الدرس في كتاب الإيمان 34، باب لا ترجعوا بعدي كفراً يضرب بعضكم رقاب بعض . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح هذا الفصل تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من العودة إلى الكفر بعد إسلامهم ويبين خطورة الاقتتال بين المسلمين. يُوضح أن قتل المسلم لأخيه المسلم يعتبر كفرًا دون كفر أكبر إذا لم يستحل القتل.
يفسر هذا الفصل حديث النبي حول حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، ويوضح موقف أهل السنة والجماعة من مسألة نقص الإيمان بالمعاصي. يُبين أن الإيمان يبقى أصلًا وينقص بحسب المعصية.
يتناول هذا الفصل عدة مسائل فقهية متعلقة بالتعامل مع الإساءة، وفضل الإنصات في مجالس العلم، وطهاراة رجيعة الطيور البحرية. كما يشرح تعريف البغاة والخوارج وفرق بينهم.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب لا ترجعوا بعد كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض. قال حديث جرير: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في حجة الوداع: استنصت الناس، ثم قال: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض. أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب الإنصات للعلماء. أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الباب في سياق ذكره لأبواب كتاب الإيمان، وعلى قاعدته. فلفظ الحديث ولفظ الإمام البخاري، والترجمة بما ترجم على الحديث صحيح مسلم. وأورد حديث جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: استنصت الناس، أي اطلب منهم أن ينصتوا، يعني يسكتوا ليسمعوا. ثم قال عليه الصلاة والسلام: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض. وهذه جملة من خطبته التي خطب فيها يوم النحر، كما سيأتي معنا إن شاء الله فيما يأتي. فقوله عليه الصلاة والسلام: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، هذا اللفظ مع الأحاديث الأخرى يبين أنه مما ينافي الإيمان أن يضرب المسلم عنق أخيه، ويؤكد ذلك بقوله: كفارًا. وهذا الحديث فيه معنى ما تقدم من الأحاديث التي قبله، مرت معنا أربعة أحاديث فيها معنى ما في هذا الحديث. فقوله: كفارًا، الأصل أنه كفر دون كفر، أي شيء ينافي الإيمان فهو كبير، عظيمة تنزع منه مسمى الإيمان. ليس معناه أنه يصير كافرًا كفرًا أكبر، ولكن معناه فعلة كبيرة عظيمة استوجبت عليه مسمى الكفر، فهو كفر النعمة. وبهذا تجتمع الأدلة في هذا الباب. ففي الحديث مسائل من أهمها التحذير من قتل المسلم بعضهم لبعض، أو المسلمون بعضهم لبعض، فإن ذلك من أعظم الكبائر، بل سماه النبي صلى الله عليه وسلم كفرًا. وقد يصل بصاحبه إلى الكفر الأكبر كما تقدم، إذا كان على وجه يوصله ويفضي به إلى الكفر الأكبر، كأن يستحل هذا القتل، أو كذلك أن يقتل على وجه يكون فيه معنى الكفر، فإن كان كذلك فهو كفر أكبر والعياذ بالله. والناس في هذا الحديث وما قبله من أحاديث في تسمية بعض المعاصي كفرًا طرفان ووسط. فالوعيدية من الخوارج والمعتزلة استدلوا بهذه الأحاديث على نزع مسمى الإيمان من الفاسق الملي، ثم اختلفوا. فالخوارج سموه كافرًا، والمعتزلة نزلوه في منزلة بين منزلتين بعد اتفاقهم على نزع مسمى الإيمان. وفي مقابل هؤلاء طائفة أخرى في ضلال آخر، زعموا أنه لا يضر مع الكفر معصية، زعموا أنه لا يضر مع الإيمان معصية، لا يضر مع الإيمان