الدرس في وقفات عرفان مع صحابة النبي العدنان 4، الدرس الرابع:( فضائل أبو بكر الصديق رضي الله عنه ). ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول هذا الفصل الحديث عن فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ونسبه، وسبب تسميته بالصديق، ودوره في صحبة النبي عليه الصلاة والسلام في الغار، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تبرز فضله ومنزلته. كما يشير إلى بعض المواقف التي تدل على حب النبي له واعتماده عليه في أمور مهمة.
يذكر هذا الفصل بعض مناقب وفضائل أبي بكر الصديق، منها إيمان النبي عليه الصلاة والسلام به وبعمر، وبشارة النبي له بالجنة، ودفاعه عن النبي ودين الله، وجمعه للفضائل، ومسارعته للخيرات، مما يبرز مكانته العظيمة.
يبرز هذا الفصل حرص الصحابة على نقل البشرى وتبشير الناس بالخير، ويذكر مواقف الصديق العظيمة مثل موقفه مع المرتدين وموقفه عند وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، حيث هدأ الناس وأخبرهم بوفاة النبي وتلا الآيات القرآنية التي تؤكد ذلك.
يختم هذا الفصل بأهمية ذكر العرفان لأصحاب رسول الله، ويعبر عن استنكار سبهم من قبل الروافض والخوارج، ويطلب من الله الفقه والعلم والنفع بما تعلم، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فهذه وقفة من وقفات العرفان مع صحابة النبي العدنان عليه الصلاة والسلام، وهي مع صديق هذه الأمة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي بن أبي قحافة، الصديق هذه الأمة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وقيل في سبب تسميته بالصديق: أنه لما أخبره كفار قريش أن رسول الله عليه الصلاة والسلام ذكر حادثة الإسراء، فقال له: إن صاحبك يزعم أنه ذهب إلى هذه البلاد في ليلة ورجع. فقال رضي الله تعالى عنه: إن كان قال ذلك، فقد صدق. فإن يصدقه فيما هو أعظم من ذلك. وهكذا سماه النبي عليه الصلاة والسلام صديقًا، فقد ثبت في مسلم وغيره أنه لما كان النبي عليه الصلاة والسلام في حراء، جاء أحد، فاهتز أحد واهتز حراء، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أثبت أحد، أثبت حراء، فإن عليك نبيًا وصديقًا وشهيدين. فسماه عليه الصلاة والسلام صديقًا. وأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه له فضائل كثيرة، فهو الذي شرف بذكره في كتاب الله جل وعلا، وتشرف بذلك الذكر العظيم. فقد كان صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام في الغار، قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾. فكان صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام في الغار. وثبت في الصحيحين عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه ذكر قصته مع رسول الله عليه الصلاة والسلام في الغار، فقال: قلت يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا. فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما. وهكذا بقوله جل وعلا: ﴿وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى﴾. ذكر جملة من المفسرين أن المراد بهذا: أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهذا فضله في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالأحاديث الواردة في فضله كثيرة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فهو خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو كذلك من أحب الناس إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. فالنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري وغيره رضي الله تعالى عن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أجمعين، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جل وعلا خير عبدًا بين زهرة الدنيا وبين الآخرة، فاختار الآخرة». فبكى أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقالوا: يا رسول الله، فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فتعجبوا ما لأبي بكر يبكي ورسول الله عليه الصلاة والسلام إنما ذكر أن عبدًا خير بين زهرة الدنيا والآخرة. فقالوا: كان رسول الله عليه الصلاة والسلام هو المخير، وكان أعلمنا. فكان أبو بكر الصديق أعلم هذه الأمة. وفي حديث أبي الدرداء كذلك في الصحيح، قال: قدم أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه يجر ثوبه حتى كشف شيء من ساقيه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما صاحبكم فقد غامر». فقال أبو بكر للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، إنه حصل بيني وبين ابن الخطاب شيء، فاعتذرت له فلم يقبل عذري ولم يغفر لي. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يغفر الله لك يا أبا بكر، يغفر الله لك يا أبا بكر». ثم ندم عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فذهب إلى بيت أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه ليعتذر له، فسأل عن أبي بكر فلم يجده في بيته، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فوجد وجه النبي عليه الصلاة والسلام يتمعر. فقال عليه الصلاة والسلام: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ لقد قلت كذا وكذا، فقلتم كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وأساني بماله ونفسه». فقام أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، قال: يا رسول الله، والله إني لا أنا كنت أظلم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر، كلامًا عظيمًا وتناهًا عظيمًا. وهذا يدل على فضل أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهكذا كذلك في حديث عائشة في الصحيح أيضًا، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس، مروا أبا بكر فليصل بالناس». فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف ورقيق، إذا قرأ أبكى الناس، مرهم أن يصلي بهم عمر. فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس، إن كنتم صواحب يوسف». وهكذا في حديث جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه في الصحيحين أيضًا، قال: قدمت امرأة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فسألته، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «ارجعي». فقالت: فإن لم أجدك يا رسول الله؟ قال: «ائتي أبا بكر». وهكذا كذلك من فضائل الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، كما تقدم أنه من أحب الناس، ففي الصحيحين عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، لما بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة ذات السلاسل، سأل رسول الله عليه الصلاة والسلام: من أحب الناس إليك يا رسول الله؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أبوها». قال: ثم من؟ قال: «عمر بن الخطاب». ثم ذكر عليه الصلاة والسلام رجالًا وعددهم. وهذا فيه فضل أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فهو من أحب الناس إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا كان عليه الصلاة والسلام كثيرًا ما يذكره رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ففي الصحيحين وغيرهما عن عدة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر رجلًا ركب بقرة، فالتفتت إليه وقد حمل عليها، فقالت له: لم أخلق لهذا، إنما خلقت لأجل الحرث. فقال الناس: سبحان الله، تعجبًا وفزعًا، بقرة تتكلم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإني أؤمن بذلك، أنا وأبو بكر وعمر». أي أؤمن بهذا الذي حدث، وأنها بقرة تتكلم. وهكذا كذلك في الحديث الآخر في قصة الراعي مع الذئب، فقد عدا ذئب على غنم راعي، وأخذ منها شاة، فطلبه الراعي فاستنقذ شاته منها، فقال له الذئب: تأخذ هذا علي أين راعيها يوم لا راعي لها غيري؟ فتعجب الناس، ذئب يتكلم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإني أؤمن بذلك، وأبو بكر وعمر». وهذا يدل على فضل أبي بكر وعلى فضل عمر رضي الله تعالى عنهما. وهكذا أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام قد بشره بالجنة، بشره بالجنة. ففي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وأرضاه في الصحيح، لما نزل النبي عليه السلام الحائط، ودلل رجليه، فجاء أبو موسى الأشعري ودخل، وسلم، وفعل مثل ما فعل. فجاء عمر يستأذن، فقال: «انتظر». فذهب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فجاء أبو بكر يستأذن، فقال أبو موسى للأعرابي: إن أبا بكر على الباب يستأذن. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مره فليدخل، وبشره بالجنة». وفي حديث سعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف في ذكر العشرة المبشرين بالجنة، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ومن فضائل الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه دفاعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان مدافعًا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من بداية دعوته وحتى بعد موته عليه الصلاة والسلام. فكان مدافعًا عن سنته وعن هديه عليه الصلاة والسلام. فثبت من حديث عبد الله بن عمر كما في البخاري وغيره، ذكر ما حدث للنبي عليه الصلاة والسلام في بداية دعوته، وأنه جاء عقبة بن أبي معيط إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو يصلي عند البيت، فخنقه خنقًا شديدًا. فجاء أبو بكر رضي الله تعالى عنه ودفعه عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال رضي الله تعالى عنه: «أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات؟». فقد كان يدافع عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذلك كان مدافعًا عنه حين ارتدت طوائف من الناس، ومنعوا الزكاة، ولحقوا بمسيلمة الكذاب، فقاتلهم الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه فيما سمي بقتال الردة وحروب الردة. وهذا من الدفاع العظيم من الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه عن دين الله جل وعلا وعن هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومن فضائله رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه جمع بين الفضائل، فلم يحصل من جمع للفضائل مثل ما حصل لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقد كان جامعًا للفضائل، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فثبت في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى وغيره، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال عليه الصلاة والسلام: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟» قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أنا. قال: «من تصدق منكم، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أنا. قال: «من شهد منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «من عاد منكم اليوم مريضًا؟» قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه: أنا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما اجتمعنا في امرئ إلا دخل الجنة». وهكذا كذلك في حديث أبي هريرة في الصحيح وغيره، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: «من أنفق زوجين من شيء في سبيل الله، دعي من أبواب الجنة: يا عبد الله، هذا خير». فمن كان من أهل الصلاة، دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد، دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام، دعي من باب الصيام، ومن باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة، دعي من باب الصدقة. فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه: يا رسول الله، فهل يدخل أحد من تلك الأبواب كلها؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم، وأرجو أن تكون منهم». فكان الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه من أعظم من جمع بين الفضائل، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهكذا كان رضي الله تعالى عنه من أسبق الناس، ومن أسرع الناس إلى الفضائل وإلى الخيرات. ما سمع خيرًا إلا سارع في نشره، وفي التبشير به. ما سمع دعوة إلى الخير إلا وكان من السباقين. فهذا عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه يحكي مسابقته مع أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فقال عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه: لقد دعانا رسول الله عليه الصلاة والسلام ذات يوم إلى