كتاب الصلاة 19

الدرس في كتاب الصلاة 19، ألقاها

حكم الصلاة في أماكن خاصة

تناول المقطع حكم الصلاة في جوف الكعبة، حيث اختلف العلماء في صحة صلاة الفريضة فيها. كما تطرق إلى الصلاة في السفينة والطائرة، حيث اتفق العلماء على وجوب الصلاة قائمًا في الفريضة إذا أمكن ذلك.

أهمية تسوية الصفوف في الصلاة

يتناول المقطع أهمية تسوية الصفوف في الصلاة، مستندًا إلى أحاديث نبوية وأقوال العلماء. يُعد تسوية الصفوف من تمام الصلاة ويميز هذه الأمة عن غيرها.

شرح أحاديث تسوية الصفوف وتأثير فعل النبي

يشرح المقطع أحاديث نبوية حول تسوية الصفوف ويبين دلالاتها الشرعية. كما يصف تحرك النبي صلى الله عليه وسلم وتأثيره على غيره، حيث أقام راوي الحديث عن يمينه.

التفريغ النصي الكامل

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فقد كثرت مسألة حكم الصلاة في جوف الكعبة، فما حكم الصلاة في جوف الكعبة، الفريضة والنافلة؟ أما النافلة، فإنها تصح بلا خلاف، يعلم ذلك. وأما الفريضة، فوقع فيها الخلاف، فذهب الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما إلى جوازها، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن المعاصرين جماعة منهم العلامة العثيمين. واستدلوا على ذلك بما ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر، أنه سأل بلالًا وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة: أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ وقد كان خرج من جوف الكعبة، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل جوف الكعبة، ودخل معه بلال وأسامة بن زيد، وبقي عثمان بن طلحة عند الباب. فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم، قال عبد الله بن عمر: سألتم أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأشاروا إليها هنا، أي داخل الكعبة، في جوف الكعبة. فاستدل هؤلاء العلماء بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى في جوف الكعبة، وهذا يدل على جواز الصلاة النافلة، وكذلك على جواز صلاة الفريضة فيها. ولا فرق، إذ لا فرق بين العبادتين إلا بدليل يدل على الفرق. وكون النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في جوفها، مع أنه هو الذي أمر أصحابه بأن يستقبلوا القبلة، يدل على أن جوف القبلة أو الكعبة من القبلة. كما تقدم معنا فيما مضى، أن استقبال القبلة للمتنفل والمفترض، المتنفل المقيم والمفترض سواء، أنها شرط بإجماع. وضح هذا الأمر أم لا؟ فدل هذا على أن استقبال القبلة شرط للمتنفل، كما أنها شرط للمفترض. وكون النبي صلى الله عليه وسلم يصلي داخل جوف أو في جوف الكعبة، يدل على ماذا؟ على صحتها، وعلى أنه صلى مستقبلًا القبلة. يدل على أنه صلى مستقبلًا الكعبة، وأن الصلاة صحيحة. وما صح في صلاة النافلة، صح في صلاة الفريضة، ولا فرق. وهذا هو الصحيح. وذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى إلى أنها لا تصح، أي صلاة الفريضة في جوف الكعبة. واستدلوا له بقول الله عز وجل: ﴿وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾. قالوا: هذا لم يولي وجهه شطر المسجد، وشطر الكعبة، وإنما صلى في جوفها. وهناك مسألة فرعية عن هذه المسألة، هل يشترط لمن صلى في جوف الكعبة أن يصلي إلى شاخص منها؟ بمعنى أنه إذا صلى إلى غير شيء، أن صلاته صحيحة، كمن صلى في جوف القبلة أو في جوف الكعبة، وكان وجهه جهة الباب، والباب مفتوح إلى جهة الباب، والباب مفتوح، هل تصح صلاته أم لا؟ وقع خلاف في المسألة. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الصلاة ليست بصحيحة، أن الصلاة ليست بصحيحة. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ألا بد أن يصلي إلى شاخص من الكعبة، أي إما أن يعمل شيئًا يصلي إليه في داخل الكعبة، أو يصلي إلى بناء داخل الكعبة، أو ما شابه ذلك. فإن صلى إلى هواء، فإن صلاته لا تصح. وذهب آخرون إلى أنها تصح، وهذا اختيار ابن قدامة، وهذا اختيار ابن قدامة المقدسي. رحم الله الجميع. والأحوط، والله أعلم، أن يصلي إلى شاخص، خروجا من الخلاف. وهذا الذي اختاره العلامة العثيمين، وهو الأقرب، والله أعلم. بمعنى أن الأحوط أن يصلي إلى شاخص، أي يعمل شيئًا إذا صلى داخل جوف الكعبة، يصلي إلى أحد الجدران، إلى أحد الحيطان. أما إذا كان الباب مفتوحًا مثلا، وليس هناك بينه وبين الباب شيء يستره، فلا يصلي، وليصلي في مكان آخر، أو ينصب له شيء من قبلة، أي من داخل قبلة، فيصلي إليه. والله أعلى وأعلم. ومسألة أخرى متعلقة في صلاة الراحلة، وهذه المسألة تابعة لمسألة استقبال القبلة. فما حكم الصلاة في السفينة قائمًا، أو هل تصح الصلاة في السفينة إيماء أو قاعدًا مثل الراحلة؟ ذهب الشافعي وأحمد ومالك إلى أنه يجب عليه أن يصلي قائمًا، إلى أن عليه أن يصلي قائمًا. وهذا كما هو معلوم في صلاة الفريضة. أما النافلة، فيقول: أن يصلي إنسان قاعدًا، ولو كان في صحته، ولو كان في بيته. لكن الكلام هنا على صلاة فريضة. فذهب هؤلاء إلى أنه يجب أن يصلي قائمًا، لأن القيام باستطاعته، قالوا: إلا لعذر، لعذر كأن يكون يضطرب، تضطرب السفينة، بحيث أنه لا يستطيعه معها القيام، أو يخشى أن يحصل له ضرر بسبب القيام وحركة السفينة، أو ربما حصل له نوع من الدوران، وما شابه ذلك. قالوا: فلا بأس حينها أن يصلي قاعدًا. فالأصل أن يصلي قائمًا إلا لعذر، أن يصلي قائمًا إلا لعذر. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز القعود، إن كانت ساترة السفينة، إن كانت ساترة، يجوز له أن يصلي قاعدًا. والصحيح الأول، لأنه يصلي قائمًا، أن عليه أن يصلي قائمًا، لأن القيام ركن في الصلاة، فلا يسقط إلا لعذر. ولا عذر هنا، فإن العذر سقط عنه بحطبه. وما حكم الصلاة في الطائرة؟ هل هي مثل السفينة؟ الجواب: ما تقدم. في الفريضة، يستقبل القبلة. فإن كانت السفينة تتغير، ويستطيع أن يتحول معها، فعل. وإن لم يكن يستطع ذلك، فاتقوا الله ما استطعتم. وكذلك القول في الطائرة. إن صلى في الطائرة مثلا، مشت ساعات، فخشع، نسي خروج الوقت، مثلا دخل في صلاة الفجر، وطارت الطائرة قبل صلاة الفجر، واستمر الطيران، فخشع من خروج الوقت، ولا يعلم جهة القبلة بالضبط. فإن استطاع أن يصلي قائمًا في الطائرة، صلى قائمًا. وإلى أي جهة؟ إذا لم يستطع معرفة جهة القبلة تمامًا، فإن استطاع أن يستقبل القبلة، مثل رأى الشمس عن شماله تشرق، فتعرف ما دام عن شمال الشمس، إذن القبلة خلفي، فصلى جهة للجهة الأخرى، واجتهد في ذلك. وإن تحركت الطائرة، استطاع أن يدور معها بها، ونعمة. وإن كان لا يستطيع، فاتقوا الله ما استطعتم، فاتقوا الله ما استطعتم. وكذلك يصلي قائمًا إن استطاع، فإن لم يستطع فقاعدًا. إذا كان ليس هناك مثلا مكان يصلي فيه للضام، أو ما شابه ذلك، فيصلي على أي حال، يصلي على أي حال، ولا يترك الصلاة حتى يخرج وقتها. فإن كان هناك مكان يستطيع أن يصلي فيه، فيقوم ويركع ويسجد، فهذا هو الواجب. فالكلام في الطائرة كالكلام في السفينة. وذكر بعضهم أن الصلاة في الطائرة بعضهم قال: لا تصح، لماذا؟ قال: لأنه فيه هواء، ولأنه فيه هواء. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿جعلت الأرض لنا مسجدًا وطهورًا﴾، وهذا ليس في الأرض، بل هو في الهواء. والجواب: أنه حكمه حكم صلاة السفينة، الصلاة في السفينة. كيف في الأرض؟ ولا في البحر؟ هو في البحر، فحكمها حكمها. هذا يفصل بينه وبين الأرض ماء، وهذا يفصل بينه وبين الأرض هواء. وبعضهم ذكر، أجاب عليه بنفس جواب، فقال: هل تصلي يعني ما حكم الصلاة على السيارة؟ صلاة النافلة. قال: جائزة. واضحة. جماعة قال: جائزة. فقال: أنت من شرطك أن تصلي على الأرض، وأنت فوق السيارة. قال: السيارة متصلة بالأرض. قال: لا، فإن كفرات السيارة فيها هواء، تفصل بين السيارة وبين الأرض. واضحة. جماعة: هواء بين السيارة وبين الأرض، وبين الكفر وبين السيارة نفسها. قال: فما تقول؟ هذا ذكره الشيخ عطية سالم رحمه الله في بعض دروسه، يعني من الطرف الذي حصلت بينه وبين رجل من الحنفية مناظرة، ومناقشة لهذه المسألة، فأجاب بهذا الجواب. وأما الجواب الأول، فمن عندنا. والآخر من عند الشيخ عطية سالم. واضح. هذا الأخير يقول له: هواء، هذا هواء. فلماذا أجلت هذا؟ وما أجلت الأول؟ واضح. فإما أن يجل الجميع، وإما أن يمنع الجميع. قال رحمه الله تعالى: باب الصفوف، أي مدخل في الكلام على مسألة تسوية الصفوف، على مسائل الصف، على مسائل الصفوف، وحكم تسوية الصفوف، وإكمال الصف. وإن يصلي الإنسان إن كان مع إمام، منفردًا، أي إذا كان مع الإمام منفردًا. وإذا كان معه أناس، فالباب ها هنا باب، ومدخل الكلام على مسائل الصفوف، وتسوية الصف، ونحوها. والمراد بالصفوف، صفوف التي هي صفوف الملائكة، أو صفوف التي خلف الإمام. وقد ذكر العلامة ابن رجب رحمه الله تعالى، الحنبلي، كلامًا لطيفًا، فقال: واعلم أن الصفوف في الصلاة مما خص الله به هذه الأمة، وشرفها به، أشبه بذلك صفوف الملائكة في السماء. قال: أي عن الملائكة، قال الله عز وجل عن الملائكة، أو قال: كما أخبر الله عنهم، قالوا: ﴿وإنا لنحن صافون﴾، أي الملائكة. وفي صحيح مسلم، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ﴿فضلنا على الناس بثلاث، جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة﴾، جعل صفوفنا كصفوف الملائكة. وفيه عن جابر، وفيه عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ﴿ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها﴾، فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: ﴿يتمون الصفوف الأولى، ويتراصون في الصف، ويتراصون في الصف﴾. فهذه الأحاديث مع ما تقدم، يدل على أن تسوية الصفوف، خصيصة لهذه الأمة، امتازت بها عن سائر الأمم، كما هو واضح في الحديث الأول، الذي هو حديث حذيفة، بقوله: ﴿فضلنا على الناس﴾، فضلنا على الناس بثلاث، جعل الصفوف هناك صفوف الملائكة، أي مستوية، ومعتدلة، كما بيّن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، في الحديث الآخر، حيث قال: ﴿يتمون الصفوف﴾، أي يتمون الصف الأول فالأول، قال: ﴿ويتراصون في الصف﴾، صفوفهم كذلك متراصة، لا وجاج فيها، ولا خلل. وقال الإمام ابن عبدالبر رحمه الله تعالى: وأما تسوية الصفوف في الصلاة، فالآثار فيها متواترة، من طرق شتى، صحاح، كلها ثابتة، في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسوية الصفوف، وعمل الخلفاء الراشدين بذلك بعده. وهذا مما لا خلاف فيه، أو لا خلاف بين العلماء فيه. فهذا مما يبين فضل تسوية الصفوف، وأنها خصيصة لهذه الأمة، امتازت بها عن سائر الأمم. فهذا يدل على عظيم هذه الشعيرة، وهذه العبادة، التي قد لا يتفطن لها كثير من الناس. عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة﴾. عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿سووا صفوفكم﴾. وهذا الأمر، وهذا لفظ الأمر، سووا، فعل أمر، والأصل في الأمر أنه الوجوب، والأصل في الأمر أنه للوجوب. وهذا مما استدل به من استدل على وجوب تسوية الصفوف. وسيأتي الكلام على هذه المسألة بإذن الله عز وجل. قال: ﴿فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة﴾، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة. قوله: ﴿فإن تسوية الصفوف﴾، هذا كالتعليل، كالتعليل للحكم. واستدل من استدل بهذه، أو بهذا الحديث أيضًا، على أن تسوية الصفوف من الأمور المستحبة، وليست