الدرس في كتاب الحج من الاختيارات الفقهية 6، الدرس السادس:من( ومن جامع بعد التحلل الأول يعتمر مطلقاً وعليه نصوص أحمد ... فدية الأذى رطلاً خبز عراقية وينبغي أن يكون بإدام ومما يأكله أفضل من بر أو شعير ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ حكم إدخال العمرة على الحج أو العكس، موضحًا الأحكام والشروط المتعلقة بذلك. كما تطرق إلى مسائل فقهية متعلقة بالإحرام والحج.
يتناول المقطع مسائل فقهية متعلقة بالإحرام والحج، مثل حكم ستر الوجه للمرأة المحرمة، والتحلل الأول في الحج، وحكم الجماع قبل وبعد التحلل الأول.
المقطع يشرح فدية الأذى التي يجب على المحرم في الحج أو العمرة إذا اضطر إلى حلق رأسه بسبب مرض أو أذى، ويبين مقدار الفدية وكيفية إخراجها.
المقطع الأخير يشير إلى اكتفاء المتحدث بالقدر المعطى من الحديث، مع الإشارة إلى أن الله تعالى أعلم بكل شيء، مما يدل على انتهاء الدرس.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي الكلام على مجموعة من المسائل التي تتعلق باختيارات شيخ الإسلام فيما اختلف فيها من مسائل في صفة الإحرام، وكذلك الحج والعمرة. ومما مر معنا ومذاكرة سريعة، طيب ما هو مراد شيخ الإسلام هنا؟ ولو أحرم بالحج ثم أدخل إلى العمرة لم يجز على الصحيح. هل أحرم بالحج المراد به مفرد أو ماذا؟ مفرد ثم يصير متمتع قارن؟ نعم، المراد هنا لا يجوز أن يكون قارنًا، لا يدخل عليه العمرة فيصير قارنًا، هذا المقصود. وقوله: ويجوز العكس، يعني أن يجعل العمرة منفصلة عن الحج متمتعًا. ومر معنا أنه في مسائل إمام أحمد وإسحاق، سئل الإمام أحمد رحمه الله، فقال: لم أسمعه، يعني لا يشرع أن يدخل الإنسان عمرة القران على الإفراد فيصير قارنًا بعد أن كان مفردًا أو متمتعًا. ولما سئل إسحاق عن حديث الصبي بن معبد -ويقال الضبي بن معبد- وقول عمر له: «هديث لسنة نبيك»، بيّن إسحاق أن هذا إنما هو في معنى التمتع. وحديث صبي بن معبد رواه الإمام أحمد بن حبان وغيرهما بإسناد حسن، فيه قصة، وهو أن الصبي بن معبد كان نصرانيًا تغلبيًا وأسلم، فسأل: أي الأعمال أحب إلى الله في هذا الدين؟ فقيل له: الجهاد في سبيل الله. فقال: لأجاهدن في سبيل الله. فقيل له: أحججت أو اعتمرت؟ قال: لا. فقيل له: حج -يعني قبل الجهاد- فعزم على الحج والعمرة معًا، فلومه بعض الناس، فسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: «هديث لسنة نبيك». والصحيح أنه حين قال: «هديث لسنة نبيك»، لم يرد إدخال العمرة على الحج، وإنما أراد التمتع، أو حتى لو قيل القران لكان من ابتداء الأمر، ليس أنه أدخل العمرة على الحج، ليس أنه أدخل العمرة على الحج. فلان عندنا أحوال، إذا أدخل العمرة على الإفراد، لكنه متمتعًا، يجوز؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يفعلوا ذلك في حديث جابر بن عبد الله وغيره من الأحاديث الأخرى الكثيرة، أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحللوا بعد طوافهم وسعيهم، ما أن بعضهم إنما أتى بحج فقط -أتى بحج يعني مفرد- وفيه دليل على جواز إدخال العمرة على الإفراد، لكن على وجه التمتع، على وجه التمتع. وكذلك يجوز أن يدخل الإنسان العمرة على الحج قرانًا وهو متمتع، إذا ضاق به الوقت