الصدقة، قال: فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا. قال: فجئت بنصف مالي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لي رسول الله عليه الصلاة والسلام: «ماذا تركت لأهلك يا عمر؟» قلت: مثله. قال: فجاء أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه بماله كله إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر: «ما تركت لأهلك يا أبا بكر؟» قال: الله ورسوله. وهكذا في الحديث الآخر، ذكر عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه مسابقة أبي بكر. وهكذا عبد الله بن مسعود كما في صحيح المسند لشيخنا الوادعي رحمه الله، مسابقة أبي بكر، ومسابقة عمر وأبي بكر. فذكر عمر رضي الله تعالى عنه ما بشر به النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن مسعود، فقد خرج ذات ليلة عليه الصلاة والسلام وأبو بكر وعمر، فسمع عبد الله بن مسعود يقرأ القرآن، فقال عليه الصلاة والسلام: «من أراد أن يقرأ القرآن غضًا طريًا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد». ثم صار عبد الله بن مسعود يدعو، رضي الله تعالى عنه، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «سل تعطه». فكان عبد الله بن مسعود يدعو، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «سل تعطه». فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أذهب إلى عبد الله بن مسعود وبشره بهذه البشرى. فذهب إلى عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وذكر له ما بشر به رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال عبد الله بن مسعود: سبقك أبو بكر، سبقك أبو بكر. انظروا الحرص الشديد، أبو بكر قد سبق عمر حتى في هذه البشرى التي بشر بها نبي الله عليه الصلاة والسلام عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهذا يدلنا على حرص الصحابة على عظيم هذه الفضائل والأخلاق. اليوم ابتلينا بأناس إنما يسارعون في نقل الأخبار السيئة، وإما ما يفرح به الناس وما يستبشر به، فقليل من الناس من يحرص على نقل البشرى والكلام الذي يسر، لكن أكثر الناس إنما يفرحون بنقل الكلام المحزن والكلام الذي يسيء للناس. لا يا عباد الله، وإنما المسلم عليهم يحرص على نقل البشرى. فقد كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يحرصون على تبشير الناس بكل خير، ويبشرونهم بوعد الله بجزاء الصابرين وبغير ذلك. لا يذكرون لهم المساوئ، ولا يفتنونهم في دينهم، ولا ينقلون لهم كذلك ما لا يسرهم. وهكذا من فضائل الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه مواقفه العظيمة، مواقفه العظيمة تجاه هذا الدين. فقد تقدم موقف الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه مع المرتدين. وهكذا له موقف عظيم لا ينساه التاريخ أبدًا، ولا ينساه أحد أبدًا، وهو ذلك الموقف العظيم وتلك الفاجعة التي أصيبت بها أمة الإسلام، وخاصة أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فإن عمر رضي الله تعالى عنه من شدة هذا الأمر عليه، خرج يقول للناس: من قال إن محمدًا مات، ضربت عنقه. وإنما ذهب وسيرجع، وسيقتل المنافقين، ويفعل ويفعل. فجاء أبو بكر الصديق كما تروي ذلك عائشة أم المؤمنين كما في البخاري وغيره، أقبل على فرسه من السنح، وهو المكان الذي يسكنه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فجاء وتيمم المسجد، فاستأذن عائشة، ودخل على رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو مسجى عليه الصلاة والسلام، فكشف عن وجهه عليه الصلاة والسلام وقبله، ثم بكى رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه: طبت حيًا وميتًا يا رسول الله، والله لن يجمع الله عليك موتتين. فأما الموتة الأولى فقد دقتها. أو كما قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ثم قال: والله لقد مات رسول الله عليه الصلاة والسلام. ثم خرج رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فإذا بعمر رضي الله تعالى عنه يخطب الناس، فقال: على مهلك يا عمر، أجلس يا عمر. فأقبل الناس على أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه يستمعون إليه. فقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه: ألا من كان يعبد الله فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم تلا قول الله جل وعلا: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾. وتلا قول الله جل وعلا أيضًا: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين﴾. فسمع الناس هذه الآية، وصاروا يرددونها حتى قالوا: كأنها لم تنزل إلا الآن. حتى أغشي على عمر وسقط رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فعلم أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قد مات حقًا. وهذا موقف عظيم من الصديق رضي الله تعالى عنه، المشرفة التي تذكر له في سيرته العطرة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهذا الفضائل للصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه كثيرة. فالنبي عليه الصلاة والسلام قد جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في الصحيحين وغيرهما، أنه قال لعائشة: «مري أباكي أو ادعي لي أباكي وأخاكي لأكتب كتابًا، فإني أخشى أن يتمنى متمنٍ أو يقول قائل: أنا أو لا، من أبي بكر، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر». فهذا من فضله رضي الله تعالى عنه. والفضائل الكثيرة والمواقف عظيمة، والأخلاق التي كان قد تخلق بها الصديق كثيرة جدًا، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فعلينا عباد الله أن نتأسى بأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنهم كانوا من أعظم المتأسين برسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن نعرف قدرهم، وأن نتخلق بأخلاقهم، فإن ذلك من أعظم ما ينجي من الفتن، وخاصة في هذه الأزمنة التي كثرت فيها الفتن. وهذا شيء من ذكر العرفان لهؤلاء، فالمقام لهم أعظم وأعظم، رغم أنوف الروافض والخوارج الذين يسبون أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. نسأل الله جل وعلا أن يفقهنا، وأن يعلمنا، وأن ينفعنا بما علمنا. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.