بواجبة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة﴾، أي أن الصلاة بها تكمل، وتعظم، ويغفر أجرها. قالوا: هذا يدل على الفضيل، والندب، ولا يدل على الفرضية، والوجوب. وهذا محل نظر. إذ أن القائلين بأن تسوية الصفوف واجبة، لا يقولون بأنه واجب في ذات الصلاة، ولكنه واجب منفصل في صلاة الجماعة. فمن ترك هذا الواجب، تعمدًا، أثم، وصحت صلاته، أثم، وصحت صلاته، ولكن ثوابه يقل، بحسب ذلك الإثم. عن نعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿لتقوموا صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم﴾. ولمسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا، حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أن قد عقلنا عنه. ثم خرج يومًا، فقام حتى كاد أن يكبر، فرأى رجلًا باديا صدره، فقال: ﴿عباد الله، لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم﴾. قوله: ﴿لتقوموا صفوفكم﴾، اللام ها هنا، كما يقول أهل العلم، واقع في جواب القسم. والتقدير: والله لتقوموا صفوفكم. وكذا القول: ﴿أو ليخالفن الله﴾، كذلك اللام فيها، واقع في جواب القسم. والتقدير: والله، فوالله لا يخالفن الله بين وجوهكم. واستدل بهذا الأمر، ما استدل كذلك من أهل العلم، على وجوب تسوية الصفوف في الصلاة، إذ أن هذا الحديث، أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، بثلاثة مؤكدات. الأول: القسم، في قوله: يعني في المقدر، والله. الثاني: اللام، لام القسم، أيضًا تدل على هذا المعنى. الثالث: أو اللام، وقع كذلك، أو القسم، لام القسم. الأمر الأول: لام القسم. والأمر الثاني: فعل الأمر، في قوله: سووا، لا تسووا. الأمر الثالث: نون التوكيد. فهذه ثلاثة مؤكدات، تدل على الأمر، وتقوي الأمر. الأول: القسم. والثاني: الأمر، صيغة الأمر. والثالث: نون التوكيد. فهذه ثلاث مؤكدات، تدل على عظيم هذا الأمر. وأيضًا دليل، وقرينة رابعة، في قوله: ﴿أو ليخالفن الله بين وجوهكم﴾. وهذا كما ترون، فيه وعيد شديد، فيه وعيد، بمخالفة الوجوه. ومخالفة الوجوه، بمعنى أن يكون لكل واحد جهة، لكل واحد جهة، ورأي. وهذا يؤدي إلى الاختلاف، وإلى اختلاف القلوب، واختلاف الأبدان، وإلى حصول ما يحصل من الفرقة، والخصومات، وما يتبع ذلك من المفاسد. كل هذا بسبب ماذا؟ بسبب الإخلال في تسوية الصفوف. لذا استدل، كما سمعت، من استدل من أهل العلم، على وجوب ذلك، على وجوب تسوية الصفوف، وعلى إثم من لم يسو الصف، على إثم من لم يسو الصف. وقوله: ولمسلم: ﴿كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا، حتى كأنما يسوي بها القداح﴾، يسوي صفوفنا. قوله: ﴿كان رسول الله يسوي﴾، فعل مضارع، وسبق بكان، فهذا يفيد الاستمرار، والديمومة، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان دائمًا يفعل، وهو مستمر على هذا الفعل، يسوي الصفوف. قال: ﴿حتى كأنما يسوي بها القداح﴾، والقداح معروفة، هي خشب السهام، حين تنحت، وتبرأ. فقال لها: قداح. حتى رأى أن قد عقلنا عنه، أي حتى ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم، بكثرة بسبب كثرة ذلك، واستمرار ذلك، حتى علم، أو ظن أن الصحابة قد فهموا ذلك الأمر، فكانوا يستوون مباشرة. ثم خرج يومًا، فقام حتى كاد أن يكبر، فرأى رجلًا باديا صدره، فقال: ﴿عباد الله، لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم﴾. عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: أن جدته مليكة، دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام، صنعته له، فأكل منه، ثم قال: ﴿قوموا فلأصلي لكم﴾. قال أنس: فقمت إلى حصير لنا، قد سود من طول ما لبس، فرضخته بماء، فقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصل لنا ركعتين، ثم انصرف. قوله رضي الله عنه وأرضاه: أن جدته مليكة، وهي