الدرس في توجيهات حول الطلب 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُناقش أهم الوصايا لطالبي العلم، ويُشدد على خطورة التكلم بغير علم وأهمية ربط العلم بالرحمة في نشره. يُبرز ضرورة اتقاء الله في كل ما يُقال أو يُنشر.
يؤكد على أهمية الرحمة في نقل العلم وضرورة تواصل طلاب العلم مع العلماء الكبار. يشير إلى أن العلم يحتاج إلى رحمة لكي يكون نافعا.
يُشدد على أهمية التحلي بأدب الخلاف عند مناقشة المسائل الشرعية والتجرد للحق في البحث والمناظرة. يجب الرجوع إلى أهل العلم وعدم التعصب للرأي الشخصي.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، لَزِمَ إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِذِكْرِ أَهَمِّ الْوَصَايَا الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا طَالِبُ الْعِلْمِ فِي خِلَالِ سَيْرِهِ فِي تَحْصِيلِهِ لِهَذِهِ الْعِبَادَةِ الْجَلِيلَةِ، وَلَعَلَّ هَذَا الْمَقَامَ مِنْ الْمَقَامَاتِ الْأَخِيرَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الدَّرْسِ، وَالْوَصَايَا كَثِيرَةٌ، وَلَعَلَّنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ نُجَمِّلُ بَعْضَهَا وَنُشِيرُ إلَيْهَا إشَارَةً لِأَهَمِيَّتِهَا. مِنْ ذَلِكُمْ عَلَى مَنْ سَلَكَ الْعِلْمَ وَمَنْ خَرَجَ بِعِلْمِهِ إلَى النَّاسِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ جَلَ وَعَلَا فِي التَّقَوُلِ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، يَتَّقِيَ اللَّهَ جَلَ وَعَلَا فِي أَنْ يَتَقَوَّلَ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَالَّذِي يَفْتِي وَالَّذِي يُجِيبُ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِعِلْمٍ فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ عِلْمٍ فَلَا يَتَفَوَّهْ. يَقُولُ رَبُّنَا جَلَ وَعَلَا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعَ مِنْ كُتُبِهِ كَمَا فِي أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَفِي إعْلَامِ الْمُوَقِعِينَ فِي شَرْحٍ لِهَذِهِ الْآيَةِ، بَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ جَلَ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذَكَرَ الْمُحَرَّمَاتِ وَبَدَأَ بِالْأَدْنَى وَخَتَمَ بِالْأَغْلَظِ. ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ هَذَا مُحَرَّمٌ وَهُوَ الْأَدْنَى وَمَا بَعْدَهُ ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ﴾ وَمَا بَعْدَهُ الْإِشْرَاكُ، وَأَعْظَمُ ذَنْبٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا هُوَ التَّقَوُلُ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ لِأَنَّ الشِّرْكَ وَالْكُفْرَ هُوَ آفَةُ مِنْ آفَاتِ التَّقَوُلِ عَلَى اللَّهِ جَلَ وَعَلَا بِغَيْرِ عِلْمٍ، آفَةُ مِنْ التَّقَوُلِ عَلَى اللَّهِ جَلَ وَعَلَا بِغَيْرِ عِلْمٍ. وَثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ؛ فَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ»، هَذَا لَيْسَ بِضَارِّكَ شَيْئًا وَلَا يُنْقِصُ مِنْ قَدْرِكَ وَلَا يُزَحْزِحُ مِنْ مَكَانَتِكَ فِي بَابِ الْفُتْيَةِ. إِنَّ كُنْتَ لَا تَعْلَمُ فَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ بِمِثْلِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ؛ هَذَا مِنْ عِلْمِكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ تُكَلِّمَ الْأُمُورَ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَلَيْسَ بِهَذَا عَارٌ وَلَا شَنَارٌ». أَمَّا