للضرورة، مثل حديث عائشة، يعني يستثنى من هذا الذي ذكر حديث عائشة وما كان بمعنى عائشة رضي الله عنها. حاضت قبل أن تأتي بالعمرة، فبكت رضي الله عنها، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحج مع الناس، وأخبرها أن طوافها وسعيها للحج يغنيها عن حجها وعمرتها، يعني تفعل فعل المفرد، ولها أجر القارن والمتمتع، كأنها أتت بعمرة؛ لأنه منعها مانع -منعها مانع وهو الحيض- ومثلها النفساء، ومثلهما المريض. إنسان أتى -مثلا- إلى مكة، وقبل أن يأتي بالعمرة أصيب بمرض -مثلا هبوط أو ارتفع عنده الضغط أو أي شيء آخر- ما استطاع أن يؤدي معه بالعمرة، لما كان يوم التاسع وجد نشاطًا، ماذا يصنع؟ هل يأتي بعمرة مختصرة ثم يذهب إلى عرفة؟ أم يذهب إلى عرفة مباشرة؟ الجواب: يذهب إلى عرفة مباشرة، ويفعل كما فعلت عائشة، وطوافه وسعيه لحجه يغنيه عن حجه وعمرته. ففي هذه الحال، أدخل العمرة على الحج، يعني صار قارنًا بعد أن كان متمتعًا، لكن للضرورة، للضرورة، فهذا جائز، وكل من كان بمعنى هؤلاء فيجوز له ذلك. أما أن يكون مفردًا فيصير قارنًا، لا يجوز. قارن يصير متمتعًا، وقد ساق الهدي، لا يجوز. متمتع يصير قارنًا وهو لم يسق الهدي، لا يجوز إلا للضرورة. واضح. طيب، مرة معنى كذلك الكلام على نقاض المرأة والبرقع، وأنه لا يجوز للمرأة أن تنتقب وأن تتبرقع وأن تلبس اللثام، ولكن هل معنى أنه تكشف وجهها؟ هل معنى أنها تكشف وجهها؟ لا تكشف وجهها. طيب، فهنا إذا احتاجت تستر وجهها، كيف تستر وجهها؟ هل لا تربط في الأعلى؟ تربط، لا بأس؛ لأن هذا يقع فيه الإشكال كثيرًا، ويسأل عنه الكثير من النساء والأخوات، فيقولن: إذا سدلنا كيف نزدل؟ نحتاج إلى أن نربط في أعلى الرأس. الجواب: لا بأس بالربط في أعلى الرأس، إنما المنهي عنه اللثام والبرقع والنقاب وما كان بمعناه -بمعناه مما يشد على الوجه- وأما ما يشد من أعلى الرأس، كان تربط -مثلا- الستار إلى مؤخرة الرأس في أعلى الرأس، وينسدل من أعلى إلى أسفل، فهذا لا بأس به. وما هو الصحيح في مسألة لبس القفين لمن لم يجد النعلين؟ نعم، وماذا نصنع بحديث: «فليقطعهما أسفل من الكعبين»؟ نعم، الصحيح أنه منسوخ بحديث ابن عباس. وقد ذكر الأصوليون قاعدة تستثنى في حمل المطلق على المقيد، ما هي هذه القاعدة؟ لا يحمل المطلق على المقيد -لا الذي يتعلق بمسألتنا- نعم، إذا كان تحت قاعدة عدم تأخير البيان عن وقت الحاجة. نعم، وهذا منه. قال رحمه الله تعالى: ومن جامع بعد التحلل الأول يعتمر مطلقًا، وعليه نصوص أحمد. ومعنى: ومن جامع بعد التحلل الأول، أي التحلل الذي يحصل في يوم العاشر دون الطواف بالبيت. وقد اختلف الفقهاء: بماذا يحصل التحلل الأول؟ فقيل: يحصل برمي جمرة العقبة فقط، وهي الجمرة الكبرى؛ لحديث عائشة: «طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله قبل إحرامه وحين أن رمى جمرة العقبة»، ومعناه صحيح، تدل عليه نصوص كثيرة. وقيل: أن يأتي بعملين من ثلاثة. فأعمال يوم العاشر أربعة: الرمي والنحر والحلق والطواف، فإذا أتى باثنين من ثلاثة -يعني دون الطواف؛ لأن الطواف به يكون التحلل الأكبر والتحلل الثاني- وبالرمي أو بفعل اثنين من ثلاثة يحصل التحلل الأصغر أو ما يسمى بالتحلل الأول. فعلى القول الثاني -ولم يأت شيء صحيح