الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تجمع آيات المواريث في سورة النساء مع حديث ابن عباس «ألحقوا الفرائض بأهلها» جل أحكام الفرائض، وتثبت ميراث الجدات بالسنة والإجماع. وتوضح هذه النصوص شروط الاستحقاق والحجب والتعصيب لجميع الورثة، مع قاعدة تقديم أصحاب الفروض على العصبة.
أوصى الله الوالدين برعاية أبنائهم وتربيتهم وتعليمهم وتأديبهم على الدين والأخلاق وقايةً لهم من النار. وتقاعس الوالدين عن هذه الوصية يستوجب الوعيد، بينما قيامهم بها يجلب الثواب العظيم.
من حقوق الأبناء على والديهم رعايتهم وتربيتهم وتعليمهم، بالإضافة إلى حقهم في الميراث بعد وفاتهم. وقد فصل الله قسمة المواريث في آيات سيُتحدث عنها لاحقاً.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله: عند قول الله جل وعلا: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ [النساء: 11]، إلى قوله جل وعلا: ﴿ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ [النساء: 12]. قال: هذه الآيات، والآية التي هي آخر السورة، قلنا: آيات المواريث المتضمنة لها؛ فإنها مع حديث عبد الله بن عباس الثابت في صحيح البخاري: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر»، مجتمعة على جل أحكام الفرائض، بل على جميعها كما سترى ذلك، إلا ميراث الجدات؛ فإنه غير مذكور في ذلك، لكنه قد ثبت في السنن عن المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي عليه الصلاة والسلام أعطى الجدة السدس، مع إجماع العلماء على ذلك. عن المغيرة بن شعبة قال: أن عنده سنة، وأيده محمد بن مسلمة. وإن كان الحديث فيه إرسال، إلا أن العلم تلقوه بالقبول. ولهذا يقول العلماء: من حفظ هذه الآيات الثلاث، وفقه ما فيها من المسائل، وعرف حديث ابن عباس وما فيه من فقه المسائل، فهو قد ألمّ بعلم الفرائض. فالبعض يقول: فهو عالم بالفرائض، لكن يفقه هذه المسائل التي في الفرائض، وكذلك أيضًا يعرف المسائل التي في حديث عبد الله بن عباس: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر». فهذه الآيات وهذا الحديث مجتمعة، كما قال المؤلف، على جل أحكام الفرائض، بل على جميعها، إلا ميراث الجدات؛ فإنه جاء في السنة ميراث الجدات. أما غيرهم فميراث البنات والأخوات، وكذلك أيضًا الأصول من الآباء والأجداد، وغيرهم ممن يرث، حتى الإخوة لهم أيضًا جاء نصيبهم في هذه الآيات. فلذلك كل من له فرض أو له تعصيب فهو في هذه الآيات، وغالبها يبين حتى الشروط التي يكون فيها هذا الذي يستحق الفرض: متى يستحق الفرض ومتى لا يستحقه، وكذلك متى يحجب ومتى لا يحجب، وكذلك أيضًا متى يكون تعصيبًا ومتى لا يكون تعصيبًا. فهذا يعرف بالآيات، وكذلك بالحديث الذي جاء في حق الفرائض وأهلها. فلذلك فعل أو أخرج العلماء مسائل كثيرة من هذه الآيات، وكذلك من الحديث، خاصة في التعصيب؛ في مسألة العصبة أكثر مسائلها من هذا الحديث. وكذلك أيضًا المسألة الجوهرية في هذا الحديث: أن أهل الفرائض يأخذون قبل أهل التعصيب. أولاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر». وهذا مع مراعاة الحجب، ومراعاة أيضًا الأمور الأخرى، سواء كان الحجب كاملًا أم ناقصًا. فلذلك قال المؤلف هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس مع إجماع العلماء على ذلك، أي: أجمعوا على أن الجدة لها السدس. والجدة هذه: أم أم الأم، وأم أب الأم، وكذلك أم أم الأب، أم الأم، وأم الأب، وأم أم الأب، وأم أم الأب. والرابعة مختلف فيها، وأكثر العلماء على أنها لا ترث. قال: فقوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾، قال: أي أولادكم يا معشر الوالدين عندكم، وديعة قد وصاكم الله عز وجل عليهم؛ لتقوموا من مصالحهم الدينية والدنيوية، فتعلمونهم وتؤدبونهم، وتكفونهم عن المفاسد، وتأمرونهم بطاعة الله وملازمة التقوى على الدوام. ربنا جل وعلا أوصى أولًا قبل أن يعطيهم الإرث ويعطيهم المال من والديهم، أيضًا أن هناك على الوالدين مهمة عظيمة، ألا وهي التربية؛ أنهما يربيان أولادهما على هذا الدين العظيم، وعلى الأخلاق التي أرشد إليها هذا الدين. ومن أعظم الأشياء التي يربى بها الأولاد: التعليم، وأن يؤدبوا على الإسلام. فقال كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ [التحريم: 6]. فجاء عن علي بن أبي طالب أنه قال: علموهم وأدبوهم، علموهم وأدبوهم. «قوا أنفسكم» معنى: بماذا يقي نفسه وأهله؟ أي بالعلم والآداب. قال: فالأولاد عند والديهم موصى بهم، فإما أن يقوموا بتلك الوصية فلهم جزيل الثواب، وإما أن يضيعوها فيستحقوا بذلك الوعيد والعقاب. وهذا مما يدل على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالدين، حيث أوصى الوالدين مع كمال شفقتهم عليهم. وهذا حق للأبناء، وكما أن الأبناء عليهم حق لوالديهم، فكذلك أيضًا على الوالدين حق لهم، أي لهؤلاء الأبناء، سواء كان ذكورًا أم إناثًا. ومن أعظم ما قلنا ما يقي العبد نفسه وأهله: أنه يقيهم بالعلم والآداب الإسلامية، والأخلاق الفاضلة التي أوصى بها هذا الشرع. ثم بعد ذلك ذكر من الأمور التي ينبغي أيضًا أنهم يراعونها: ما شرعه الله عز وجل في الإرث. هذا من حق الأبناء على الوالدين: أنهم يتولونهم ويربونهم ويعلمونهم، وكذلك أيضًا من حقهم أنهم يورثونهم بعد موتهم. ثم ذكر ربنا جل وعلا قسمة هذه المواريث في هذه الآيات. إن شاء الله تعالى نذكر هذا في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.