الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 110، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يبدأ الدرس بتعريف تعارض الأدلة الشرعية وأنواعه، ويشرح كيفية التعامل مع النصوص المتعارضة. يتم توضيح أربعة أنواع من التعارض بين النصوص.
يناقش المقطع مفهوم المطلق والمقيد في أصول الفقه، ويشرح كيفية التعامل مع النصوص المطلقة والمقيدة، مع تقديم أمثلة من الأحاديث النبوية.
يتناول المقطع حالات حمل المطلق على المقيد في القرآن والسنة، ويشرح أربع حالات مختلفة تتعلق باتفاق أو اختلاف السبب والحكم، مع أمثلة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
ينتهي المقطع الأخير بالدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام والبركة، ويشمل آل بيته وصحابته، معبراً عن التبريك والتحية للنبي وفق التقاليد الإسلامية.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس الماضي أنواع تعارض الأدلة، وأنها على أربعة أنواع. النوع الأول: أن يتعارض نصان عامان، فهذا له أربع حالات. الحالة الأولى: أن يحمل أحدهما على الآخر، إذا لم يمكن العدول إلى النسخ. إذا علم المتأخر، إذا لم يعلم، يعدل إلى الترجيح. إذا لم يترجح شيء، التوقف. النوع الثاني: أن يتعارض نصان خاصان، فإما أن يحمل أحدهما على الآخر، أو النسخ، أو الترجيح، أو التوقف. النوع الثالث: أن يتعارض نص عام مع نص خاص. فما العمل في هذا؟ أن يحمل العام على الخاص، الخاص يخصص العام. مثلا قوله عليه الصلاة والسلام: «فيما سقت السماء العشر»، هذا الحديث عام، أن العشر في كل ما يخرج من الأرض إذا كان بسقي المطر والسيول. هذا فيه العشر في القليل والكثير، ولو كان قليلا. جاء حديث خاص قال عليه الصلاة والسلام: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، هذا الحديث الخاص مخصص ذلك الحديث العام. ومعناه أنه لا زكاة في الخارج من الأرض فيما دون خمسة أوسق، وإنما الزكاة إذا بلغ خمسة أوسق. الوسق ستون صاعا، خمسة أوسق ثلاثمائة صاع، إذا كان الخارج من الأرض ثلاثمائة صاع، ففيه الزكاة. أقل من ثلاثين صاعا لا شيء فيه. النوع الرابع من أنواع تعارض الأدلة: أن يتعارض نصان أحدهما أعم من وجه من الآخر. أحدهما أعم من وجه وأخص من وجه، هو عام من وجه وخاص من وجه آخر. ما العمل في النصين الذين أحدهما أعم من وجه وأخص من وجه؟ هذا له ثلاث حالات. الحالة الأولى: أن يدل الدليل على ترجيح عموم أحد هذين النصين. أن يدل دليل على ترجيح عموم أحد هذين النصين، فيعمل بالدليل. إذا لم يعلم دليل في ترجيح أحد عموم هذين النصين، فإنه يعدل إلى الترجيح. ترجيح أحد هذين النصين. إذا لم يمكن الترجيح، حالة ثالثة: يعمل بالنصين في حال عدم تعارضهما. يعمل بهذا النص وبهذا النص، لكن في الحالة التي لا تعارض فيها بينهما، ويتركان في الحالة التي يوجد فيها التعارض بينهما. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، هذه الآية نص عام في كل من توفي عنها زوجها، بأن عليها أن تعتد أربعة أشهر وعشرا. هذا نص عام. نص آخر قال الله جل وعلا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن، هذا نص عام كذلك في كل حامل، أنها أن عدتها بوضع الحمل. عدتها بوضع الحمل، وهو عام في كل امرأة حامل متوفى عنها زوجها. إذن عندنا تعارض الآن. عندنا تعارض بين نصين، عموم حديهما من وجه وخصوص حديهما من وجه آخر. في هذه الحالة، كما تقدم معنا هذا النوع، وهذه الصورة التي فيها تعارض بين نصين، عموم حديهما من وجه وخصوص حديهما من وجه، فيه ثلاث حالات. الحالة الأولى: هل دل الدليل على ترجيح أحد عموم هذين النصين الآخر؟ إذا وجد دليل أخذ به. وهذا قد دل فيه الدليل، وهو أننا نعمل بعموم قوله جل وعلا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، لأنه قد ثبت في الصحيحين من حديث سبيعة الأسلمية رضي الله تعالى عنها، أن زوجها توفي عنها وهي حامل، ووضعت بعد وفاة زوجها بليال، فخطبت، فجاءت للنبي عليه الصلاة والسلام، فأذن لها أن تتزوج بعد ليال من وفاة زوجها. أين العدة؟ عدتها بوضع الحمل، ولو بلحظات. لو توفي زوجها الساعة الخامسة، يجوز لها أن تتزوج الساعة الخامسة وربع وعشر دقائق، ولو بلحظات إذا وضعت. الحالة الثانية في هذه الصورة من صور تعارض الأدلة، إذا ورد نصان أحدهما عام من وجه وخاص من وجه، أن يعدل إلى الترجيح. إذا لم يوجد دليل على ترجيح عموم أحد هذين النصين الآخر، يعدل إلى الترجيح. مثلا قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، هذا الحديث فيه النهي عن الجلوس في المسجد لمن دخل حتى يصلي ركعتين. حديث آخر: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس»، فنهى النبي عليه السلام عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر. طيب دخل الإنسان للمسجد بعد صلاة الصبح، ماذا يفعل؟ هل يصلي ركعتين أو لا يصلي؟ على حديث «لا يجلس حتى يصلي ركعتين» يصلي، وعلى حديث «لا صلاة بعد الصبح» لا يصلي. إذن تعارض. في هذه الحالة يرجح بين النصين. الترجيح بأن يقال: الصلوات ذوات الأسباب يجوز أن يصلي الإنسان فيها ذوات الأسباب. دخول المسجد سبب يصلي ركعتين. قال رحمه الله تعالى: والمطلق يحمل على فحوى مقيده، وخص ما علم بالتخصيص. إذ تجدوا بعد أن ذكر مبحث تعارض الأدلة، ذكر هنا مبحثا آخر، وهو المطلق والمقيد. المطلق والمقيد كذلك من مباحث أصول الفقه. المطلق لغة هو ما دل على الحقيقة بغير قيد. المطلق نقول في اللغة: المطلق ضد التقييد. هذا قيد، وهذا أطلق. فالإطلاق ضد التقييد لغة. المطلق ضد المقيد. والمطلق اصطلاحا: هو ما دل على الحقيقة بغير قيد. دل على الحقيقة بغير قيد. والمقيد ضد المطلق، وهو اصطلاحا: ما دل على الحقيقة بقيد. عكس المطلق. الأصل العمل بما جاء في النص من إطلاق، هذا هو الأصل، إلا إذا دل التقييد. إذا دل دليل أنه مقيد، فإنه يقيد. لكن ليس كل نص مطلق يقيد، وإنما المطلق يقيد في حالات. في المطلق والمقيد أربع حالات. حالة لا خلاف بين العلماء فيها في حمل المطلق على المقيد، وأنه يحمل المطلق على المقيد لا خلاف بين العلماء في هذا. وهو إذا اتفق السبب والحكم، اتفق السبب والحكم يحمل المطلق على المقيد. مثال على هذا: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يكلمهم ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». طيب من هؤلاء الثلاثة الذين لهم هذا الوعيد؟ جاء حديث آخر عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو في الصحيح، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه». في الحديث السابق: المسبل، والمسبل الذي جر ثوبه مطلق في كل من أسبل. الحديث الأول مطلق في كل من أسبل، في كل من جر ثوبه. وعيده: لا يكلمه الله، لا ينظر إليه، وله عذاب أليم. الحديث الثاني قيد: جر الثوب بخيلاء. قيد جر الثوب بخيلاء. فهل نحمل المطلق على المقيد؟ الجواب: نعم يحمل المطلق على المقيد. حالة ثانية أيضا لا يحمل فيها المطلق على المقيد بلا خلاف، قولا واحدا. لا يحمل. مثلا قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، جزان بما كسبا. فيه الأمر بقطع يد السارق. قال الله جل وعلا في آية الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، في قطع اليد اليد أطلقت: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وفي الغسل: ﴿فَاغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. طيب هل يحمل هنا المطلق على المقيد؟ الجواب: لا لا يحمل. لماذا؟ لاختلاف السبب والحكم. لاختلاف السبب والحكم. قطع اليد هناك في السرقة، وهنا إلى المرافق في الغسل. فالسبب مختلف والحكم مختلف. لا تقطع يد السارق من المرفق. نقول: لأن اليد قيدت في آية الوضوء إلى المرافق. نقول: لا. السبب مختلف والحكم مختلف. حالتان حصل فيهما الخلاف: هل يحمل فيهما المطلق على المقيد أم لا؟ إذا اتفق السبب واختلف الحكم. مثلا في آية التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ﴾، وفي آية الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. السبب واحد، وهو في رفع الحدث. يتيمم ليرفع الحدث، ويتوضأ للطهارة لرفع الحدث. لكن الحكم مختلف. الحكم اختلف. هذا في التيمم، وهذا في الوضوء. في الطهارة. فعلى الصحيحة من قوة العلماء لا يحمل. فلا يتيمم إلى المرفقين، خلافا للشافعية. خلافا لكثير من الشافعية، فإنهم يقولون بالتيمم إلى المرافق. الحالة الرابعة والأخيرة: يتفق الحكم ويختلف السبب. الحكم واحد والسبب مختلف. في آية الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، وفي آية كفارة القتل الخطأ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، وفي كفارة الأيمان: تحرير رقبة. الرقبة أطلقت في بعض المواضع، تحرير رقبة مؤمنة قيدت بالإيمان. رقبة مؤمنة. هل يحمل المطلق على المقيد أم لا؟ هذه الصورة اتفق فيها الحكم. كله في الكفارة. كله تحرير الرقبة. الحكم واحد. السبب مختلف. هذا في الظهار، وهذا في كفارة قتل الخطأ، وهذا في الأيمان. لكن الحكم واحد. إذا اتفق الحكم واختلف السبب، يحمل المطلق على المقيد على الصحيح من أقوال العلماء. فتقيد الرقبة بالإيمان. إلا أن بعض العلماء أجاز عتق الرقبة الكافرة عند عدم وجود المؤمنة. وأما الحنفية فيجيزون عتق أي رقبة. يأخذون بالمطلق. لكن الصحيح أن الرقبة قيدت. وفي حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه في صحيح الإمام مسلم، لما أراد أن يعتق تلك المرأة بعد أن ندم، قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». هذا فيه إشارة إلى أن العتق للرقبة المؤمنة. إذن عندنا أربع حالات. حالة لا خلاف في حمل مطلق على المقيد فيها. وحالة لا خلاف في عدم حمل مطلق على المقيد. وحالتان فيهما خلاف. وهذا الراجح في هاتين الصورتين. ونكتفي بهذا. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.