أَنْك تَتَعَدَّى هَذَا الْمَقَامَ فَتَأْتِيَ بِالْإِجَابَةِ وَتَقُولُ بِالتَّحْرِيمِ لِمَا لَا تَعْلَمُهُ وَمَا مَرَّ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ، فَهَذَا لَيْسَ مِنْ دِينِ اللَّهِ وَهَذَا لَيْسَ مِنْ بَرَكَةِ الْعِلْمِ. وَإِنَّ مِنْ بَرَكَةِ الْعِلْمِ أَنْكَ إنْ كُنْتَ عَلَى الْعِلْمِ أَفْتَيْتَ بِهِ، وَكَذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ نُشِيرَ لَهَا إشَارَةً: أَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ عَلَيْهِ فِي تَبْلِيغِهِ لِدِينِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا وَتَبْلِيغِ هَذَا الْعِلْمِ الَّذِي حَصَلَهُ أَنْ يُقْرِنَ هَذَا الْعِلْمَ بِالرَّحْمَةِ. يُقْرِنُ هَذَا الْعِلْمَ بِالرَّحْمَةِ، وَلِهَذَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُمْ «مِنْ أَعْلَى النَّاسِ بِالْحَقِّ وَأَرْحَمِهِمْ بِالْخَلْقِ»، عِنْدَهُمْ عِلْمٌ بِالْحَقِّ وَعِنْدَهُمْ رَحْمَةٌ بِالْخَلْقِ، جَمَعُوا بَيْنَ الْعِلْمِ وَبَيْنَ الرَّحْمَةِ. بَلْ كَانَ هَذَا مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ جَلَ وَعَلَا، فَقَدْ كَانَتْ الْمَلَائِكَةُ تَدْعُو رَبَّهَا وَتَقُولُ: «وَسِعْت كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا»، فَلَابُدَّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يُصَاحِبَ الرَّحْمَةَ فِي طَرِيقِهِ لِلْعِلْمِ وَفِي طَرِيقِ نَشْرِهِ وَتَحْصِيلِهِ وَبَثِّهِ بَيْنَ النَّهِ. يَقُولُ رَبُّنَا جَلَ وَعَلَا فِي حَقِّ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، هَذَا الْخِطَابُ فِي حَقِّ مَنْ؟ فِي حَقِّ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَلَوْ كُنْت فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ، مَعَ نَبِيٍّ قَدْ حَازَ الْعُلُومَ، حَازَ الْوَحْيَ، وَلَيْسَ هُنَاكَ عِلْمٌ بَعْدَ عِلْمِ الْوَحْيِ، وَمَعَ ذَلِكَ مَعَ هَذَا الْعِلْمِ إنْ قَصَرَ بِاسْتِكْمَالِهِ بِالرَّحْمَةِ، النَّتِيجَةُ: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، وَحَاشَ نَبِيَّنَا أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ. لَكِنْ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ لِلْأُمَّةِ: أَنَّ الَّذِي يُبَلِّغُ دِينَ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا يَكُونُ لَا فَظًّا وَلَا غَلِيظًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَاذَا؟ عَلَى رَحْمَةٍ، عَلَى أُلْفَةٍ، عَلَى تُؤَدَةٍ فِي نَشْرِهِ لِلْعِلْمِ. حَتَّى قَالَ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَحْرِيرٍ لِهَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ «إِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الْمَعْصُومِ فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ دُونَهُ؟»، إذَا كَانَ هُنَاكَ عَالِمٌ أَوْ كَانَ طَالِبُ عِلْمٍ ذَهَبَ، خَرَجَ دَعْوَةً فِي قَرْيَتِهِ وَفِي بَلَدِهِ، وَعَلَى شِدَّةٍ وَعَلَى حِدَّةٍ، فَإِنَّ النَّاسَ يَنْفُرُونَ مِنْهُ، لَا يَنْفَعُ عِلْمٌ بِلَا رَحْمَةٍ. بَلْ لَابُدَّ مِنْ رَحْمَةٍ تُزَيِّنُ هَذَا الْعِلْمَ بِالرَّحْمَةِ، وَلِهَذَا كَانَ مِنْ جِهَةِ السَّلَفِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُرَبُّونَ طُلَّابَهُمْ وَطُلَّابَ الْعِلْمِ عَلَى الرَّحْمَةِ. وَلِهَذَا وُجِدَ مِمَّنْ دَرَسَ الْمُصْطَلَحَ: أَحَادِيثُ مُسَلْسَلَةٌ، وَمِنْ ضِمْنِ هَذِهِ الْمُسَلْسَلَاتِ: الْمُسَلْسَلُ بِالْأَوْلِيَةِ، حَدِيثٌ مُسَلْسَلٌ بِالْأَوْلِيَةِ، أَيْ أَنَّ الطَّالِبَ إذَا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ لِغَيْرِهِ يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ شَيْخِي»، مَا هُوَ هَذَا الْحَدِيثُ؟ «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ». كَانَ الشَّيْخُ إذَا بَدَأَ التَّجْرِيسَ وَبَدَأَ التَّحْدِيثَ لِلطَّالِبِ يَقُولُ لَهُ: «إِنَّ أَوَّلَ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ شَيْخِي: الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ»، فَيَقُومُ هَذَا الطَّالِبُ وَيَكْتُبُ ذَلِكَ، فَإِذَا كَبُرَ الطَّالِبُ وَبَلَغَ لِغَيْرِهِ يَقُولُ لِطُلَّابِهِ مِنْ بَعْدِهِ: «إِنَّ أَوَّلَ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ شَيْخِي: الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ»، وَهَكَذَا يَتَتَابَعُ الْجِيلُ بَعْدَ الْجِيلِ وَالطَّالِبُ بَعْدَ الطَّالِبِ، الْكُلُّ يَتَوَارَثُهَا بِالْأَوْلِيَةِ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ أَوَّلَ مَا يَبْدَؤُونَ بِالطَّالِبِ بِمَاذَا؟ بِسَرْدِ هَذَا الْحَدِيثِ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ»، لِكَيْ يُعَلِّمُوا الطَّالِبَ أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ يَحْتَاجُ إلَى رَحْمَةٍ، أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ يَحْتَاجُ إلَى رَحْمَةٍ. وَوُجِدَ مِمَّنْ أَوْلَى هَذَا حَتَّى أَنَّ فِي الْعُلَمَاءِ فِي كِتَابَاتِهِمْ تَجِدُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ، يَقُولُ الْمُؤَلِّفُ: «اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ»، كَمَا مَرَّ عِنْدَ إخْوَانِي مِمَّنْ دَرَسَ كُتُبَ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَتَعَالَى، كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ. وَكَذَلِكَ فِي دَراسَةِ مِمَّنْ دَرَسَ «شَرْحَ السُّنَّةِ» لِلْبَرْبَهَارِيِّ، كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَذْكُرُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ: «اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ»، وَهَكَذَا الْآجُرِيُّ: «اعْلَمُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ»، كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إذَا صَنَّفُوا جَعَلُوا فِي طَيَّاتِ عِلْمِهِمْ وَتَأْلِيفِهِمْ الرَّحْمَةَ: «اعْلَمُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ». قَالَ الْعُلَمَاءُ: «هَذِهِ اللَّفْظَةُ انْدَلَتْ عَلَى حُسْنِ السَّرِيرَةِ»، عَلَى حُسْنِ السَّرِيرَةِ، أَنَّ الْمُؤَلِّفَ إذَنْ مِنْ أَرَادَ أَنْ يُبَلِّغَ دِينَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنْ يُقْرِنَ مَعَ هَذَا الْعِلْمِ الرَّحْمَةَ، حَتَّى مَاذَا؟ يُبَارِكَ اللَّهُ فِي دَعْوَتِهِ وَيَكُونَ لَهَا مَاذَا؟ الْأَمَدُ وَالْوُصُولُ إلَى مَاذَا؟ إلَى مُنْتَهَى مِنْ الْخَيْرِ. وَكَذَلِكَ مِمَّا يُشَارُ إلَيْهِ إشَارَةً فِي هَذَا الْمَقَامِ، طَبْعًا هَذِهِ الْمَبَاحِثُ فِيهَا نَمَاذِجُ لِعُلَمَاءِ السَّلَفِ، كَذَلِكَ حَالُ الْمُبْتَدِعَةِ، إذَا هَذِهِ الْمِثَالُ لَكَ لَا يَسَعُ الْمَقَامُ لِذِكْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا إشَارَاتٌ. كَذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُتَنَبَّهَ إلَيْهَا طَالِبُ الْعِلْمِ فِي سَيْرِهِ فِي طَلَبِهِ لِلْعِلْمِ وَفِي بَثِّهِ لِلْعِلْمِ: أَنَّهُ لَا يَزَالُ بِحَاجَةٍ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا يَزَالُ بِحَاجَةٍ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا تَقْطَعْ الِاتِّصَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بِالْمَشَايِخِ بِالْأَكَابِرِ مِنْ الْعُلَمَاءِ. فَأَنْتَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَنْهَضَ لِوَحْدِكَ، فَبَعْضُ النَّاسِ إخْوَانِي: لَرُبَّمَا إذَا وَجَدَ نُتَفًا مِنْ الْعِلْمِ مِنْ هُنَا وَهُنَاكَ وَذَهَبَ إلَى بَلَدِهِ وَإلَى قَرْيَتِهِ وَفِي مَسْجِدِهِ اسْتَكْفَى بِذَلِكَ، وَظَنَّ أَنَّهُ بِوُجُودِهِ يَكْفِي عَنْ سُؤَالِ وَالرُّجُوعِ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا يُمْكِنُكَ أَبَدًا. فَأَنْتَ إنَّمَا تَتَكَلَّمُ عَنْ مِقْدَارِ عِلْمِكَ، وَالنَّاسُ بِحَاجَةٍ إلَى مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ عَدِيدَةٍ لَوْ رُبَّمَا مَا بَلَغَتْهَا وَلَا وَصَلَتْ إلَيْكَ، فَتَحْتَاجُ إلَى السُّؤَالِ، تَرْجِعُ تَرْجِعُ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّوَاضُعِ بِالِاتِّصَالِ بِالسَّفَرِ إلَيْهِمْ بِالرِّحْلَةِ إلَيْهِمْ، بِاسْتِدْعَائِهِمْ إلَى بَلَدِكَ. «حَيَّاكُمْ اللَّهُ يَا شَيْخُ فُلَانُ، تَأْتِي عِنْدِي تَأْتِي فِي مَسْجِدِنَا فِي قَرْيَتِنَا»، لَا تَقْطَعْ الِاتِّصَالَ بِالْعُلَمَاءِ، إنَّمَا تُفَرِّحُ بِوُجُودِهِمْ، بَلْ تُظْهِرُ الْعَجْزَ وَأَنَّكَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِمْ، وَهَذَا حَقٌّ، مَا مِنْا مِنْ أَحَدٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. فَأَنْتَ مَهْمَا بَلَغْت مِنْ الْعِلْمِ فَهُنَاكَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، أَنْتَ مَاذَا؟ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ، مُحْتَاجٌ إلَيْهِ أَنْ تَرْحَلَ إلَيْهِ، أَنْ تَسْتَعِدَّهُ، أَنْ تَسْأَلَهُ، أَنْ تَسْتَفْتِيَهُ فِي مَسَائِلِ الدِّينِ، فَلَا تَتَقَدَّمْ عَلَى يَدِ الْمَشَايِخِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنْ الْأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، فَهُنَاكَ أَهْلُ اسْتِنْبَاطٍ، أَهْلُ اجْتِهَادٍ، أَنْتَ لَرُبَّمَا تَفْتِي فِي الْمِثَالِ الظَّاهِرَةِ فِي الْمِثَالِ الطَّهَارَةِ أَوْ الصَّلَاةِ لَكَ، هُنَاكَ نَوَازِلُ لَنْ يُمْكِنَ أَنَّكَ تُقَدِّمُ عَلَى هَذَا الْبَابِ إلَّا بِالرُّجُوعِ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ. مَسَائِلُ فِي الْأَمْرِ وَفِي الْأَمْنِ وَفِي الْخَوْفِ وَفِي الْقَضَايَا الْمُصِيرِيَةِ وَفِي الْمِثَالِ الدَّمَوِيَةِ، تَحْتَاجُ إلَى الرُّجُوعِ، وَلِهَذَا عَلَّقَ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: «وَفِي هَذَا دَيْلٌ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْأُدُبِيَةِ»، دَيْلٌ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْأُدُبِيَةِ: «أَنَّهُ إذَا وَقَعَ بَحْثٌ فِي أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ فَإِنَّهُ يُجْعَلُ إلَى أَهْلِهِ»، يُجْعَلُ إلَى أَهْلِهِ. قَالَ: «وَلَا يَتَقَدَّمُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ»، لَا تَتَقَدَّمْ، وَقَعَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، نَازِلَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الْأُمَّةِ، يُرْجَعُ هَذَا إلَى الْكِبَارِ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَهْلِ الِاجْتِهَادِ إلَى أَهْلِ الْاسْتِنْبَاطِ، تُرْجَعُ عَلَيْهِمْ، لَا تَفْتِ بِنَفْسِكَ أَوْ تَفْتِي بِرَأْيِكَ، إنَّمَا تَرْجِعُ لِمَنْ أَعْلَمُ شَأْنًا وَأَعْلَمُ عِلْمًا بِكَ، وَلَا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، لَا تُنَاطِحْ، لَا تُعَارِضْ. فَأَنْتَ لَيْسَ عِنْدَك عِلْمٌ بِهَذَا الْبَابِ، وَإِنَّمَا الَّذِي عِنْدَك فَلْسَفَةٌ، كَيْفَ هَذَا؟ وَكَيْفَ ذَاكَ؟ إشْكَالٌ، كَيْفَ هَذَا؟ وَكَيْفَ ذَاكَ؟ هَلْ عِنْدَك أَدِلَّةٌ عَلَى الْمُعَارَضَةِ؟ أَمْ أَنَّهَا مِنْ وَحْيِ الشَّيْطَانِ؟ فَإِنْ تَحَيُّذْ. فَقَالَ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «فَيَكُنْ الْأَمْرُ إلَى أَهْلِهِ وَلْيَتَقَدَّمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ»، وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا أَثَرُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: «إِذَا رَأَيْت الرَّجُلَ يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَشَايِخِ وَإِنْ بَلَغَ مِنْ الْعِلْمِ مَبْلَغًا، فَيَأْسٌ مِنْ خَيْرِهِ؛ فَإِنَّهُ قَلِيلُ الْحَيَاءِ»، إذَا رَأَيْت الرَّجُلَ يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَشَايِخِ وَقَدْ بَلَغَ مِنْ الْعِلْمِ مَبْلَغًا، فَيَأْسٌ مِنْ خَيْرِهِ؛ فَإِنَّهُ قَلِيلُ الْحَيَاءِ. لَا تَتَقَدَّمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ، الْأَسَفُ نَجِدُ بَعْضًا مِنْ النَّاسِ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَى الدَّعْوَةِ وَإِلَى الْعِلْمِ، إذَا سَمِعَ فُتْيَى وَفَتْوَى مِنْ الْعُلَمَاءِ الْكِبَارِ، إذْ بِهِ مَاذَا؟ يُعَارِضُ وَيُنَاطِحُ، لَا يَا عَبْدَ اللَّهِ، اعْرِفْ قَدْرَ نَفْسِكَ. أَنْتَ كَمْ لَك فِي مِضْمَارِ الْعِلْمِ؟ لَك سَنَوَاتٌ 30 سَنَةً، 40 سَنَةً، هَذَا مِقْدَارُ عِلْمِكَ، وَذَاكَ كَمْ لَهُ فِي الْعِلْمِ؟ 50 سَنَةً، وَانْظُرْ بَوْنَ الشَّاسِعِ، فَهَذَا يَتَكَلَّمُ بِمِقْدَارِ عُمْرِهِ الزَّمَنِيِّ الَّذِي عَاشَهُ وَتَرَبَّى فِي الْعِلْمِ، وَأَنْتَ تَتَكَلَّمُ عَنْ مِقْدَارِ عِلْمِكَ. وَلِهَذَا كَانَتْ الْبَرَكَةُ مَعَ الْأَكَابِرِ، كَمَا قَالَ نَبِيُّنَا: «الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ»، كَذَلِكَ إخْوَانِي فِي اللَّهِ مِمَّا يُشَارُ إلَيْهِ إشَارَةً فِي هَذَا الْمِثَالِ الْعَظِيمَةِ الْمُهِمَّةِ، وَتَحْتَاجُ إلَى بَحْثٍ أَوْسَعَ مِنْ هَذَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِأَدَبِ الْخِلَافِ. هَذَا أَدَبٌ يَنْبَغِي لِكُلِّ طَالِبِ عِلْمٍ أَنْ يَتَحَصَّلَ عَلَيْهِ وَأَنْ يَبْحَثَ عَلَيْهِ، أَدَبُ الْخِلَافِ، وَهَذَا مِنْ الْآدَابِ الَّتِي أَصْبَحَتْ أُكِلَتْ أَنْ تَكُونَ نَسِيًا مَنْسِيًّا فِي بَابِ الدَّعْوَةِ، وَخُصُوصًا فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ. أَدَبُ الْخِلَافِ، لَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي بَابِ الْعِلْمِ وَمَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ وَقَرَأَ وَفَتَّشَ وَدَرَسَ وَكَتَبَ، يَرَى ذَاكُمُ الْخِلَافَ، يَرَى ذَلِكُمُ الاخْتِلَافَ الْكَثِيرَ الْكَبِيرَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَبَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَخُصُوصًا فِي الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَةِ، ذَاكَ يَقُولُ: وَاجِبٌ، وَذَاكَ يَقُولُ: مُحَرَّمٌ، وَذَاكَ يَقُولُ: جَائِزٌ، وَذَاكَ يَقُولُ: مَكْرُوهٌ، وَذَاكَ يَقُولُ: سُنَّةٌ، خِلَافٌ كَبِيرٌ عَرِيضٌ. كَيْفَ مَا هُوَ دَوْرُكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ هَلْ هُنَاكَ أَدَبٌ فِي الْخِلَافِ؟ نَعَمْ هُنَاكَ أَدَبٌ، هُنَاكَ أَدَبٌ تُؤَدَّى بِهِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، لِلْأَسَفِ بَعْضُ الْإِخْوَانِ لَرُبَّمَا كَمَا قُلْنَا، وَلِهَذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا يُرَكِّزُونَ عَلَى الْأَدَبِ، بَلْ يُقَدِّمُونَ الْأَدَبَ عَلَى الْعِلْمِ. «لَا تَقْحَمْ تَدْخُلْ فِي بَابِ الْعِلْمِ وَأَنْتَ مَا تَمَرَّسْت فِي بَابِ الْآدَابِ»، مِنْ هَذِهِ الْآدَابِ: آدَابُ الْخِلَافِ، بَعْضُ الطَّلَبَةِ لَرُبَّمَا إذَا دَخَلَ فِي مَسْأَلَةٍ أَخَذَ بِهَا وَمَا يَرَى فِي الدِّينِ إلَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هِيَ إلَّا هِيَ، وَمَا عَادَ، وَمَنْ عَادَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَمَنْ خَالَفَهَا فَهُوَ الضَّالُّ، فَهُوَ الْمُبْتَدِعُ، أَقَامَ الدَّنْيَا وَمَا قَعَدَهَا، وَيَرَى أَنَّهُ مَاذَا؟ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ، عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَاءِ، عَلَى السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، عَلَى الْمَنْهَجِ الصَّافِيِ. وَمَنْ خَالَفَهُ فَهُوَ الضَّالُّ، فَهُوَ الْمُبْتَدِعُ، مَا هَكَذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَوْرَدَهَا سَعْدٌ وَسَعْدٌ مُجْتَمِلٌ، مَا هَكَذَا يَا سَعْدُ تُورَدُ الْإِبِلُ، فَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَعْرِفَ كَيْفَ يَتَعَامَلُ مَعَ أَدَبِ الْخِلَافِ. كَيْفَ يَتَعَامَلُ مَعَ الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَةِ؟ كَيْفَ يَتَعَامَلُ مَعَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ مَضَوْا؟ كَيْفَ يَتَعَامَلُ مَعَ بَحْثِهِ مَعَ إخْوَانِهِ فِي الْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ؟ هَذَا يَحْتَاجُ إلَى أَدَبٍ، هَذَا يَحْتَاجُ إلَى أَدَبٍ. مِنْ ذَلِكَ مَثَلًا: دَخَلْت فِي بَابِ النِّقَاشِ فِي بَابِ الْبَحْثِ، عَلَيْكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْكَ أَوَّلًا تُخْلِصُ النِّيَّةَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا تَدْخُلْ فِي قِرَاءَةِ مَسَائِلِ الْبَحْثِ أَوْ مَسَائِلِ الْعِلْمِ وَأَنْتَ مُسْتَمِيتٌ عَلَى رَأْيِكَ، مَعَك هَذَا الرَّأْيُ، تَسْتَمِيتُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَقْرَأُ لَا لِشَيْءٍ وَإِنَّمَا تُدَحْدِحُ الْأَقْوَالَ، تُدَحْدِحُهَا دَحْرًا. لَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ، بَلْ عَلَيْكَ إذَا قَرَأْت أَنْ تَبْحَثَ، أَنْ تَتَجَرَّدَ لِلْحَقِّ، تَتَجَرَّدُ لِلْحَقِّ، عِنْدَك هَذَا الْقَوْلُ، قُلْ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي جُلُوسِهِ وَمُنَاظَرَاتِهِ وَمُجَالَسَاتِهِ: «أَنَّ قَوْلِي صَوَابٌ وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ»، «قَوْلِي صَوَابٌ عَلَى مَا أَرَى»، «قَوْلِي صَوَابٌ وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ»، «وَقَوْلُ غَيْرِي خَطَأٌ وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ». تَجْعَلُكَ تَعْبُرُ فِي الرُّجُوعِ فِي أَخْذِ الْقَوْلِ الْمُخَالِفِ، لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ إلَّا وَإِلَّا، تُرَبَّى عَلَى قَوْلٍ عَلَيْهِ، يَسْتَمِيتُ، مَا يَتَرَاجَعُ، يَرَى أَنَّ التَّرَاجُعَ عَنْ هَذ