حلية طالب العلم 37

الدرس في حلية طالب العلم 37، ألقاها

آداب التعامل مع الشيخ واحترامه

يُناقش أهمية احترام الطالب لشيخه ومراعاة حرمته، مع ضرورة أن يكون التعامل وسطاً دون جفاء أو تجافي. يُشدد على إجلال الشيخ ومعرفته قدره.

تحذير من التقليد الأعمى للشيخ

يوصي الشيخ بعدم تقليده أعمى في حركاته وسكناته، ويشدد على أهمية الاقتداء بمكارم أخلاقه، مع التركيز على العمل بما يتعلم وظهور سمة الصلاح على الطالب.

الدعاء والثناء على الله تعالى

يتضمن الدعاء للنبي بالصلاة والسلام والبركة، ويعبر عن شكر الله وحمده للعالمين، مع التأكيد على التمجيد الإلهي في النهاية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، قال الشيخ -رحمه الله تعالى- وهو يتكلم على آداب الطالب مع شيخه: "وإذا بدا لك الانتقال إلى شيخ آخر، فاستأذنه بذلك، فإنه أدعى لحرمته، وأملك لقلبي في محبتك والعطف عليك"، أي تستمر المودة فيما بينك وبين شيخك. قال -رحمه الله تعالى- إلى آخر جملة من الآداب يعرفها بالطبع كل موفق مبارك وفاء لحق شيخك في أبوته الدينية، أو ما تسميه بعض القوانين باسم الرضاع الأدب، وتسميه وتسمية بعض العلماء له بالأبوة الدينية أليق، وتركه أنسب، أي أليق من حيث المعنى؛ لأن الشيخ يربي الطالب على الدين، على معالم الدين، وعلى أحكام الدين، وعلى شرائع الدين، كما أن الأب الوالد هو الأصل في تربية الولد، وهو سبب من الأسباب التي جعلها الله عز وجل في إيجاده. وقوله: "وتركه أنسب" أي ينبغي أن تترك هذه الألفاظ، وأنه يتقيد بالألفاظ المأثورة السلفية الموجودة بأن يقال ما قيل من توقير الشيخ والاحترام للشيخ وما شابه ذلك. قال -رحمه الله تعالى-: "وعلم أنه بقدر رعاية حرمته يكون النجاح والفلاح، وبقدر الفوت يكون من علامات الإخفاق"، بقدر ما يراعي الطالب حق شيخه يكون نجاحه، ويكون كذلك فلاحه، والعكس بالعكس، والجزاء من جنس العمل. الجزاء من جنس العمل، من كان مع شيخه في غاية التوقير والأدب والاحترام، كان ذلك سبباً لنيل الخير منه والعلم، ومن كان غير ذلك كان مدعاة لحرمانه للخير والعلم. وأيضاً يكون كذلك سبباً له في المستقبل أن يجد لو واصل في العلم وكان له طلبة غداً أن يجد ما كان يفعله مع شيخه، فإن كان موقراً وجد التوقير، وإن كان مجلاً وجد الإجلال، وإن كان غير ذلك فغير ذلك جزاء وفاقاً. قال -رحمه الله تعالى-: "تنبيه مهم"، قال: "أعيذك بالله من صنيع الأعاجم والطرقية والمبتدعة الخلفية من الخضوع الخارج عن آداب الشرع، من لحس الأيد وتقبيل الأكتاف، والقضي على اليمين باليمين والشمال عند السلام، كحال تودد الكبار للأطفال، والانحناء عند السلام، واستعمال الألفاظ الرخوة المتخاذلة مثل سيدي، مولاي، ونحوها من ألفاظ الخدم". قال: "وانظر ما يقوله العلامة السلفي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الجزائري -رحمه الله- في البصائر، فإنه فائق السياق". وهذا تنبيه كما ذكر مهم. كما أن الشيخ -رحمه الله تعالى- نبه على أنه ينبغي للطالب أن يجل الشيخ وأن يعرف له قدره ويعرف له حرمته، نبه على أمر يقع فيه الناس، وكما قيل: "الناس في أبواب الخير بين الغالِ والجافي عنه، والوسط هم الموفقون"، من لم يكن جافياً ولم يكن كذلك متجافياً، بل كان وسطاً بين هذا وهذا، بين هذين الأمرين بين الإفراط والتفريط. فكما تقدم أن بعض الناس لا يراعي للشيخ حرمة ولا مكانة ولا إجلال، وطائفة أخرى في المقابل تغلو في الشيخ غلواً كبيراً، حتى أن بعضهم -كما هو حال المتصوفة- وكذلك من كان من أهل البدع من غلات الشيعة ونحوهم، تجدهم يبالغون في تعظيم الأكابر، هذا يقول: "سيدي، مولاي"، وهذا يلقبه بالآية "آية الله فلان"، وإذا تكلم معه تكلم بخضوع وانكسار وما شابه ذلك، وإذا سلم عليه انحنى وقبل اليد وقبل الأكتاف وما شابه ذلك، هذه من الأمور المذمومة. فآداب الطالب مع شيخه بين تلك الأخلاق وهذه الأخلاق، فينبغي أن يكون وسطاً، ينبغي للطالب أن يكون وسطاً بين هذا وبين هذا. قال الشيخ -رحمه الله تعالى-: "رأس مالك أيها الطالب من شيخك التاسع عشر"، قال: "رأس مالك أيها الطالب من شيخك"، أي ما هو رأس المال الذي هو رأس المال، وتعرفون أن أعظم ما يهتم به هو رأس المال، أما الربح فإنه يهتم به بعد الحفاظ على ما جعل رأس المال. فيقول الشيخ -رحمه الله تعالى-: "رأس مالك أيها الطالب من شيخك القدوة بصالح أخلاقه وكريم شمائله"، ينبغي لك أن تكون حريصاً على هذا المعنى، أن تكون كما قال: "القدوة تقتدي بماذا؟" قال: "بصالح أخلاقه"، إذا رأيت في أخلاقه صلاحاً في أمور فاقتدي به، إذا رأيته من أهل الزهادة، من أهل العبادة، من أهل التواضع، من أهل السكينة، من أهل الوقار، وما شابه ذلك من الأخلاق الحميدة فاقتدي به، وخذ منه هذه الطباع وهذه الأخلاق الحميدة والشمائل الكريمة. قال -رحمه الله تعالى-: "أما التلقي والتلقين فهو ربح زائد"، فهو ربح زائد. والناظر في حال كثير من الناس في أيامنا بل وفي أزمان قد مضت جعلوا الربح رأساً للمال، وجعلوا رأس المال مجرد ماذا؟ مجرد ربح، فانقلبت عندهم الأمور واختلطت عندهم الموازين. فالشيخ -رحمه الله تعالى- في هذا المقام يلمح إلماحة إلى أن رأس المال من مخالطة ومن مجالسة ومن ملازمة التلميذ للشيخ هو الاقتداء بصالح أعماله وكريم أفعاله، وأما العلم والتزود وأخذ العلم فهذا ربح زائد؛ لأن العبرة والمقصد من طلب العلم العمل، المقصد من طلب العلم العمل أن يعمل الإنسان بما علم، وأعظم ما يعمل به طالب العلم أن يظهر عليه سيمة الصلاح، وأن يظهر عليه أخلاق أخلاق العلماء وأخلاق من سار على سيرهم ومشى في دربهم. قال -رحمه الله تعالى-: "لكن لا يأخذك الاندفاع في محبة شيخك فتقع في الشناعة من حيث لا تدري"، وكل من ينظر إليك يدري تقع في شيء هو في حقك مشين وفي حقك من قبح ما هو؟ هذا الشيء يقول الشيخ: "فلا تقلده بصوت ولا نغمة"، لا يكون مخالطتك للشيخ يجعلك تتكلم بنفس كلامه بصوته وبنبراته وبغناته وما شابه ذلك. بل ينبغي للطالب أن يأخذ من شيخه مكارم الأخلاق، وأن تكون له شخصية قائمة به، لا يكون سمع الشيخ تأثر به فيكون يتكلم السامع لذلك المتكلم يظنه أنه ذلك الشيخ، وهذا يحصل بسبب ضعف عند كثير من الناس، وهذا الأمر كما سمعتم يشين ولا يزين. قال -رحمه الله-: "فلا تقلده بصوت ولا نغمة ولا مشية ولا حركة ولا هيئة"، قال: "فإنما صار شيخاً جليلاً بتلك"، فلا تسقط أنت بالتبعية له في هذا، يقول الشيخ -رحمه الله-: "فإنه إنما صار شيخاً جليلاً بتلك"، بماذا صار شيخاً كريماً؟ بتلك، ما هي الإشارة إلى ماذا؟ إلى الأخلاق الحميدة، وكذلك الشمائل الكريمة التي كان عليها الشيخ. لم يكن كريماً ولا جليلاً بسبب أسلوبه وكلامه ونغماته وحركاته وسكناته، وإنما كان وصل إلى ما وصل إليه من الخير بما آتاه الله جل وعلا من العلم، وبما آتاه الله جل وعلا من العمل بذلك العلم. لكن قد يطرأ وهذا كثير أن الطالب ربما مع كثرة مجالسته لشيخه يتأثر من حيث لا يشعر، فمثل هذا لا ضير، لكن أن يتعمد وأن يتقصد أن يتابعه في الحركات وفي السكنات وفي المشية وما شابه ذلك، فهذا مما يعاب على الطالب، بل ينبغي له أن يأخذ ما عليه الشيخ من مكارم الأخلاق وينتفع بها، عسى الله جل وعلا أن ينفعه بها في الدنيا والأخرى. والله أعلم، صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحابته أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

شاركنا على