صريح يدل على هذا القول- يقولون: عليه أن يأتي بعملين من ثلاثة، فيرمي ويحلق أو يرمي ويذبح، فإذا أتى باثنين من ثلاثة عندهم أنه يصير بهذا متحللًا لنا التحلل الأصغر. والصحيح هو الأول: أن التحلل الأصغر أو التحلل الأول يكون برمي جمرة العقبة؛ لما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، فمعناه في حديث عائشة وابن عباس وجماعة من الصحابة. فإذا رمى جمرة العقبة حصل له التحلل الأول. وهنا تأتي مسألة: وهي أن محظورات الإحرام والحج تحرم على الحاج، وبعد التحلل الأول تحل له كل المحظورات إلا النكاح الذي هو الجماع خاصة. فقد صح أنه عليه الصلاة والسلام تطيب بعد رمي الجمرة، فدل أن المحظورات تزول إلا الجماع. فقد اتفقت فتاوى الصحابة: أن من جامع أهله بعد التحلل الأول فإنه عليه فدية، عليه فدية. وهذه الفدية أن يذبح ناقة ويقدم فدية بدنه. فإذا كان هذا الجماع قبل التحلل الأول -إذا كان الجماع قبل التحلل الأول- هنا أفسد حجه، يفسد الحج، ولكن عليه أن يواصل عليه أن يواصل للحج، فعليه فدية كما روي بذلك الآثار عن ابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمر، وعليه قرار سائر الصحابة، وكذلك عليه أن يواصل الحج، وكذلك عليه أن يعيد الحج مرة أخرى. إذن عليه ثلاثة أشياء: من جامع قبل التحلل الأول عليه ثلاثة أشياء: فدية، ومواصلة الحج، وأن يعيد الحج مرة أخرى. ومن جامع بعد التحلل الأول فعليه فدية ويواصل حجه، وليس عليه القضاء. فهنا يقول: ومن جامع بعد التحلل الأول يعتمر مطلقًا، وعليه نصوص أحمد. ومعنى أنه لا يفسد حجه. وهل النكاح يدخل في معنى أنه أم لا؟ الصحيح أن النكاح لا يدخل -يعني الخطبة بل وعقد النكاح- ولكن المنهي عنه والجماع خاصة، المنهي عنه والجماع خاصة. قال رحمه الله: ويجزئ في فدية الأذى رطل خبز عراقية، وينبغي أن يكون بإدام، ومما يأكله أفضل من بر أو شعير. فدية الأذى سماها الفقهاء كذلك لسبب ورودها، فهي نزلت في قصة كعب بن عجرة كما في الصحيحين عنه رضي الله عنه، وجاء عن غيره، ونزل فيها قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وهي على التخيير وليست على الترتيب. صيام: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ والصدقة إطعام ستة مساكين، فسرته السنة لكل مسكين نصف صاع، لكل مسكين نصف صاع. والنسك ذبيحة شاه. فالسنة فسرت الآية كما جاء في حديث كعب بن عجرة في الصحيحين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم خيره بين الفدية من الصيام أو الصدقة أو النسك. وصح أنه عليه الصلاة والسلام أمره بصيام ثلاثة أيام أو أن يتصدق بفرق بين ستة مساكين، والفرق -والفرق كما جاء في بعض الروايات- ثلاثة آصع، والصاع كما تعرفون أربعة أمداد، فثلاثة آصع عبارة عن اثني عشر مدًا. ويقدر الصاع قدره بعض أهل العلم باللترات بثلاثة لترات، يعني إن تريد أن تقدر الصاع بالوزن فهو يختلف بحسب الموزون، إن كان صاع من تمر أو بر أو شعير يختلف وزن كل واحد، لكن تقريبًا اثنين كيلو ونصف. وباللترات تقريبًا الصاع ثلاثة لتر، الصاع ثلاثة لتر، إذا نصف صاع إما أن يكون كيلو وربع وإما أن يكون لتر ونصف. ولكن هنا يقول رحمه الله: ويجزئ في فدية الأذى رطل رطل خبز عراقية، وينبغي أن يكون بإدام. الرطل