الدرس في كتاب الطهارة 24، ألقاها
يتناول المقطع أحكام الطواف لمن وجب عليه الغسل، ويبين آراء أهل العلم المختلفة حول هذه المسألة. يشرح أن الحائض لا يجوز لها الطواف حتى تطهر وتغتسل.
التيمم رخصة من الله لعباده، ودليل مشروعيته من القرآن والسنة والإجماع. يُشترط للتيمم وجود أسباب مبيحة له، وقد ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة والإجماع.
التيمم يباح عند العجز عن استعمال الماء، ويشترط لصحة التيمم النية، الإسلام، العقل، والتمييز. النية تكون لرفع الحدث وليس فقط لإباحة الصلاة.
المقطع يتضمن الدعاء لله تعالى بالتسبيح والاستغفار، ويعبر عن التوبة والاعتراف بذنوب العبد، ويطلب العفو والمغفرة من الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، كان آخر ما أخذنا في الدرس الماضي. على المسألة الرابعة، أخذنا المسألة الرابعة من مسائل الغسل، وهي الأحكام المتعلقة على من وجب عليه الغسل، ومررنا عليها مروراً سريعاً؛ لأن مسألة مسح المصحف تقدم الكلام عليها، وكذلك مسألة قراءة القرآن للجنب قد تقدم الكلام عليها، وأن الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجوز، وهو خلاف الأولى. وقوله رحمه الله تعالى: «أو قولهم: ويحرم عليه أيضاً الصلاة»، تقدم معنا أن هذا واضح جلي، وهو مما لا خلاف فيه؛ فقد دل على هذا الكتاب والسنة والإجماع. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، وقال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. قال: «الخامس: الطواف بالبيت». والطواف بالبيت بمعنى أن الطواف بالبيت لمن وجب عليه الغسل واجب؛ ففي حق الحائض، أنه لا يجوز لها أن تطوف بالبيت حتى تطهر من حيضها وتغتسل. يدل على هذا ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها، في قول النبي صلى الله عليه وسلم لها حينما حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري». ويدخل فيه كذلك حتى تغتسل؛ تطهر فتغتسل، ثم تقوم بالطواف. وهذا القول هو قول جماهير أهل العلم؛ أي أن المرأة الحائض لا يجوز لها الطواف بالبيت حتى تطهر. ورخص فيه طائفة من المالكية، قالوا: إلا إذا لم تحتبس لها الرفقة، فلها أن تطوف للإفاضة حينئذ. وهذا القول الأخير هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله، وكذلك من المعاصرين العلامة العثيمين رحمه الله. بمعنى أن المرأة إذا لم تطف الإفاضة وكانت حائضاً وقررت رفقتها السفر، وخشيت أن لا تجد رفقة - كما هو حال الحملات اليوم، حملات الحج يقررون السفر في زمن معين - فإذا كان الأمر كذلك، فلا يخلو حال هذه المرأة من واحد من ثلاثة أمور: إما أن ترجع مع رفقتها من غير طواف إفاضة، فيجب عليها حينها أن تبقى على إحرامها إلى العام المقبل، أو إلى سفرة أخرى إلى البيت الحرام، وهذا فيه مشقة ظاهرة وحرج. والمشقة تجلب التيسير. الحالة الثانية: إما أن ترجع مع رفقتها، وإما أن تتخلف عن رفقتها مع محرمها حتى تطهر فتطوف. وهذا إن لم يكن فيه ضرر عليهم بالبقاء، ولا حرج عليهم، فهو الواجب؛ يعني إن لم يكن هناك ضرر. تعرفون هذه الأيام، بل وقبل هذه الأيام، يعني في هذه الأيام صارت مدة محدودة، من تجاوزها يحصل لهم ما يحصل من المخالفات والمشاكل إلى غير ذلك. أو أنهم إذا فارقوا الرفقة ربما يمرون بطرق وعرة، أو فيها بعض قطاع الطرق، أو غير ذلك من الأمور التي يخشون على أنفسهم منها. فإن أمن الطريق وكان هناك المحرم، فالواجب أن يتأخر معها حتى تطوف؛ هذا هو الواجب. فإن لم - يعني إن كان المحرم معها، ولكن يخشون من مشقة الطريق - يعني ما معهم رفقة، أو كان في الطريق مثلاً شرور وأضرار إن