أنصارية، رضي الله عنها وأرضاها، وهي جدته من جهة أمه. قال: دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام، صنعته له. وهذا يدل ما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إكرامهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: صنعته، يدل على أن المرأة هي التي تقوم بصناعة الطعام، وتجهيده. وعلى هذا جرى الأولون والآخرون، من هذه الأمة، فالعمل مستقر من أن أعمال البيت من شأن المرأة. قال: فأكل منه، وهذا يدل كذلك على تواضع النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى خفض جناحه للمؤمنين، إذ أنه يستجيب للصغير إذا دعاه، والكبير إذا دعاه، ولا يفرق بين امرأة عجوز، أو رجل شاب، أو إنسان كبير. بل الكل عنده في منزلة من الاحترام، والإجلال. وإن كان بعضهم أفضل من بعض، وبعضهم أجل من بعض، باعتبار ما هو عليه من الدين، لا باعتبار ما هو عليه من الدنيا. فقوله: فأكل منه، كما سمعتم، يدل على تواضع النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يأكل من الطعام إذا دعي إليه، ولا يفعل كما يفعل بعض المتكبرين. قال: ثم قال: ﴿قوموا فلأصلي لكم﴾، أي لأصلي لكم صلاة في مكان، ينفع الله عز وجل، ينفعكم الله عز وجل بها. فأشار إليه أن يصلي إليهم في مكان، فصلى خلفه أنس، وكذلك اليتيم، يقال: إنه أخ صغير لأنس. قال: والعجوز خلفنا، وصففت أنا واليتيم وراءه. وهذا استدل به من استدل من أهل العلم، على أن الصف إذا كان من اثنين فصاعدًا، فإنه لا يكون على جانب الإمام، ولكن يكون من خلف الإمام. وأيضًا استدل به على أن صف النساء يكون خلف صف الرجال، ولو كانت امرأة واحدة. وأيضًا على جواز صلاة المرأة منفردة خلف الصف. ولمسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى به وبأمه، أو خالته، قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا. هذا يحمل على أنها رواية أخرى، أو أنها حادثة أخرى. فيكون أنس وخالته، أو أنس وأمه، فصل أنس إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا إذا كان الإمام معه مأموم واحد، منفرد، فإن المأموم يصلي إلى جانب الإمام، فإن المأموم يصلي إلى جانب الإمام، من جهة اليمنى، كما يأتي في الحديث الذي يليه. عن ابن عباس رضي الله عنه، ما قال: بيت عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي، فأقامني عن يمينه. قوله: بيت عند خالتي ميمونة، في إباحة أن ينام الولد عند خالته، والخالة بمنزلة الأم. وأيضًا جاء في بعض الروايات: أنه نام بنفس الوسادة، الذي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالته ميمونة. قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، وهذا كان دأبه صلى الله عليه وسلم، وغالبًا ما كان يصنع ذلك، أنه يصلي من جوف الليل، أو في جوف الليل. قال: فقمت عن يساره، أي أن ابن عباس توضأ، فقام يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصل إلى يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فأخذ برأسي، فأقامني عن يمينه. وجاء في بعض الروايات: أخذ برأسي، وفي بعض: أخذ بأذني. قال: فأدارني من خلفه، فجعلني عن يمينه. فاستدل به من استدل من أهل العلم، على أن الإنسان إذا صلى، وصلى معه رجل مأمومًا، فإنه يقف عن يمينه. وأنه إذا وقف عن شماله، فإنه يحوله من شماله إلى يمينه. واستدل أيضًا به على أن الحركة اليسيرة لا تضر الصلاة، إذا كانت لأجل الصلاة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم تحرك، حيث أنه أدار ابن عباس من خلفه، وكذلك حرك ابن عباس، فأداره من خلفه. فوقع من فعله، كما ترون، أنه تحرك، وحرك غيره، صلى الله عليه وسلم. فقال: فأقامني عن يمينه، وهذا موافق للحديث السابق، في حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه.

شاركنا على