبتوا الصفات التي تضمنها هذه الأسماء وتقتضيها. وإنما قالوا: اسم الله جل وعلا العليم يعني أن الله جل وعلا يعلم. والقدير: أي أن الله جل وعلا يقدر. وهكذا. لكن هل قالوا: الله جل وعلا له صفة العلم؟ لا. هل قالوا: لله جل وعلا صفة القدرة؟ لا. وإنما يقدر. أما اتصاف الرب جل وعلا بهذه الصفات: صفة السمع، أو صفة القدرة، أو صفة العلم، أو الحكمة، أو غير ذلك، فهذا لم يثبتوه. أي: المعتزلة. وإنما أثبتوا الأثر، كما ذكر رحمه الله تعالى هنا بقوله: يقولون: عليم بلا علم، عليم بلا علم يعني: بلا صفة علم، بلا اتصاف بصفة علم، لكن عليم بمعنى يعلم. وقدير كذلك بلا قدرة. سميع بمعنى كذلك يسمع. والمراد ذلك علمه إلى آخر ذلك من هذه التحريفات والتأويلات الباطلة التي وقعوا فيها. وذكر رحمه الله تعالى شبهتهم: وأنهم اعتقدوا أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه؛ لأنه لا يوجد شيء متصف بالصفات إلا جسم. يعني: لماذا لم يثبت المعتزلة الصفات لله سبحانه؟ قالوا: إثبات الصفات يستلزم التشبيه، تشبيه الخالق بالمخلوقين. لأن إثبات الصفات إذا أثبتناها للخالق، وهذه الصفات كذلك ثابتة للمخلوقين، فإذا أثبتناها شبهنا الخالق بالمخلوقين، لأن ذلك يلزم هذا. وأيضًا قالوا: إذا أثبتنا له الصفات جعلناه جسمًا، جعلناه جسمًا من الأجسام. لأن الشيء الذي تقوم به صفات، الشيء الذي تقوم به صفات هو جسم. الشيء الذي تقوم به صفات جسم. فإذا أثبتنا الصفات لله جل وعلا جعلناه جسمًا كالأجسام، جعلناه جسمًا كالأجسام، فشبهناه بالأجسام. ولأن الأجسام متماثلة، يعني: سواء، وبينهما تشابه وتماثل. فلذلك لم يثبتوا الصفات لله جل وعلا. فرد عليهم المصنف رحمه الله تعالى بأجوبة وردود من وجوه عدة. فذكر أن الله تعالى سمى نفسه بأسماء، ووصف نفسه بصفات. فإن كان إثبات الصفات يستلزم التشبيه، فإثبات الأسماء كذلك. وإن كان إثبات الأسماء لا يستلزم التشبيه، فإثبات الصفات كذلك. والتفريق بين هذا وهذا تناقض. يعني: المعتزلي أثبت الأسماء لله جل وعلا، أثبت الأسماء لله سبحانه وتعالى، مع أن هذا لم يستلزم التشبيه، لم يستلزم التشبيه عندهم. ولم يثبتوا الصفات لله جل وعلا بزعم أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه. فالجواب: إذا كان إثبات الصفات يستلزم التشبيه، فإثبات الأسماء كذلك يستلزم التشبيه. فلماذا أثبتتم الأسماء ولم تثبتوا الصفات، مع أن القول في هذا واحد؟ إذا أثبتتم الأسماء، كذلك يستلزم التشبيه؛ لأن المخلوقات تتسمى، تتسمى بأسماء، كما أنها تتصف بصفات. فلماذا أثبتتم الأسماء ولم تثبتوا الصفات؟ فإما أن يثبتوا الجميع لله جل وعلا، يثبتوا الأسماء ويثبتوا الصفات، يثبتوا الأسماء ولا يستلزم ذلك التشبيه، هكذا عليهم أن يثبتوا الصفات، وإثبات هذه الصفات لا يستلزم التشبيه. وأما التفريق فتناقض، التفريق فيه تناقض. يتناقضون إذا فرقوا، إذا قالوا: لا نثبت الأسماء ولا تستلزم التشبيه، ولا نثبت الصفات بأنها تستلزم التشبيه. هذا تناقض؛ لأنه يلزمهم كذلك في إثباتهم الأسماء هذا اللازم وهو التشبيه. فلا مجال لهم إلا بإثبات الجميع أو نفي الجميع، فيقعون في شر من هذا، فيوافقون الجهمية والباطنية الذين لم يثبتوا لله جل وعلا. وهكذا من سيأتي ذكرهم من الجهمية الذين عطلوا الأسماء والصفات، ولم يثبتوا لله جل وعلا الأسماء والصفات. وهكذا الباطنية. فهذا لازم واضح في حق المعتزلة الذين أثبتوا الأسماء مع أنها