ساروا بأنفسهم، أو نفدت عليهم النفقة، أو إذا تأخروا حصل عليهم بعض المشقة وبعض الأتعاب، ففي مثل هذه الحال ترجع المسألة إلى الحالة الثالثة، وهي التي اختارها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، بأن قال: بأنهم إذا وصلوا إلى هذه المرحلة - أي إما تتخلف عن رفقتها مع محرمها حتى تطوف - وكما سمعتم، هذا إن لم يكن فيه ضرر عليهم بالبقاء، ولا حرج عليهم، فهو الواجب. فإن لم يستطيعوا - إما لانتهاء النفقة، أو حصول الضرر بتخلفهم عن الرفقة - إما بأن تترتب عليهم عقوبات بسبب التخلف، أو خشية قطاع الطرق، أو غيرها من الأضرار المتيقنة أو الراجحة، فيبقى الأمر الثالث، وهو ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله: «أن تستأذن المرأة وتطوف»، وهي حائض، ويكون هذا من باب الضرورات. ويكون هذا من باب الضرورات، وكما قيل: «الضرورات تبيح المحظورات». والله تعالى أعلى وأعلم. قالوا: «كما سبق بيان ذلك عند الكلام على مسألة ما يجب له الوضوء من الباب الخامس». وقد تقدم الكلام على هذه المسألة. قالوا: «الباب الثامن في التيمم، وفيه مسائل». التيمم لغة: القصد، يقال: قصدت البيت أو تيممت البيت، أي قصدته. وتيممت المسجد، أي قصدته. وهكذا. وشرعاً قالوا: «مسح الوجه واليدين بالصعيد الطيب على وجه مخصوص، تعبداً لله تعالى». هذا تعريفه لغة وشرعاً. قالوا: «المسألة الأولى: حكم التيمم ودليل مشروعيته». قالوا: «التيمم مشروع، وهو رخصة من الله عز وجل لعباده، وهو من محاسن هذه الشريعة، ومن خصائص هذه الأمة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيِكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «صعيد الطيب كافيك، وإن لم تجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك». والحديث كما ذكر في التخريج رواه أبو داود والترمذي. قالوا: صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الإرواء. والحديث جاء من حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي ذر. ولا يقلم شيء من طرقها مما قيل، لكن الحديث بمجموع طرقه يتقوى ويرتقي إلى الحسن. والله تعالى أعلى وأعلم. والشاهد منه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صعيد الطيب كافيك، وإن لم تجد الماء عشر حجج»، أي عشر سنين. «فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك»، أي فاستعمل الماء واستخدم الماء، واترك التيمم. قالوا: «ولقوله صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً». والحديث متفق عليه، كما في حديث جابر وغيره. قال: «وقد أجمع أهل العلم على مشروعية التيمم إذا توافرت شرائطه، وأنه قائم مقام الطهارة بالماء؛ فيباح به ما يباح بالتطهر بالماء، من الصلاة والطواف وقراءة القرآن وغير ذلك». طيب. قوله: «ما قد أجمع أهل العلم على مشروعية التيمم إذا توفرت شرائطه». أما بالنسبة للطهارة الصغرى، فهو كما قيل: لا خلاف بين أهل العلم في ذلك. وأما بالنسبة للحدث الأكبر، فوقع فيه خلاف يسير عند بعض المتقدمين. وقيل: إنه تراجع عن رواية عن عمر، وعن ابن مسعود: أنهما كانا لا يريان التيمم من الجنابة. ولكن قيل: إنهما رجعا. أما ابن مسعود، فظاهر كما في صحيح البخاري. وأما عمر رضي الله عنه أرضاه، فالأمر محتمل؛ لأنه حينما حصل منه نقاش لعمار بن ياسر، حينما أخبرهم بقصته - تيممه هو - عمر حينما تمرغا في التراب - ما تمرغا الدابة - فقال له عمر: «نحملك أو نوليك ما توليت؟!» أو كما قال. فشدد بعض أهل العلم، قالوا: إنهما تراجعا. فإن تراجعا، فالأمر كما يقال: متفق عليه؛ فيكون لا خلاف في المسألة. قالوا بذلك ثبتت مشروعية التيمم