معصية هكذا زعموا، وهو باطل. فإن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ولهذا مر معنا في الحديث الذي قبله: جاء في رواية حديث الإمام البخاري، حديث عبد الله بن مسعود أن أبا وائل سئل عن المرجئة، فقال: حدثني عبد الله -يعني بن مسعود- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر». ومعنى أن الإيمان ينقص: ينقص بالمعاصي. فقوهم أن الإيمان لا ينقص بالمعاصي -المرجئة- باطل، وقول المعيدية أن الإيمان يزول بالمعصية كذلك باطل. والصواب أن أصل الإيمان يبقى، ولكنه ينقص بحسب تلك المعصية. فقول أهل السنة والجماعة وسط بين قولي طائفتين ضالتين. ومن يستحضر دليلًا يدل على أن القتل لا يستوجب الكفر، دليل أين الدليل؟ نعم، سماهم مؤمنين مع اقتتالهم. فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ أثبت الاقتتال، ومع ذلك أثبت لهم مسمى الإيمان. فوقوع القتل لا ينزع اسم أو مسمى الإيمان، فأصل الإيمان باقٍ، ولكن ينقص الإيمان بهذه الكبيرة العظيمة. وفي هذا رد على الوعيدية وعلى المرجئة. فقول أهل السنة والجماعة هو وسط بين ضلالتين. وفي هذا الحديث من المسائل كذلك تفسير لمعنى حرمة دماء المسلمين، لأنه قال في بعض روايات الحديث -حديث أبي بكرة انفرد به مسلم- قال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا»، ثم ذكر في آخره النهي عن ضرب المسلمين بعضهم رقاب بعض. فدل ذلك على أن هذا معنى من تلك المعاني، وذلك يقتضي أن كل معنى يكون به القتل فهو يدخل في هذا العموم. وكذلك لو لم يقع القتل، فإنه بمجرد إرادته القتل يلحقه هذا الوعيد. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: في الرجلين يقتتلان القاتل والمقتول في النار، قالوا: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنه كان حريصًا على أن يقتل صاحبه». فإذن بمجرد أن يقتتل المسلمان يلحقهم هذا الوعيد، يلحقهم هذا الوعيد وهذا الحكم. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: كفارًا للضارب والمضروب يضرب بعضكم رقاب بعض، فالحكم يشمل القاتل والمقتول والضارب والمضروب. وفي هذا كذلك حث على من اعتدي عليه بباطل ألا يرد الباطل بباطل. ولهذا كان السلف يستحبون ألا يرفع المسلم سيفًا في قتال مسلم ما دام بغير حق. حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بعض أصحابه في الفتن أن يتخذ سيفًا من خشب، يعني لا يقتل فيه. والمسلم ينبغي عليه أن يتوقى ويتجنب كل ما يوقعه في القتل الحرام. ومن ذلك أن يقطع عن نفسه أسباب الوقوع في ذلك، وليكن عبد الله المقتول ولا يكون عبد الله القاتل. إن خير بين أمرين أن يكون عبد الله القاتل أو المقتول، فلا يقول: أنا أدفع عن نفسي القتل بالقتل، لا، بل أمر الإسلام أن يكون عبد الله المقتول لا عبد الله القاتل، ما دام أنه يلحقه بهذا الوعيد. وأما إذا كان سيدفع عن نفسه بالأخف ثم الأشد، فهنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون دمه أو ماله أو عرضه أو نفسه فهو شهيد». ففرق بين المسألتين. كونك تقاتل حمية لقبيلة أو مشاركة في فتنة، حتى لو لم تقتل يلحقك هذا الوعيد: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، هذا يشمل القاتل والمقتول والمشارك في المقاتلة. فقد وقع في كبيرة عظيمة استوجبت عليه تسمية الكفر. وأما من دفع عن نفسه بالأخف ثم الأشد، فهو منتصر. ودفع السيئة بالسيئة