لا تستلزم التشبيه في قولهم، ونفوا الصفات، وادعوا أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه، مع أن الأمرين على قولهم وعلى لازمهم يستلزم التشبيه على قاعدتهم. وأهل السنة والجماعة أثبتوا الأسماء لله جل وعلا والصفات على ما يليق بالله سبحانه وتعالى، وأن ذلك لا يلزم التشبيه، ولا يلزم أن يجعل الرب جل وعلا جسمًا كما قال هؤلاء الضلال. ثم ذكر رحمه الله تعالى الوجه الثاني: قال: أن الله تعالى وصف أسماءه بأنها حسنة، وأمرنا بدعائه بها. فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وهذه يقتضي أن تكون دالة على معاني عظيمة، تكون وسيلة لنا في دعائنا، وليصح خلوها عنها. ولو كانت أعلامًا محضة لكانت غير دالة على معنى سوى تعيين المسمى، فضلًا عن أن تكون حسنة ووسيلة في الدعاء. الله جل وعلا أمرنا بدعائه جل وعلا، وبين جل وعلا أن له الأسماء الحسنة. ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. قال جل وعلا: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. فأثبت الله جل وعلا لنفسه الأسماء الحسنة، وأمرنا بأن ندعوه بها. إذا كانت هذه الأسماء لا تدل على أوصاف، فهذه ينافي كونها حسنة. ينافي كونها حسنة. فأسماء الله جل وعلا حسنة لأنها أعلام وأوصاف، أعلام وأوصاف. لخلاف أسماء المخلوقين، الغالب فيها أنها أعلام. الغالب فيها أنها أعلام. يسمى الشخص باسم، وقد لا يوجد فيه ذلك الوصف. قد لا يوجد فيه ذلك الوصف. فقد يسمى مثلًا جميلًا، ويسمى جميل وهو ليس بجميل. نعم، ليس بجميل. وربما كذلك يسمى مثلًا محمدًا وليس كذلك. وهكذا. فالغالب في أسماء المخلوقين أنها أعلام غير دالة على الوصف، لأن المراد بها تعيين المسمى بها مطلقًا ليميز فلان عن فلان. هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا. بخلاف أسماء الله جل وعلا، فهي حسنة. ولذلك اختص الله جل وعلا بها نفسه. خص الله جل وعلا بها نفسه. أي: الأسماء الحسنة. قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. أي: ليست لغيره. ولله الأسماء الحسنة. الأسماء التي أعلام دالة على أوصاف، أوصاف. هذه ثابت لله جل وعلا. وهكذا أسماء النبي عليه الصلاة والسلام. أسماء النبي عليه الصلاة والسلام هي أعلام كذلك وأوصاف، أعلام وأوصاف. فالنبي سلم له أسماء: اسمه محمد، واسمه كذلك أحمد، اسمه الحاشر والعاقب، إلى آخر الأسماء التي ثبتت عنه عليه الصلاة والسلام. قال أهل العلم، وابن القيم رحمه الله تعالى وغيره: أسماء الرسول عليه الصلاة والسلام أعلام وأوصاف. أما بقية أسماء المخلوقين فهي إنما أعلام فقط، أعلام فقط. سموا بها لتعينهم عن غيرهم، المراد تسمية فقط. فتبين بهذا أن الرب جل وعلا لما أثبت لنفسه الأسماء الحسنى، وأمرنا بدعائه بها جل وعلا، لو لم تكن حسنى ودالة على معان عظيمة، فهذا كيف تكون وسيلة لنا في الدعاء؟ إنسان حين يدعو ربه جل وعلا يقول: يا رحمن، ويقول: يا رحيم، يا غفور، يا عظيم، يا عزيز. فهو يدعو الله جل وعلا بهذه الأسماء، وهو كذلك يستحضر هذه الأوصاف. لم يقل: يا عظيم يعني: يا من متصف بالعظمة. يا عزيز، يا رحيم. فإذا قال: يا رحيم ارحمني، وكذلك يا غفور اغفر لي. فهذا يدل على أن الدعاء قد أتى به على ما ينبغي. أما دعاء رب جل وعلا بأسماء غير دالة على أوصاف، فهذا باطل. ترده نصوص الشرع في الكتاب والسنة في بيان أن أسماء الله جل وعلا حسنى، ولا تكون حسنى إلا بدلالتها على الأوصاف