توجيهات حول الطلب  11

توجيهات حول الطلب 11

الدرس في توجيهات حول الطلب 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية الاستمرار في طلب العلم

يُناقش أهمية الاستمرار في طلب العلم ويشير إلى ظاهرة الانقطاع عن طلب العلم. يُبرز أن من أسباب ذلك عدم إدراك أهمية العلم واعتباره من النوافل.

ضرورة طلب العلم الشرعي

يُشدد على أهمية طلب العلم الشرعي وضرورة الاستمرار فيه لتحقيق الأجر الدائم. يُبين أن الأمة بحاجة إلى علماء أهل السنة ويحذر من تقاعس الكثيرين.

شروط النية الصالحة في طلب العلم

النية الصالحة تكون في عدم الرغبة في حظوظ الدنيا ورفع الجهل عن النفس. من يطلب العلم ليحصّل وظيفة فنيته فاسدة، بينما من يطلبه لرفع الجهل فنيته صالحة.

التفريغ النصي الكامل

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، لَا زِلْنَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ نَتَذَكَّرُ وَإِيَّاكُمْ شَيْئًا مِنْ الْوَصَايَا الَّتِي تَهُمُّنَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَفِي هَذَا الْمِضْمَارِ، وَهُوَ فِي مِضْمَارِ طَلَبِ الْعِلْمِ. وَمِنْ الْأُمُورِ إخْوَانِي فِي اللَّهِ الَّتِي نَتَوَاصَلُ إِيَّاكُمْ فِيهَا، وَهِيَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي عَيْنِ اعْتِبَارِ كُلِّ طَالِبِ عِلْمٍ، وَهُوَ الِاسْتِمْرَارُ عَلَى هَذَا الْبَابِ، الِاسْتِمْرَارُ عَلَى الطَّلَبِ، الْمَضِيُّ قُدُمًا فِي تَحْصِيلِ الْعِلْمِ. لَكِنَّ الْأَسَفَ إخْوَانِي فِي اللَّهِ، الظَّاهِرَةُ الْمَوْجُودَةُ لَدَى الطُّلَّابِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، الْكَثِيرُ مِنْهُمْ لَرُبَّمَا يَقْبَلُ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ فِي بَدْءِ أَمْرِهِ، لَكِنَّهَا مَا هِيَ إلَّا فَتْرَةٌ يَسِيرَةٌ وَبَرَهَةٌ مِنْ الزَّمَنِ، إذْ بِهِ يَيْأَسُ مِنْ أَمْرِهِ وَيَرْجِعُ الْقَهْقَرَى، وَيَرْتَكِسُ وَيَنْتَكِسُ، وَيَضَعُ الْقَلَمَ فِي الدَّفْتَرِ، وَيَضَعُ الدَّفْتَرَ فِي الدُّرْجِ، وَيَكُونُ بِذَلِكَ فَصْلُ الْخِطَابِ، وَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَسْتُ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَلَيْسَ الْعِلْمُ مِنِّي. فَيَكُونُ حَالُهُ كَحَالِ بَقِيَّةِ النَّاسِ، يَنْشَغِلُ بِدُنْيَاهُ وَيَنْشَغِلُ بِنَفْسِهِ وَيَنْشَغِلُ بِشَخْصِهِ، وَمَا كَانَ عَلَى ذَاكَ التَّحْصِيلِ. فَهَذِهِ إخْوَانِي فِي اللَّهِ ظَاهِرَةٌ فَشَتْ وَطَمَتْ وَعَمَّتْ لَدَى الْكَثِيرِ مِنْ النَّاسِ مِمَّنْ قَدْ أَبْدَلَ عَلَى الْعِلْمِ زَمَنًا مِنْ الْأَيَّامِ أَوْ فَتْرَةً مِنْ الْأَزْمِنَةِ. فَإخْوَانِي فِي اللَّهِ، هَذِهِ الظَّاهِرَةُ أَلَا وَهِيَ عَدَمُ الْإِقْبَالِ وَعَدَمُ الِانْشِغَالِ وَعَدَمُ الِاسْتِمْرَارِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ مِنْ الظَّوَاهِرِ السَّيِّئَةِ، وَتُنْذِرُ بِخَطَرٍ عَظِيمٍ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ جَمْعَاءَ. وَالْأَسْبَابُ الَّتِي تُؤَدِّي إلَى عَدَمِ التَّوَاصُلِ وَعَدَمِ الْإِقْبَالِ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ كَثِيرَةٌ، وَمِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ الَّتِي تُذْكَرُ فِي هَذَا الْبَابِ حَتَّى نَعْرِفَ الْعِلَّةَ وَنَعْرِفَ الْمَرَضَ، وَنَضَعُ الْأَصْبَعَ فِي مَكَانِ الْعَاهَةِ، لِأَنَّ الْأُمُورَ الَّتِي يُمْكِنُ الْإِصْلَاحُ فِيهَا بِمَعْرِفَةِ مَكَانِ الْعِلَّةِ. سَأَلْتُ عَنْ الشَّرِّ لَا لِلشَّرِّ وَلَكِنْ لِتَوَقِيهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْخَيْرَ مِنْ الشَّرِّ يَقَعُ فِيهِ. فَعَلَيْنَا أَنْ نَعْلَمَ مَوَاطِنَ الشَّرِّ وَمَوَاطِنَ الْعِلَّةِ الَّتِي بِهَا دَخَلَ عَلَيْنَا الدَّاخِلُ فِي عَدَمِ اسْتِمْرَارِنَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَنَعْرِفُ لِمَاذَا ذَاكَ وَذَاكَ وَذَاكَ مِمَّنْ كَانُوا عَلَى الْخَيْرِ تَرَكُوا الْعِلْمَ. فَمِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ إخْوَانِي فِي اللَّهِ هُوَ عَدَمُ الِاسْتِشْعَارِ بِأَهَمِيَّةِ هَذَا الْبَابِ، عَدَمُ الِاسْتِشْعَارِ بِأَهَمِيَّةِ طَلَبِ الْعِلْمِ. الْوَاحِدُ لَوْ رُبَّمَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَجَالِ أَوْ لَرُبَّمَا يَتَنَاوَلُ هَذَا الْمِضْمَارَ، مِضْمَارَ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّهُ مِنْ السُّنَنِ وَمِنْ نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ، وَأَنَّ حَالَهُ كَحَالِ بَقِيَّةِ النَّوَافِلِ، كَرَكَعَاتِ السُّنَّةِ الْقَبْلِيَةِ وَالسُّنَّةِ الْبَعْدِيَةِ، إنْ فَعَلْتَ كَانَ الْأَجْرُ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا وِزْرَ. فَأَخَذَ الْجَمِيعُ يَتَنَاوَلُ وَيَحْكُمُ عَلَى هَذَا الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ مُطْلَقِ النَّوَافِلِ وَمِنْ جُمْلَةِ النَّوَافِلِ. وَمَا عَلِمَ هَذَا الْمِسْكِينُ أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ يُعْتَبْرَاتٍ مِنْ أَجَلِّ الْقُرَبَاتِ وَمِنْ أَعْظَمِ الطَّاعَاتِ، مِنْ أَجَلِّ الْقُرَبَاتِ وَمِنْ أَعْظَمِ الطَّاعَاتِ. بَلْ إنَّ بَعْضَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ الْوَاجِبِ، مِنْ الْعِلْمِ الْوَاجِبِ، لَيْسَ بِمَزَاجِكَ وَلَيْسَ بِخِيَارِكَ أَنْ تَتْرُكَ هَذَا الْعِلْمَ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْكَ، وَتُؤْثَمُ إذَا لَمْ تَتَعَلَّمْ هَذَا الْعِلْمَ. مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ وَاجِبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَتَعَلَّمَ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ، إنْ كُنْت مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ وَاجِبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَتَعَلَّمَ أَحْكَامَ الصِّيَامِ. وَكُلَّمَا دَخَلْت فِي شَرِيعَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الدِّينِ وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تَتَعَلَّمَهَا. كُنْت مِنْ أَهْلِ الْحَجِّ وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تَتَعَلَّمَ الْحَجَّ. أَعْطَاكَ اللَّهُ مَالًا فَأَصْبَحْت مِنْ أَهْلِ التِّجَارَةِ، فَوَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تَتَعَلَّمَ أَحْكَامَ الْبُيُوعِ. وَاجِبٌ أَنْ لَا يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ الْعِلْمَ فَقَطْ أَنَّهُ مِنْ نَوَافِلِ وَمُطْلَقِ الْعِبَادَاتِ لَا، بَلْ مِنْهُمَا هُوَ وَاجِبٌ، وَعَلَى الْجَمِيعِ أَنْ يَطْلُبَ الْعِلْمَ. عَلَى الْجَمِيعِ، لَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِرُوَّادِ الْمَسَاجِدِ أَوْ مَنْ كَانَ فِي مُقْتَبَلِ عُمْرِهِ، لَا، بَلْ حَتَّى الْكِبَارِ مِنْ كَبُرَ سِنُّهُ وَرَقَّ عَظْمُهُ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ دِينِهِ مَا يَصِحُّ بِهِ الدِّينُ وَتَصِحُّ بِهِ الذِّمَّةُ وَالْمِلَّةُ. وَأَيْضًا إخْوَانِي فِي اللَّهِ، وَعَلَى قَوْلِ أَنَّ الْعِلْمَ مِنْ بَابِ النَّوَافِلِ وَالطَّاعَاتِ، لَكِنَّهَا زَاحَمَتْ وَنَافَسَتِ الْعِبَادَاتِ الْكُبْرَى، لَيْسَ هُنَاكَ عِبَادَةٌ تُوَازِيهَا وَلَا تُسَاوِيهَا لِمَنْ أَرَادَ الْأَجْرَ، لِمَنْ أَرَادَ الْفَضْلَ، مَنْ أَرَادَ الرَّفْعَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَعَلَيْهِ بِالْعِلْمِ. مَنْ أَرَادَ مَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ، مَنْ أَرَادَ حَظَّ الدُّنْيَا، فَعَلَيْهِ بِالْعِلْمِ. مَنْ أَرَادَ أَنْ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا يَرْفَعُ قَدْرَهُ، فَعَلَيْهِ بِالْعِلْمِ. مَنْ أَرَادَ أَنْ الْأَجْرَ يَصِلُ إلَى قَبْرِهِ وَإلَى بَعْدِ مَمَاتِهِ، فَعَلَيْهِ بِالْعِلْمِ. كَمْ وَكَمْ يَا عَبْدُ تَعَدَّدُ لَوْ ذَهَبْت إلَى بَابِ النَّوَافِلِ، لَرُبَّمَا مَا وَجَدْت نَافِلَةً طَلَبَ الْعِلْمِ فِي أَجْرِهَا، وَكَذَلِكَ فِي عَظِيمِ شَأْنِهَا. وَهَكَذَا يَا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ مِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى أَهَمِّيَةِ الْعِلْمِ، وَبِهِ نَسْتَشْعِرُ جَمِيعًا عَظَمَ هَذَا الْبَابِ. حَاجَةُ الْأُمَّةِ، الْأُمَّةُ بِحَاجَةٍ فِي هَذِهِ الْأَثْمَانِ خَاصَّةً لِطُلَّابِ الْعِلْمِ وَلِطَلَبَةِ الْعِلْمِ وَلِمَنْ يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ، أَشَدُّ مِنْ حَاجَتِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الدُّنْيَا وَأَرْبَابِ الدُّنْيَا. الْحَمْدُ لِلَّهِ قَدْ فُتِحَ الْمَجَالُ فِي أَبْوَابِ الدُّنْيَا وَفِي عُلُومِ الدُّنْيَا عَلَى كَافَّةِ النَّاسِ. وُجِدَتْ الْجَامِعَاتُ الْمَحَلِّيَةُ وَالْخَارِجِيَةُ، وَوُجِدَ مِنْ الطُّلَّابِ مَنْ تَخَصَّصَ فِي عُلُومٍ مِنْ مَاذَا؟ عُلُومِ الدُّنْيَا. ذَاكَ فِي الْهِنْدَسَةِ، وَذَاكَ فِي الطِّبِّ، وَذَاكَ فِي الصِّنَاعَةِ، وَذَاكَ فِي الْهِنْدَسَةِ، وَقِسْ فِي الْاقْتِصَادِ وَفِي الْاجْتِمَاعِ. مَا مِنْ أَبْوَابٍ مِنْ أَبْوَابِ عُلُومِ الدُّنْيَا إلَّا وَوُجِدَ كِفَايَةٌ، كَمَا يَقُولُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا. قَدْ تَذْهَبُ إلَى بَعْضِ الشَّوَارِعِ فَتَجِدُ اللَّافِتَاتِ مِنْ طَرَفِ الشَّارِعِ إلَى طَرَفِ الشَّارِعِ: الدُّكْتُورُ، الدُّكْتُورُ الطَّبِيبُ، الدُّكْتُورُ الطَّبِيبُ، الدُّكْتُورُ فِي جَمِيعِ التَّخَصُّصَاتِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ كِفَايَةٌ، وُجِدَتْ بَلْ فَائِضٌ، هَذَا الْبَابُ فِيهِ فَائِضٌ حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ يَذْهَبُ إلَى الْخَارِجِ لِكَثْرَةِ الْمُزَاحَمَةِ فِي بَلَدِهِ. وَهَكَذَا يَقُولُ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الدُّنْيَا، لَكِنْ فِي بَابِ الدِّينِ أَيْنَ الْمُفْتِي؟ تَذْهَبُ إلَى بَلَدَةٍ إلَى قَرْيَةٍ، بَلْ وَاَللَّهِ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ يَصِلُ عَدَدُ سُكَّانِهَا بِالْمَلَايِينِ، إنْ سَأَلْت عَنْ مُفْتِيهَا لَا مُفْتِيَ عِنْدَهَا، لَا مُفْتٍ فِيهَا، لَا أَحَدَ يُفْتِي فِيهَا، لَيْسَ هُنَاكَ طَلَبَةُ عِلْمٍ وَلَا شَيْءٌ. إنْ وُجِدَ هُنَاكَ تَنْتَسِبُ إلَى عُلَمَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ إنْ وُجِدَ، أَمَّا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الْخَالِصَةِ، أَصْبَحَتْ بَعْضُ الْبُلْدَانِ عَقِيمَةً مِنْ عُلَمَاءِ، عَقِيمَةً مِنْ طُلَّابِ الْعِلْمِ. فَلْنَظُرْ فِي بَلَدِنَا، نَذْهَبُ بَعِيدًا نَذْهَبُ إلَى بَلَدِنَا، أَيْنَ الْمَرْجِعِيَّةُ؟ مَا هِيَ الْمَرْجِعِيَّةُ لِبِلَادِنَا؟ لَقَالَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فُلَانٌ، مَا يَصِلُ يَدِي الثَّانِيَةِ إلَّا قَدْ سَكَتَ، مَا يَسْتَطِيعُ يُكَمِّلُ، مَا فِي مَرْجِعِيَّةٍ. أَخَوَانِي قُلْت: قِلَّةُ الْعُلَمَاءِ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ مِنْ أَوَاخِرِ الزَّمَانِ، أَنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ الْكِبَارَ، فَيَبْقَى الْقِلَّةُ، قِلَّةٌ، قِلَّةٌ. فَإِذَا بَقِيَ الْبَاقِي، وَقَى الْوَاحِدُ مِنْهُ الْكُلَّ يَتَكَعَّبُ عَلَى ذَاكَ الْعَالِمِ، وَذَاكَ الْعَالِمِ. إذَا جَاءَهُمُ الْمَنِيَّةُ وَالْمَوْتُ، مَنْ بَقِيَ؟ فَإِخْوَانِي فِي اللَّهِ، فَيَنْبَغِي لِلْوَاحِدِ مِنْهُ أَنْ يَعِدَّ الْعُدَّةَ فِي أَنْ يَكُونَ مَاذَا؟ طَالِبَ عِلْمٍ، يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ. وَالنَّاسُ بِحَاجَةٍ بِأَمْسِّ الْحَاجَةِ، بِالْمُقَابِلِ نَرَى الْمُبْتَدِعَةَ قَدْ تَمَالَوْا عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ يَدُوسُونَ فِي أَرْبِطَتِهِمْ، وَكَذَلِكَ فِي جَامِعَاتِهِمْ وَفِي مَرَاكِزِهِمْ وَفِي ثَكَنَاتِهِمْ، يُدَرِّسُونَ الْعِلْمَ الْبِدْعِيَّ، الْعِلْمَ الْحِزْبِيَّ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ فِي سُبَاتٍ، لَا يَا عَبْدَ اللَّهِ، عَلَيْكَ بِالِاسْتِمْرَارِ، عَلَيْكَ بِالِاسْتِمْرَارِ. لَوْ أَنَّ الْوَاحِدَ لَوْ أَنَّ السُّنِيَّ حَرِيصٌ وَفَهِمَ وَنَظَرَ بِعَيْنِ الْحَرِيصِ عَلَى مَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ فَضَائِلِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، لَشَدَّ الْعَزْمَ إلَيْهِ، وَلَا اسْتَمَرَّ عَلَى هَذَا الْبَابِ. فَلِمَاذَا إخْوَانِي؟ لَكِنَّ يَا اللَّهِ الْمُشْتَكَى، لِمَ ضَعُفَ فِي قُلُوبِنَا وَعَدَمُ التَّنَبُّهِ لِهَذَا الْبَابِ لِعَظَمِ شَأْنِهِ؟ تَقَاعَسَ الْكَثِيرُونَ تَقَاعَسَ الْكَثِيرُونَ عَنْ هَذَا الْبَابِ. ذَاكَ يُدْرِسُ فَتْرَةً ثُمَّ يَذْهَبُ، وَذَاكَ يَرْجِعُ، وَذَاكَ يَذْهَبُ إلَى بَحْرِهِ، وَذَاكَ إلَى بَرِّهِ. وَالْجَمِيعُ قَدْ تَرَكَ الْعِلْمَ. فَبِهَذَا مَاذَا؟ فَشَتْ هَذِهِ الظَّاهِرَةُ، هُوَ الِانْقِطَاعُ. لَكِنَّ إخْوَانِي، فَلْيَجْعَلْ فِي أَذْهَانِنَا كُلَّمَا فَتْرَةٍ فِي هَذَا الْبَابِ، تَذَكُّرُ حَاجَةَ النَّاسِ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، حَاجَةَ النَّاسِ إلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ، حَاجَةَ النَّاسِ إلَى مَنْ يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ. وَكَذَلِكَ إخْوَانِي مِنْ أَسْبَابِ الَّتِي تُؤَدِّي إلَى انْقِطَاعِ الطَّالِبِ عَنْ طَلَبِهِ وَعَنْ تَحْصِيلِهِ، الْخَلَلُ فِي النِّيَّةِ. لَوْ رُبَّمَا أَنَّ دُخُولَهُ فِي بَابِ الْعِلْمِ كَانَ عَلَى نِيَّةٍ فَاسِدَةٍ أَوْ عَلَى نِيَّةٍ ضَعِيفَةٍ، نِيَّتُهُ لَيْسَتْ لِلَّهِ وَفِي اللَّهِ الْعِبَادَةُ. إخْوَانِي، الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ، وَمَا