يختلف، نحن مثلًا عندنا الرطل الآن يساوي تقريبًا أقل من نصف كيلو هكذا، الكيلو عبارة عن رطلين وربع هكذا تقريبًا أو أكثر أهل الخبرة. رطلين وربع تقريبًا، فالرطل فالرطل في زماننا هذا أقل من نصف كيلو. وكان في زمانهم رطل عراقي ورطل شامي يختلف، فهو يقول رطل عراقي، ومعنى أن الرطل العراقي في ذاك الزمان يساوي تقريبًا لتر ونص، ويساوي تقريبًا بميزاننا اليوم كيلو وربع. فمعناه أن الرطل العراقي أكبر من الرطل المعروف عندنا اليوم، ومع ذلك يقول: وينبغي -يعني الأفضل- أن يكون بإدام، يعني لا يكون برحاف ولا رز حاف، لا يخرجه مع إدام، هذا الأفضل. ولهذا بعضهم أخذ بظاهر الحديث: «يطعم ستة مساكين» أي بما يأكله هؤلاء المساكين، يعني طعام مأدوم، طعام مأدوم ولو قل وزن الطعام، كونه يكون مأدوم ويقل وزنه أفضل من أن يزيد وزنه وهو غير مأدوم؛ لأنه إذا زاد وزنه غير مأدوم ما يستطيع يأكله، والمقصود إطعام ستة مساكين. ولهذا قال: ومما يأكله أفضل من بر أو شعير. وهذه الأفضلية أخذت من كفارة اليمين، فدية كفارة اليمين كما قال سبحانه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ فأخذ العلماء من هذا أنه يستحب أن يطعم الغني من غناه والفقير من فقره، كل بحسبه، هذا هو الأفضل والأكمل في هذا المقام. فالحاصل: فدية الأذى التي هي فدية كفارة من حلق رأسه لمرض أو لآذى برأسه كما في قصة كعب بن عجرة: أنه آداه القمل، آذاه القمل، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «قد رأثر ذلك عليه آذاك هوام رأسك»، فأذن له أن يحلق رأسه عليه الصلاة والسلام وهو الرؤوف الرحيم. فاستدل العلماء أن من تأذى في رأسه فاحتاج أن يحلق فكفارة ذلك كما في نص الكتاب والسنة أن يفعل ما سبق، ومقدار هذه الفدية كما أشار شيخ الإسلام وكما سمعنا تفصيله. والأفضل أن يكون كل بحسب حاله، فالغني مثلًا إذا كان يأكل الغالب الأرز مع الإدام، فالأفضل أن يطعم عشر مساكين من وسط ما يأكل، إن كان بلحم فالأفضل يطعمهم بلحم، إن كان بدجاج فبدجاج، إن كان بسمك بسمك، إن كان بطاط ببطاط، إن كان حاف يخرج حاف، توسع من الله سبحانه وتعالى على عباده بحسب أحوالهم، هذا هو الأفضل. على أنه ينبه أن فدية الأذى هل يقاس عليها غيرها؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح التفريق بين القليل والكثير من الأذى، فالقليل يعفى والكثير لا يعفى، بدليل حديث ابن عباس في صحيح البخاري وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، ولم يثبت أنه عليه الصلاة والسلام كفر بكفارة أذى، فدل على أن حلق اليسير من الرأس -سواء للحجامة أو كذلك للعلاج- رجل سقط وانكسر شيء من رأسه فاحتاج أن يحلق شيء من رأسه ليخاط، لا يحتاج أن يكفر كفارة أذى. كذلك لو كان مثلًا هذا في جسده -على الصحيح- من باب أولى. وهل يقاس على الشعر الأظفار؟ قاس عليه بعض أهل العلم الأظفار، والصحيح أنه لا يقاس الأظفار. ومن قاس الأظفار فبعضهم فصل، قال: إذا يكن ظفرين فلا يحتاج إلى فدية أذى، وإذا يكن ثلاثة فأكثر فهو الجمع يحتاج إلى فدية أذى. وعلى هذا أكثر الفقهاء. والصحيح أنه لا دليل صحيح صريح يدل على ذلك. وسيأتي -إن شاء الله- الإشارة إلى ذلك في درس اللاحق. وبهذا القدر نكتفي، والله تعالى أعلم.