الدرس في من أحكام شهر شعبان 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن بدعة صلاة ليلة النصف من شعبس وتاريخها وأول من قام بها. انتشرت هذه الصلاة وأصبحت تقام كل عام حتى اعتبرت كالسنة.
يتناول الخلاف بين العلماء حول فضل ليلة النصف من شعبان، حيث يرى البعض أنها مفضلة لورود أحاديث في فضلها، بينما يرى آخرون أنها كغيرها لضعف الأحاديث.
يرى أهل العلم تفضيل ليلة النصف لكن لا يرون تخصيصها بعبادة معينة، حيث يعتبر التخصيص بدعة محدثة لا تجوز.
يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويُتبع بالصلاة على النبي وآله وصحبه، مع التأكيد على علم الله تعالى وقدرته.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. وَأَمَّا بَعْدُ، فَلْنَذْكُرْ يَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ شَيْئًا مِنْ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ الَّتِي تُعَامِلَ بِهَا النَّاسُ فِي هَذَا الشَّهْرِ، وَخَاصَّةً فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ. وَكَانَ الْكَلَامُ فِي دَرَسِ أَمْسِ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِمَا يُسَمَّى بِالصَّلَاةِ الْأَلْفِيَةِ أَوْ بِصَلَاةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، أَوْ تُسَمَّى أَيْضًا بِصَلَاةِ الْبَرَاءَةِ، وَهِيَ صَلَاةٌ عُرِفَتْ وَعُهِدَتْ فِي بَعْضِ الْمُدُنِ. وَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ تَارِيخَ هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ أَوَّلَ مَنْ صَلَّاهَا رَجُلٌ قَدِمَ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ مِنْ نَابُلُسَ، وَاسْمُهُ ابْنُ أَبِي الْحَمْرَاءِ. هَذَا الرَّجُلُ كَانَ مِنْ الْعُبَّادِ، وَقَدِمَ حَتَّى دَخَلَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي عَامِ 448 مِنْ الْهِجْرَةِ. وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ حَسَنَ التِلَاوَةِ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَصَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَصَلَّى لِوَاحِدِهِ، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مَعَهُ. فَلَمَّا صَلَّى، إذْ بِرَجُلٍ مِنْ الْخَارِجِ التَحَقَ بِهِ، ثُمَّ جَاءَ الثَّانِي، ثُمَّ جَاءَ الثَالِثُ، ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعُ، وَهَكَذَا، وَتَكَوَّنَتْ مِنْ خَلْفِهِ تِلْكَ الْجُمُوعُ الْكَثِيرَةُ مِنْ الْمُصَلِّينَ. فَأَصْبَحَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ تُصَلَّى فِي كُلِّ عَامٍ، وَقِيمَتْ كَالسُّنَّةِ. وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ أَنَّ هَذَا الَّذِي صَلَّى بِالنَّاسِ قَدْ تَرَكَ الصَّلَاةَ، فَسُئِلَ عَنْ سَبَبِ تَرْكِهِ، فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ قَدْ أَدْخَلَ بِدْعَةً فِي دِينِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، فَتَابَ وَأَقْلَعَ وَأَنَابَ. وَقَامَ النَّاسُ وَوَضَعُوا الْأَحَادِيثَ الْمَكْذُوبَةَ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ، كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ أَنَّهَا أَحَادِيثُ مَوْضُوعَةٌ. وَبِهَذَا نَعْلَمُ أَنَّ الْبِدَعَ هَذِهِ نِهَايَتُهَا، وَأَنَّهَا تَبْدَأُ مِنْ خَارِجِ الْقُرُونِ الْمُفَضَّلَةِ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ اقْتِضَاءِ الصِرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى تَفْضِيلِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ نَصُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، لِتَعَدُّدِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهَا. وَقَدْ نَبَّهْنَا فِي دَرَسِ أَمْسِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، مَسْأَلَةُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا عَلَى أَقْوَالٍ. فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى لِلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ أَيَّ مَزِيَّةٍ، وَيَرَى أَنَّهَا كَبَاقِي اللَّيَالِي. وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ لَهَا فَضِيلَةً، كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ. وَالنِّزَاعُ إنَّمَا تَمَّ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي فَضْلِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي دَرَسٍ مَاضٍ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي فَضْلِ شَعْبَانَ أَوْ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ. وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَرَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَرْوِيَّةَ فِي هَذَا الْبَابِ لَمْ يَثْبُتْ مِنْهَا شَيْءٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى تَحْسِينَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، كَمَا قَالَ شَيْخُ الْأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. فَمَنْ قَالَ بِصِحَّةِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، يَرَى هَذِهِ الْفَضِيلَةَ بَاقِيَةً، وَأَنَّ اللَّهَ جَلَ وَعَلَا يَغْفِرُ فِيهَا لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، إلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُتَشَاحِنٍ. وَمَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ، يَرَ أَنَّهَا قَدْ عُرِيَتْ مِنْ الْفَضَائِلِ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: لَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْكَثِيرُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى تَفْضِيلِهَا، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ نَصُّ أَحْمَدَ، لِتَعَدُّدِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهَا. وَمَعَ الْقَوْلِ بِفَضِيلَةِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، لَا يَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ ذَرِيعَةٌ لِتَخْصِيصِ عِبَادَةٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ. فَإِفْرَادُ صَوْمِ يَوْمِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، لَا أَصْلَ لَهُ، بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ، وَقِيلَ: إنَّهُ بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ. وَكَذَلِكَ اتِّخَاذُهَا مَوْسِمًا، تُصْنَعُ فِيهِ الْأَطْعِمَةُ وَتُظْهِرُ فِيهِ الزِّينَةُ، هُوَ مِنْ الْمَوَاسِمِ الْمُحْدَثَةِ الْمُبْتَدَعَةِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَكَذَلِكَ مَا قَدْ أُحْدِثَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ اجْتِمَاعِ الْعَامِّ لِصَلَاةِ الْأَلْفِيَةِ فِي الْمَسَاجِدِ الْجَامِعَةِ، هُوَ مِنْ الْبِدَعِ. وَيُوجَدُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الصَّلَاحِ مِمَّنْ لَهُ سَابِقَةُ خَيْرٍ، أَنَّهُ يَرَى أَنَّ مِنْ فَضِيلَةِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ أَنَّ تُحْيَا بِالْعِبَادَةِ. وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَةِ إحْيَاءِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْإِظْهَارَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْإِسْرَارَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْبِدَعِ. وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لَا تُخَصُّ وَلَا تُمَيَّزُ بِعِبَادَةٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ. وَقَدْ وَرَدَتْ فَتَاوَى اللَجْنَةِ الدَّائِمَةِ لِلْإِفْتَاءِ بِأَنَّ تَخْصِيصَ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بِالصَّدَقَةِ أَوْ بِالذَّبْحِ أَوْ بِالْهَدَايَا أَوْ بِالْأَطْعِمَةِ أَوْ بِالدُّعَاءِ أَوْ بِالْقِيَامِ، هُوَ مِنْ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي لَا تَجُوزُ. وَخُلَاصَةُ الْكَلَامِ، أَنَّ شَعْبَانَ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُ شَيْءٌ، إلَّا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكِثُرُ مِنْ الصِّيَامِ فِيهِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَمْ يَثْبُتْ، وَأَنَّ إحْيَاءَ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بِقِيَامٍ أَوْ بِتَخْصِيصِ عِبَادَةٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ، هُوَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي لَا تَجُوزُ. فَأَسْأَلُ مَوْلَايَ جَلَ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.