الدرس في شرح مختصر السيرة 120، الدرس العشرون بعد المائة:من( ذكر ردة بني سليم ... وكان إذا ذكر عمر ترحم عليه ويقول ما رأيت أحداً أهيب من عمر رضي الله عنه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ارتد بعض بني سليم ونهبوا قافلة كانت مخصصة للنبي، بينما بقي البعض الآخر على الإسلام. تولى أبو بكر الصديق قيادة المسلمين وأمر بقتال المرتدين.
قدم الفجاء على أبي بكر مدعيًا الإسلام وطلب المساعدة لقتال المرتدين، فأعانه أبو بكر، لكنه استغل ذلك في الاعتداء على الجميع. أمر أبو بكر بالقبض عليه وأرسله إلى بني جشم للقصاص منه.
بعد الانتهاء من قتال بني حنيفة، توجه خالد بن الوليد إلى بني سليم المرتدين وهزمهم، وأسر وأحرق الكثير منهم، وكان من بينهم أبو شجرة الذي أسلم لاحقًا.
يُشرح حكم المرتد وتوبة المقاتلين، حيث يُعذر من تاب ويُقتل من لم يتب مع المقاتلة، مع الإشارة إلى عدم وجود أسانيد مستقيمة لهذه التفاصيل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: قال: ذكر الواقدي من حديث سفيان بن أبي العرجاء السليمي. وأخبار الواقدي كما تكرر في دروس سابقة، ليس مما يعتمد عليها، لكن أهل التاريخ يستأنسون بها في ذكر ما يذكر من أخبار توصل به بعض الأحداث، وإلا فهي من جهة الثبات والثبوت والصحة لم تثبت بمثل هذه الطرق، أو لا تثبت بمثل هذه الطرق. قال رحمه الله تعالى: وكان عالما بردة قومه، يعني سفيان، فهو من بني سليم. قال: أهدى ملك من ملوك غسان إلى النبي صلى الله عليه وسلم لطيمة فيها مسك وعنبر وخيل. واللطيمة: القافلة المحملة، فإنها تسمى لطيمة، والغالب أنها تكون مما يكون به التجمل والزينة. ﴿أَنَاعِطْرُ وَالْبَرُ﴾، والظاهر: العطر والبز، ما عندكم في النسخ الأخرى في التعليق: ﴿الْبَرُ﴾، الظاهر أنه البز، فهو الذي يؤت به في الغالب من هذه الجهات، واللطيمة مسمى لما كان كذلك. قال: فخرجت بها الرسل حتى إذا كانت بأرض بني سليم بلغتهم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فتشجع بعض بني سليم على أخذها والردة، وأبى بعضهم من ذلك، وقال: إن كان محمد قد مات فإن الله حي لا يموت. فانتهب الذين ارتدوا منهم اللطيمة، فلما ولي أبو بكر رضي الله عنه كتب إلى معنى بن حاجر فاستعمله على من أسلم من بني سليم، وكان قد قام في ذلك قياما حسنا. ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الناس ما قال الله لنبيه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ مع آي من كتاب الله، فاجتمع إليه بشر من بني سليم، وانحاز أهل الردة منهم، فجعلوا يغيرون على الناس، يعني صارت بينهم إغارات، فيبغي أهل الردة على المسلمين. وهذا الأثر اشتهر في كتب السيرة، ولكن بغير أسانيد مستقيمة. وأما ردة بعض بني سليم فهو بلغ مبلغا يثبت مثله أصله، وأما التفاصيل المذكورة فالله أعلم بها؛ لأنها لم تثبت بأسانيد مستقيمة. قال: قتل الفجاء وتحريقه. فلما بدا لأبي بكر أن يوجئ خالدا كتب إلى معن أن يلحق بخالد ويستعمل على عمله أخاه طريف بن حاجر، ففعل، وأقام طريف يكالب من ارتد. ومعنى يكالب من المكالبة، والمقصود منها المدافعة، وكذلك الإرجاع حتى يرجع الناس ويستقيموا على الإسلام. قال: يكالب من ارتد بمن معه من المسلمين، إذ قدم الفجاء واسمه إياس بن عبد الله بن عبد يأل على أبي بكر، فقال: إني مسلم، وقد أردت جهاد من ارتد، فاحملني. فلو كان عندي قوة لم أقدم عليك. فسر أبو بكر بمقدمه، وحمله على ثلاثين بعيرا وأعطاه سلاحا، فخرج يستعرض المسلم والكافر، يقتلهم ويأخذ أموالهم، ويصيب من امتنع منهم. ومعناه أنه استعمل القوة التي أعانه بها أمير المؤمنين أبو بكر رضي الله عنه في البغي على الناس في الأرض، المسلم والكافر. قال: ومعه رجل من بني الشريد يقال له نجبة بن أبي الميثاء، مع قوم من أهل الردة. فلما بلغ أبا بكر خبره كتب إلى طريفة بن حاجر: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر إلى طريفة، سلام عليك، أما بعد، فإن عدو الله الفجاء أتاني فزعم أنه مسلم وسألني أن أقويه على قتال من ارتد عن الإسلام بحملته وسلحته، وقد انتهى إلي من يقين الخبر أن عدو الله قد استعرض الناس المسلم والمرتد. والاستعراض معناه الاعتداء عليهم بغير حق، ومن ذلك الدخول في أعراضهم، قال: يأخذ أموالهم ويقتل من خالفه منهم. فسر إليه بمن معك من المسلمين حتى تقتله أو تأخذه فتأتيني به. فقرأ طريفة الكتاب على قومه فحشدوا إلى الفجاءة، فقدم عليه بن المثنى فقتل نجبة وهرب منه إلى الفجاءة، ثم زحف طريفة إلى الفجاءة فتصادما. فلما رأى الفجاءة الخلل في أصحابه قال: يا طريفة، والله ما كفرت وإني لمسلم، وما أنت بأولى بأبي بكر مني، أنت أميره وأنا أميره. قال طريفة: إن كنت صادقا فألقي السلاح ثم انطلق إلى أبي بكر فأخبره خبرك. فوضع السلاح فأوثقه طريفة في جامعة، فقال: لا تفعل. فقال طريفة: هذا كتاب أبي بكر إلي. فقال الفجاءة: سمعا وطاعة. فبعث به في جامعته مع عشرة من بني سليم، فأرسل به أبو بكر إلى بني جشم فحرقته بالنار؛ لأنه اعتدى على بني جشم فقتل منهم وبغى، فأرسل إليهم ليقتصوا منه. وأما التحريق بالنار فالله أعلم، قد يكون وقع وقد يكون لم يقع. وأصل هذه القصص مشهورة بما يدل على ثبوتها، ولكن لا يعلم لها أسانيد صحيحة. قال: وقدم على أبي بكر رضي الله عنه قبيص أحد بني الضربان، فذكر أنه مسلم ولم يرتد، فأمره أن يقاتل بمن معه من ارتد. فرجع قبيص فاجتمع إليه ناس كثير، فخرج يتبع بهم أهل الردة يقتلهم حيث وجدهم، حتى مر ببيت حميض بن الحكم الشريدي فوجده غائبا يجمع أهل الردة، ووجد جارا له مرتدا فقتله واستاق ماله. فلما أتى حميضة أخبره أهله بخبر جاره، فخرج في طلبهم فأدركهم، فقال لقبيص: قتلت جاري. فقال: إن جارك ارتد عن الإسلام. فقال: أمن بيني وبين كفره تعدو على جار لجأ إلي لأمنعه؟ فقال قبيص: قد كان ذلك. فطعنه حميضة بالرمح فوقع عن بعيره ثم قتله. وكان قبيص قد فرق أصحابه قبل أن يلحقه حميضة. وكتب أبو بكر رضي الله عنه إلى خالد: إن أظفرك الله ببني حنيفة فأقل اللبث فيهم حتى تنحدر إلى بني سليم فتطأهم وطأة يعرفون بها ما منعوا، فإنه ليس بط من العرب أنا أغيض عليه مني عليهم، فإن أظفرك الله بهم فلا آلوك فيهم أن تحرقهم بالنار وهول فيهم القتل حتى يكون نكالا لهم. قال: وسمعت بنو سليم بإقبال خالد فاجتمع منهم بشر كثير، واستجلبوا من بقي من العرب مرتدا. وكان الذي جمعهم أبو شجرة بن عبد العزة. وكما سبق كانت ردة العرب ليس عن قصد واحد، ولكن لهم مقاصد في ذلك متنوعة ومتعددة، لكن الضعف جمعهم لما رأوا إقبال المسلمين عليهم وقتل من قتل منهم، تقوى بعضهم ببعض. قال: فانتهى خالد إلى جمعهم مع الصبح، فصاح خالد في أصحابه وأمرهم بلبس السلاح، ثم صفهم وصفت بنو سليم، وقد كل المسلمون وعجب كراعهم وخفهم. وجعل خالد يلي القتال بنفسه حتى أثخن فيهم القتل، ثم حمل عليهم حملة واحدة فانهزموا وأسر منهم بشر كثير، ثم حضر لهم الحضائر وحرقهم فيها. وجرح أبو شجرة يومئذ في المسلمين جراحات كثيرة، وقال في ذلك أبياتا منها: فرويت رمحي من كتيبة خالد ... وإني لأرجو بعدها أن أعمر. ثم أسلم وجعل يعتذر ويجحد أن يكون قال البيت المتقدم. فلما كان زمن عمر رضي الله عنه قديم المدينة وأنا خراج راحلته بصعيد بني قريضة، ثم أتى عمر وهو يقسم بين الفقراء، فقال: يا أمير المؤمنين أعطني، فإني ذو حاجة. فقال: من أنت؟ قال: أنا أبو شجرة. قال: يا عدو الله ألست الذي تقول: فرويت رمحي البيت؟ قال عمر: سوءا والله ما عشت لك يا خبيث. ثم جعل يعلوه بالدر على رأسه حتى سبقه عدوا وعمر في طلبه حتى أتى راحلته فارتح لها، ثم اشتد بها في حرة شوزان فما استطاع أن يقرب عمر حتى توفي. وكان إسلامه لا بأس به، وكان إذا ذكر عمر ترحم عليه ويقول: ما رأيت أحدا أهيب من عمر رضي الله عنه أرضاه. وفي هذا دليل كذلك أن من تاب من أهل الردة فإنهم كانوا يعذرونهم، ومن لم يكن كذلك فإنه يقتل مع المقاتلة كحال سائر المعتدين والبغاة. وهذه التفاصيل كما مر معنا لا يعرف لها أسانيد مستقيمة. والله تعالى أعلم.