بالكتاب والسنة والإجماع. المسألة الثانية: شروط التيمم والأسباب المبيحة له. قالوا: «يباح التيمم عند العجز عن استعمال الماء؛ إما لفقده، أي لفقد الماء، أو لخوف الضرر من استعماله؛ لمرض في الجسم، أو شدة برد». لحديث عمران بن حسين: «عليك بالصعيد الطيب؛ فإنه يكفيك». والحديث كما ذكر في التخريج متفق عليه، وتقدم في ما مضى معنا من دروس، في قصة الرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «عليك بالصعيد الطيب؛ فإنه يكفيك». قالوا: «ويصح التيمم بالشروط الآتية: أولاً: النية، وهي نية استباحة الصلاة». قالوا: «والنية شرط في جميع العبادات، والتيمم عبادة». طيب. أما بالنسبة للنية في التيمم، فهذا هو القول الصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم، وروي عن الأوزاعي، وعن الحسن بن صالح بن حي: أنهما يقولان: «إن النية في التيمم ليست بشرط». وكذا روي عن زفر من الحنفية. والصواب الذي عليه أكثر أهل العلم: لعمومات الأدلة في وجوب النية، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». هذا أمر. والأمر الثاني في قولهم: «النية، وهي نية استباحة الصلاة». هذا قول لبعض أهل العلم. والقول الآخر، وهو الأرجح: «أن النية أي نية التيمم لرفع الحدث؛ نية التيمم لرفع الحدث، لا لإباحة الصلاة فقط، بل لرفع الحدث». وهذا القول عليه طائفة من السلف، وهو قول أبي حنيفة وأحمد في رواية، واختيار ابن حزم في المحلى، وكذلك اختاره ونصره وأيده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وقال: «ويدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار»، أي والقياس. واستدل من الكتاب بقول الله جل وعلا في آية التيمم: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾؛ فهو مطهر وطهارة. «ولكن يريد ليطهركم»، فهو رافع للحدث، لكن رفعاً مؤقتاً إلى أن يجد الماء أو يقدر على استخدامه. وكذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «جعلت لها الأرض مسجداً وطهوراً». إذن التيمم ماذا؟ طهور، مطهر يحصل به الطهارة كما يحصل بالماء؛ يحصل به الطهارة كما يحصل بالماء. وذكر أدلة كثيرة في هذا المعنى. فالحاصل من هذا أن النية هي نية رفع حدث إلى وقت، وهو إما وجود الماء لمن كان فاقداً له، وإما القدرة على استخدامه لمن لم يكن قادراً على استخدامه مع وجوده؛ وذلك لأن التيمم إنما كان بدلاً عن الوضوء، أي عن الماء. فإذا وجد الماء أو قدر عليه، ارتفع البدل ورجع إلى الأصل؛ رجع إلى الأصل. إذا قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾؛ فإن لم تجدوا ماء فتيمموا، فإذا وجد الماء، بطلت التيمم. الثاني: الإسلام؛ فلا يصح من الكافر؛ لأنه عبادة. الثالث: العقل؛ فلا يصح من غير العاقل؛ كالمجنون والمغمى عليه؛ لأنهم ليسوا من أهل التكليف. الرابع: التمييز؛ أي أن يكون مميزاً؛ عاقلاً يعقل ما يفعل. قالوا: «فلا يصح من غير المميز»، وهو من كان دون السابعة. والأولى أن يقال: «فلا يصح من غير المميز؛ سواء كان في السابعة أو كان قبلها أو بعدها». ولعلهم حددوا بالسابعة بناء على حديث: «مروا أبناءكم بالصلاة أبناء سبع». لكن قد ثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن سلمة: «أنه صلى بأصحابه وهو ابن ست، أو سبع سنين». فالحاصل أن فيه إشارة إلى أن من كان مميزاً؛ سواء كان ابن ست أو كان ابن سبع، فإنه يصح منه الوضوء والصلاة، وكذلك يصح منه التيمم. فإذا قولهم: «التمييز؛ فلا يصح من غير المميز»؛ من غير المميز صواب. والتحديد بسبع يكون قيداً أغلبياً؛ يكون قيداً أغلبياً. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.