مِنْ عِبَادَةٍ إلَّا وَتَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، لَابُدَّ لَهَا مِنْ نِيَّةٍ. وَكُلَّمَا كَانَتْ النِّيَّةُ صَحِيحَةً سَلِيمَةً، كُلَّمَا ذَلِكَ كَانَ أَوْفَقَ لِلْعَبْدِ، الِاسْتِمْرَارِ فِي الْعِبَادَةِ فِي أَيِّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِهَا. وَهَكَذَا يَقُولُ فِي الْعِلْمِ، لَوْ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُ دَخَلَ عَلَى بَابِ الْعِلْمِ وَحَصَلَ الْعِلْمَ عَلَى نِيَّةٍ صَحِيحَةٍ سَلِيمَةٍ، لَكَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الدَّوَافِعِ لِلِاسْتِمْرَارِ. لَكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ يَدْخُلُ إلَى بَابِ الْعِلْمِ وَفِي مِضْمَارِ الْعِلْمِ عَلَى نِيَّةٍ ضَعِيفَةٍ، فَمَا يَسْتَمِرُّ. أَوْ آخَرُ لَرُبَّمَا يَدْخُلُ فِي بَابِ الْعِلْمِ عَلَى نِيَّةٍ سَيِّئَةٍ، نِيَّةٍ فَاسِدَةٍ، فَلَا يُوَفَّقُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَيَنْقَطِعُ. وَقَالَ عُلَمَاءُ، وَالنِّيَّةُ الصَّالِحَةُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ تَكُونُ فِي أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ. أَيْ: لِكَيْ تَتَعَرَّفَ عَلَى أَنَّ نِيَّتَكَ صَالِحَةٌ فِي بَابِ الْعِلْمِ، يَكُونُ ذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ. الْأَمْرُ الْأَوَّلُ، كَمَا قَالَ عُلَمَاءُ: أَنَّكَ تُرِيدُ فِي دُخُولِكَ وَفِي تَحْصِيلِكَ لِلْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، أَنَّكَ لَا تُرِيدُ بِذَلِكَ حَظَّةً مِنْ حَظُوظِ الدُّنْيَا، لَا تُرِيدُ رِيَاسَةً، لَا تُرِيدُ زَعَامَةً، لَا تُرِيدُ ثَنَاءً، لَا تُرِيدُ رِيَاءً، لَا تُرِيدُ سُمْعَةً. هَذَا عِنْدَكَ لَا تُبَالِي بِهِ، وَمَا كَانَ قَصْدُكَ وَمَا كَانَ رَغْبَتُكَ أَنْ تَنَالَ شَيْئًا مِنْ حَظُوظِ الدُّنْيَا. هَذَا إنْ دَلَّ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ النِّيَّةِ. أَمَّا مَنْ دَخَلَ فِي بَابِ الْعِلْمِ وَكَانَ فِي قَصْدِهِ أَنْ يَتَحَصَّلَ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ، يُرِيدُ حَظَّةً مِنْ حَظُوظِ الدُّنْيَا. يَدْخُلُ فِي بَعْضِ الْكُلِّيَّاتِ أَوْ فِي بَعْضِ الْمَرَاكِزِ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِمَاذَا؟ كَيْ يَتَحَصَّلَ عَلَى شَهَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ، عَنْ طَرِيقِ هَذَا الطَّرِيقِ يَتَحَصَّلُ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ يَتَحَصَّلُ عَلَى وَظِيفَةٍ. فَبِضَيْتِهِ وَنِيَّتِهِ هَذِهِ الْوَظِيفَةُ، لَيْسَ الْعِلْمُ وَلَيْسَ الِاسْتِفَادَةُ مِنْ الْعِلْمِ. أَوْ كَذَلِكَ أَرَادَ الرِّيَاءَ، أَرَادَ السُّمْعَةَ، وَأَنْ يُمْدَحَ وَأَنْ يُشْكَرَ وَأَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ فِي الْمَنَابِرِ وَفِي الْمَجَالِسِ. فَهَذَا إنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ، فَهَذَا لَا يَسْتَمِرُّ، لِأَنَّهُ أَرَادَ حَظَّةً مِنْ حَظُوظِ الدُّنْيَا. وَيَكُونُ كَذَلِكَ الْأَمْرُ الثَّانِي مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ النِّيَّةِ: أَنَّكَ تُرِيدُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ أَنْ تَرْفَعَ الْجَهْلَ عَنْ نَفْسِكَ، أَنْ تَرْفَعَ الْجَهْلَ عَنْ نَفْسِكَ، هَذَا قَصْدُكَ، تُقِرُّ وَتَعْتَرِفُ بِأَنَّكَ جَاهِلٌ بِبَعْضِ مَسَائِلِ الدِّينِ، وَلَا طَرِيقَ وَلَا سَبِيلَ إلَى رَفْعِ الْجَهْلِ عَنْ نَفْسِكَ إلَّا بِطُرُقِ هَذَا الْبَابِ، بِأَنْ تَطْلُبَ الْعِلْمَ. إذَا طَلَبْت الْعِلْمَ رَفَعْت الْجَهْلَ عَنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ ثُمَّ سَتَرْفَعُ الْجَهْلَ عَنْ غَيْرِكَ. فَإِذَا كَانَ قَصْدُكَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَرْفَعَ الْجَهْلَ عَنْ نَفْسِكَ، هَذَا إنْ دَلَّ دَلَّ عَلَى مَاذَا؟ عَلَى حُسْنِ النِّيَّةِ وَعَلَى سَلَامَةِ الْمَقْصِدِ. يُذْكَرُ أَنَّ بَعْضَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ كَانَ فِي سَاعَةِ احْتِضَارِهِ وَفِي سَاعَةِ أَجَلِهِ، وَقَدْ قَارَبَ مِنْ مَوْتِهِ وَمِنْ سَاعَةِ مَنِيَّتِهِ، وَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى هَذَا الْحَالِ، وَكَانَ هُنَاكَ طُلَّابٌ قَدْ تَوَاجَدُوا فِي حَضْرَتِهِ وَعِنْدَهُ فِي فِرَاشِ مَوْتِهِ. فَكَانَ الطُّلَّابُ يَتَنَاقَشُونَ حَوْلَ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ بَحْتَةٍ، فَإِذَا بِهَذَا الشَّيْخِ يَسْتَفِيقُ عَلَى كَلَامِ الطُّلَّابِ، فَقَالَ: أَيْنَ الْكُرَاسَةُ؟ تُونِي بِالْكُرَاسَةِ. فَقَامَ وَسَجَّلَ الْفَائِدَةَ، إذْ أَنَّ الطُّلَّابَ قَدْ تَنَاقَشُوا وَتَنَاقَشُوهَا أَمَامَهُ. فَاسْتَغْرَبَ الطُّلَّابُ، قَالُوا: يَا إمَامُ، وَمَاذَا يَنْفَعُكَ؟ خَاصَّةً أَنْتَ مَوَدِّعٌ، مَوَدِّعٌ، مَا سَتَنْتَفِعُ مِنْ هَذِهِ الْفَائِدَةِ. فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَأَنَا عَالِمٌ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَحَبُّ لِي أَنْ أَلْقَى وَأَجْهَلَ بِهَا. هَذِهِ صِحَّةُ النِّيَّةِ، تُرِيدُ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ تَرْفَعَ الْجَهْلَ عَنْ نَفْسِكَ، أَنْ تَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى بِدِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. لَيْسَ قَصْدُكَ أُفُقًا إبْلَاغُ وَإِظْهَارُ النَّاسِ، وَمَاذَا؟ إظْهَارُ مَا عِنْدَكَ مِنْ الْمَعْلُومَاتِ، لَيْسَ هَذَا قَصْدُكَ، وَإِنَّمَا قَصْدُكَ أَنْ تَرْفَعَ الْجَهْلَ عَنْ نَفْسِكَ. هَذَا إنْ دَلَّ دَلَّ عَلَى مَاذَا؟ إخْوَانِي فِي اللَّهِ، عَلَى حُسْنِ الْمَقْصِدِ. وَأَيْضًا إخْوَانِي فِي اللَّهِ، مِمَّا أَدَّى إلَى عُزُوفِ الْكَثِيرِينَ وَتَقَاعُسِ الْكَثِيرِ مِنْ طُلَّابِ الْعِلْمِ عَنْ الِاسْتِمْرَارِ فِي بَابِ الْعِلْمِ، مَرَضُ مَاذَا؟ الْعَجَلَةُ وَالتَّعَجُّلُ فِي هَذَا الْبَابِ. وَهَذِهِ ظَاهِرَةٌ، كَثِيرٌ مِنْ الْمُبْتَدِئِينَ مَنْ يُبْتَلَى بِهَا. الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَسْمَعُ عَنْ حَيَاةِ الْعُلَمَاءِ وَعَنْ تَارِيخِ الْعُلَمَاءِ، وَذَاكَ الْجَهْبَذُ، وَذَاكَ الْمُفْتِي، وَذَاكَ الْعَالِمُ الرَّبَّانِيُّ، وَذَاكَ الْمُفَسِّرُ، وَذَاكَ الْمُحَدِّثُ. فَيَقُولُ: خَلَاصُ أَنَا سَأَدْخُلُ فِي بَابِ الْعِلْمِ، وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا هِيَ إلَّا أَشْهُرٌ أَوْ أَيَّامٌ وَسَأَكُونُ مِثْلَ ذَاكَ الْبَطَلِ. مَا شَاءَ اللَّهُ، أَشْهُرٌ أَوْ أَيَّامٌ، وَيَدْخُلُ فِي مَرَاكِزِ الْعِلْمِ، وَيَدْخُلُ فِي بُطُونِ الْكُتُبِ، يَقْرَأُ وَيَقْرَأُ. مَرَّةً الْأَيَّامُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، مَرَّةً الْأُسْبُوعُ. وَالرَّجُلُ لَا يَزَالُ مَا زَالَ مُحْدِثًا، مَا بَلَغَ إلَى رُتْبَةِ الْمُحَدِّثِينَ. مَرَّةً الشَّهْرُ الْأَوَّلُ، وَشَهْرٌ الثَّانِي، قَالَ: مَا شَهَادَةَ، مَا يَنْفَعُ أَنْ اللَّهَ مَا كَتَبَ لِي شَيْئًا فِي الْعِلْمِ، سَأَخْرُجُ. وَيَرْجِعُ يَرْجِعُ مِنْ حَيْثُ جَاءَ. آفَةُ التَّعَجُّلِ، مَا هَكَذَا الْعِلْمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا يَأْتِيكَ الْعِلْمُ فِي لَحْظَةٍ، لَيْسَ شَرَابًا يُشْرَبُ، أَوْ وَجْبَةً تُؤْكَلُ، أَوْ عِبَارَةً عَنْ مَعْلُومَاتٍ خِلَالَ أَيَّامٍ تُخَزَّنُهَا فِي دِمَاغِكَ، اللَّهُ يُسَيِّرُكَ عَالِمًا رَبَّانِيًّا. مَا هَكَذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ يَحْتَاجُ إلَى صَبْرٍ. وَلِهَذَا مِنْ الْقَوَاعِدِ الْمُفِيدَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، قَالُوا: مَنْ اسْتَعْجَلَ الشَّيْءَ قَبْلَ أَوَانِهِ، عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ. مَنْ اسْتَعْجَلَ الشَّيْءَ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ. الْعِلْمُ يَحْتَاجُ إلَى صَبْرٍ. وَلِهَذَا يَقُولُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، مِنْ عِبَارَاتِهِ الرَّائِعَةِ، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ رَامَ الْعِلْمَ جُم