والمعاني العظيمة التي يستحضرها الداعي حين يدعو ربه جل وعلا بأسمائه سبحانه وتعالى وصفاته. قال رحمه الله تعالى: الثالث: أن الله تعالى أثبت لنفسه الصفات إجمالًا وتفصيلًا، مع نفي أن مماثله. فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ﴾، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وهذا يدل على أن إثبات الصفات لا يستلزم التمثيل. ولو كان يستلزم التمثيل، لكان كلام الله متناقضًا. الله جل وعلا أثبت لنفسه الأسماء والصفات، وهو جل وعلا القائل عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فأثبت جل وعلا لنفسه اسم السميع واسم البصير، وهذا يقتضي إثبات صفة السمع وصفة البصر كما جاءت في النصوص في الكتاب والسنة، وهو القائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. فإذا كان إثبات الأسماء والصفات يستلزم التمثيل، فيكون قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ هذا مردود، وفي غير محله. كيف يثبت لنفسه أسماء وصفات، وهذه تستلزم التمثيل، ثم يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾؟ نعم، فيكون كلام الله فيه التناقض، يكون في كلام الله جل وعلا التناقض، حيث يثبت لنفسه الأسماء والصفات، وهذا يستلزم التمثيل، ثم يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. فدل هذا على أن إثبات الأسماء والصفات لله جل وعلا لا يستلزم التمثيل، لا يستلزم التمثيل. ولو كان يستلزم ذلك التمثيل، لكان قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ تناقضًا. وحاش الله جل وعلا أن يكون في قوله التناقض. بل هو جل وعلا قوله أصدق الأقوال، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. فيدل هذا على بطلان هذا القول للزومه هذا اللازم الباطل، للزوم هذا القول هذا اللازم الباطل. فقول من يقول: إثبات الأسماء والصفات يستلزم التمثيل، هذا يلزم منه لازم باطل، وهو أن كلام الله جل وعلا متناقض، أن كلام الله جل وعلا متناقض. فهذا اللازم الباطل يدل على بطلان ذلك الملزوم، على بطلان ذلك الملزوم الذي قال به هؤلاء الذين زعموا أن إثبات الأسماء والصفات يستلزم التمثيل. هذا المراد بالرد بهذا الوجه. قال الرابع: أن من لا يتصف بصفات الكمال لا يصلح أن يكون ربًا ولا إلهًا. ولهذا عاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام أباه باتخاذه ما لا يسمع ولا يبصر إلهًا. فقال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾. الله جل وعلا في كتابه الكريم بين دعوة الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإنكاره على أبيه عبادته لتلك الآلهة ولتلك المعبودات التي عبدها مع الله جل وعلا، وعاب عليه اتخاذ هذه المعبودات آلهة مع الله جل وعلا، وهي لا تستحق ذلك. واستشهد على أن هذه المخلوقات لا تستحق شيئًا من العبادة لعدم اتصافها بصفات الكمال، لعدم اتصافها بصفات الكمال. ومن ذلك صفة السمع والبصر. فقال: كيف تعبد هذه المعبودات وهي لا تسمع ولا تبصر؟ معنى ذلك: أن الذي يستحق أن يكون ربًا وأن يكون إلهًا، إلهًا، هو من اتصف بصفات الكمال، لا بصفات النقص والعيب. فهذه الآلهة بها عيب، بها صفات عيب: لا تسمع ولا تبصر. فكيف تستحق أن تكون آلهة؟ فالشاهد: أن الرب جل وعلا يتصف بصفة السمع والبصر وغير ذلك من هذه الصفات، وهي صفات الكمال. لأن الخالق الإله الرب هو الذي له الكمال المطلق من كل الوجوه، ومن الكمال اتصافه جل وعلا بصفات الكمال، لا بصفات النقص والعيب. وعدم اتصاف الرب جل وعلا بهذه الصفات نقص في حقه، وعيب. عابه الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام على من اتخذ غير الله جل وعلا إلهًا. فيدل هذا على تنزيه الرب جل وعلا عن عدم اتصافه بهذه الصفات التي هي صفات الكمال. وهكذا كذلك موسى عليه الصلاة والسلام، لما أنكر على قومه عبادة العجل، أنكر على قومه عبادة العجل. ومن ضمن العيوب التي ذكرها عليه الصلاة والسلام، والتي فيها بيان أن هذا العجل لا يستحق أن يعبد: أنه لا يتكلم، أنه لا يتكلم، ولا يرجع عليهم قولًا. كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾، في الآية الأخرى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَن لَّا يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾. معنى: كيف كيف عبدوه إذن، وهم قد علموا أنه لا يتكلم ولا يرجع عليهم قولًا؟ معنى أنه ناقص، به عيب، لا يستحق أن يكون إلهًا. فهذا أيضًا فائدة منه: أن الإله، وأن الرب جل وعلا، هو من اتصف بصفات الكمال، ومنها صفة الكلام، صفة السمع، صفة البصر. فهذا يدل على أن إثبات الصفة للرب جل الله وعلا هي مما يقتضيه الشرع والعقل. لأن الرب جل الله وعلا الإله إنما يكون كذلك إذا كان موصوفًا بصفات الكمال والجلال والعظمة، وإلا كان ذلك من العيب الذي ينافي استحقاقه لتلك الربوبية ولتلك الألوهية. قال رحمه الله تعالى: الخامس: أن كل موجود لا بد له من صفة، ولا يمكن وجود ذات مجردة عن الصفات. وحينئذ لا بد أن يكون الخالق الواجب الوجود متصفًا بالصفات اللائقة به. الله جل وعلا قال: أن كل موجود لا بد له من صفة. كل موجود لا بد له من صفة. لا بد أن يتصف بصفات، منها صفة الوجود، ومنها كذلك الصفات الأخرى. أما وجود ذات مجردة عن الصفات، هذا لا يمكن، مستحيل أن توجد ذات مجردة عن الصفات في الواقع. استحيل وجود ذات مجردة عن الصفات، أي: غير متصفة بالصفات في الواقع. قد يفرض الذهن ذلك، الإنسان في ذهنه ربما يقول: نعم، ممكن أن تكون ذات موجودة من غير صفات. لكن في الواقع لا يمكن، يستحيل أن توجد ذات مجردة عن الصفات. فكل ذات لا بد لها من صفات، وأول هذه الصفات صفة الوجود، وأنها موجودة، وأن هذه الذات موجودة. ثم بعد ذلك تلك الصفات التي تتصف بها هذه الصفات. أما ذات من غير صفات، فهذا مستحيل. فهذا مستحيل وغير ممكن. قالوا: حينئذ لا بد أن يكون الخالق الواجب الوجود. وهنا المصنف رحمه الله تعالى وهو ينقل عن شيخ الإسلام تيمية تعبيرًا بهذه الألفاظ التي استخدمها أهل الكلام، وهي من مصطلحات أهل الكلام: واجب الوجود، وغير ذلك. وقد نقل رحمه الله تعالى، أي شيخ الإسلام تيمية رحمه الله تعالى، أن استعمال اصطلاحات هؤلاء المخالفين، واستخدام الاصطلاحات التي اصطلحوها في الرد عليهم، لا شيء في ذلك، لا شيء في ذلك، إذا احتيج لذلك، إذا احتيج لذلك. فلا بأس في استخدام اصطلاحاتهم، بشرط أن تكون معانيها صحيحة، أن تكون معانيها صحيحة. مثلًا: واجب الوجود، يريدون به الرب جل وعلا. وعند أهل الكلام معنى واجب الوجود: هو الذي يستحيل العقل انتفاؤه، ما يستحيل العقل أن يكون منفيًا، فهو واجب الوجود. ويريدون به الرب جل وعلا، أي: أن العقل يستحيل عدم وجوده جل وعلا، ويستحيل انتفاؤه سبحانه وتعالى. فهذا المعنى صحيح، هذا المعنى صحيح. فلذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يعبر