كما تقدم معنا، يكون في حدود المأذون فيه المشروع. وقد استشكل بعض الإخوان ما سبق ذكره في الحديث الذي قبله مع قول الله عز وجل: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، وما ذكره بعض أهل العلم من أهل التفسير وشراح الحديث في هذا الباب. والجواب: أن السيئة المقصودة هي سيئة مأذون فيها، مأذون فيها. ولهذا نص الإمام النووي -رحمه الله- في شرح الحديث: أنه لا يجوز أن يرد الباطل بباطل، لكن يرد بحق. وذكر في معنى كلامه: أنه لا يقول مثلًا إذا قال له: يا زاني، فلا يجوز له أن يقول: يا زاني، لأنه قذف محرم لا يجوز. لكن إن رد فقال: يا فاسق، بل أنت فاسق، أو نحو ذلك مما هو حق، فهو رد السيئة بالسيئة. أما أن يرد السيئة بما لا يجوز، كأن يقذفه أو يطعن في نسبه أو نسب آبائه، أو كذلك يتعدى ذلك إلى أحد لم يعتدي عليه، فكل ذلك لا يجوز. فكيف بضرب النفس، ضرب العنق، وقتل النفس، فهو أشد وأشد. فلا يجوز أن ترد السيئة بسيئة محرمة، ولكن سيئة مأذون فيها، إذ أنها سميت سيئة باعتبار أصلها. وأما ورودها على هذا الوجه المشروع المأذون فيه، فهي من المباح. ومع ذلك من عفى وأصلح فأجره على الله. وكذلك فيه من المسائل ما بوّب له البخاري -رحمه الله- باب الإنصات للعلماء. ففيه أولًا أن العلم يحتاج إلى سكون وهو هدوء، ولهذا ينبغي أن يكون مجلس العلم فيه شيء من الإنصات. وكذلك فيه الأدب مع العلماء من الإنصات لهم، وفيه الأدب في مجلس العلم، وفيه كذلك الاستعانة بالغير لاستنصات الناس في مجلس العلم. فكل هذا يدل على فضل العلم. إذا مر بين يدي الإمام امرأة وحمارة وكلاب، فما حكم صلاة الإمام والمأمومين؟ إذا مر بين يديه -أي بينه وبين السترة- تبطل صلاة الإمام ومن علم من المأمومين كذلك، ومن لم يعلم فلا شيء عليه. وأما إذا مر بعد السترة أو خلف الإمام بين الصفوف فلا يضر. ودليل حديث ابن عباس -بالبخاري وغيره- أنه مر ببعض الصف ومعه أتان له، والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى غير الجدار، فاستدل به أن سترة الإمام سترة لمن خلفه. وهذا بواب البخاري قال: باب سترة الإمام سترة لمن خلفه، ثم ذكر حديث ابن عباس. وفيه حديث بنفس لفظ الباب، لكنه لم يصح. ومعناه صحيح يدل عليه حديث ابن عباس. ما حكم رجيعة الطيور البحرية؟ هل هو طاهر أم نجس؟ القاعدة في هذا أن كل ما يؤكل لحمه فهو طاهر ورجيعه طاهر. ودليله إذن النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة في مرابض الغنم. فكل ما يؤكل لحمه رجيعه طاهر، فالطيور البحرية أكثرها مما يجوز أكلها. وقاعدة أخرى: أن الشيء اليسير يعفى عنه. فالمشقة تجلب التيسير. فإذا جاءت نقطة رداد من نجاسة ما تدري أين أصابتك، شعرت أن شيء أصابك ولا تدري أين، فهذا معفو عنه. ومثله إذا بال الإنسان في مكان صلب قد يرتد عليه بعض رداد البول ولا يشعر أين أصابه، فهذا من المشقة التي تجلب التيسير. إلا بعض الموسوس يمكن يغسل نفسه وثيابه كلها حتى يتأكد أنه قد أزال ذلك الرداد الذي لا يدري في أي مكان جاء. وأما إذا علمت بعينه فأمسحه بالماء أو أغسله وانتهى الأمر. ما هو الفرق بين الخوارج والبغاة؟ البغاة أعم من الخوارج، قد يكونون خوارج وقد يكونون غير خوارج. وكما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾. والخوارج هم بغاة، لكن لهم معنى أخص، وذلك من الخروج على السلطان أو على المسلمين. والله أعلم.