بهذه الاصطلاحات. فالاصطلاحات الواردة عن أهل الكلام إذا كانت معانيها صحيحة، لا تخالف الكتاب والسنة، وهو يرد عليهم بالاصطلاحات لإقامة الحجة كذلك عليهم، فهذا لا شيء فيه. قد ذكر ذلك في كتابه العظيم «درء تعارض العقل والنقل»، في كتابه «درء تعارض العقل والنقل»، ونقله كذلك عن أهل العلم في كتبهم. فهذا الرد واضح: أن الذوات لا يمكن أن تكون مجردة عن الصفات، بل ما من ذات إلا ولها الصفات. فهكذا حينئذ لا بد أن يكون الخالق الواجب الوجود، وهو الله جل وعلا، متصفًا بالصفات اللائقة به. أي: أنه سبحانه وتعالى له ذات وله صفات. قال السادس: أن القول بأن أسماء الله تعالى أعلام محضة مترادفة، لا تدل إلا على ذات الله فقط، قول باطل. لأن دلالات الكتاب والسنة متضافرة على أن كل اسم منها دال على معناه المختص به، مع اتفاقها على مسمى واحد وموصوف واحد. فالله تعالى هو الحي القيوم السميع البصير العليم القدير. فالمسمى والموصوف واحد، والأسماء والصفات متعددة. ألا ترى أن الله تعالى يسمي نفسه باسمين أو أكثر في موضع واحد، كقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾. فلو كانت الأسماء مترادفة ترادفًا محضًا، لكان ذكرها مجتمعة لغوًا من القول، لعدم الفائدة. يرد عليهم رحمه الله تعالى في قولهم: أن أسماء الله تعالى أعلام محضة مترادفة. يعني: إن مراد بها تعيين المسمى بها مطلقًا وهو الله جل وعلا، وهي كذلك مترادفة في معانيها. يعني: معنى اسم الله العليم هو معنى اسم الله السميع، ومعنى اسم الله السميع ومعنى اسم الله البصير، إلى آخر ذلك. فهذا غير صحيح، باطل، كما ذكر رحمه الله تعالى. لأن دلالات الكتاب والسنة قد تضافرت على أن كل اسم من هذه الأسماء له معناه المختص به. فمعنى اسم الله العليم غير معنى اسم الله العزيز، العزيز غير معنى اسم الله الحكيم، غير معنى اسم الله القدير. فكل اسم له معناه المختص به، مع اتفاق هذه الأسماء على موصوف واحد: الله جل وعلا. اسمه الله، واسمه الرحمن، واسمه العزيز، واسمه الحكيم، اسمه المجيد، واسمه العظيم، إلى آخر هذه الأسماء. هذه الأسماء باعتبار دلالتها على ذات الله جل وعلا هي مترادفة، ترادف في الأسماء باعتبار دلالتها على ذات الله جل وعلا. لأن جميع هذه الأسماء دالة على ذات الله سبحانه وتعالى. فاسم الله جل وعلا «الله» دال على ذات الله سبحانه، واسم الله جل وعلا «العزيز» دال على ذات الله جل وعلا، واسم الله «الحكيم» واسم الله «الرحمن» واسم الله «الرحيم»، كل هذه الأسماء دالة على ذات الله جل وعلا. فهنا دلالتها، أي: دلالة أسماء الله جل وعلا على ذاته سبحانه وتعالى، هي مترادفة، هي مترادفة. وباعتبار دلالتها على الأوصاف متباينة. دلالة أسماء الله جل وعلا على أوصافه جل وعلا متباينة. معنى أن اسم الله جل وعلا «العزيز» يختلف عن معنى اسم الله «الحكيم»، واسم الله «العزيز» و«الحكيم» يختلف عن معنى اسم الله جل وعلا «الرحمن» و«الرحيم». فالتباين والاختلاف في دلالة هذه الأسماء على الأوصاف، تباين في دلالة الأسماء على الأوصاف، والترادف في دلالة الأسماء على الذات. والدلالة ثلاث: دلالة تضمن، ودلالة مطابقة، ودلالة التزام. هذه أنواع الدلالات: دلالة مطابقة، ودلالة تضمن، ودلالة التزام. وإن شاء الله تعالى نذكر هذه الدلالات الثلاث وما تبقى في هذا الفصل في الدرس اللاحق، إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اشتركوا في القناة