كتاب الحج 8

الدرس في كتاب الحج 8، ألقاها

فدية المحظورات في الإحرام وأمثلتها

تطرق المقطع الأول إلى فدية المحظورات في الإحرام مثل حلق الشعر وتقليم الأظفار ولبس المخيط، مبينا أنها تكون على التخيير بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاه. كما استدل بحديث كعب بن عجرة رضي الله عنه في ذلك.

ضابط الصيد وفدية قتله للمحرم

ناقش المقطع الثاني ضابط الصيد الذي يوجب الفدية عند قتله للمحرم، موضحا شروط اعتبار الحيوان صيدا وكيفية تحديد الفدية إما بذبح المثل من النعم أو تقويم المثل بمحل التلف. واستند في ذلك إلى القرآن الكريم وأحكام النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة.

محظورات الإحرام وفديتها وتفاصيلها

تناول المقطع الثالث محظورات الإحرام في الحج وفديتها مثل الوطء قبل التحلل الأول وقطع شجر الحرم وعقد النكاح وقتل الصيد. وأوضح الأحكام والفروق بين الحالات المختلفة والآثار المترتبة عليها.

حكم الخطأ غير المتعمد في الإحرام

أوضح المقطع الرابع حكم الخطأ غير المتعمد في الإحرام، مبينا أن القول الراجح هو عدم المؤاخذة عليه استنادا إلى رأي شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من المحققين، لأن عدم التعمد يبرر عدم المسؤولية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد: المسألة الثانية، أي من مسائل الباب الثالث في المحظورات والفدية والهدي، قالوا: المسألة الثانية فدية المحظورات. ومعنى فدية المحظورات، أي الفدية التي تترتب على من ارتكب محظورا من محظورات الإحرام التي مرت معنا، بالنسبة لحلق الشعر وتقليم الأظفار ولبس المخيط والطيب وتغطية الرأس والإمناء، والإمناء بنظرة والمباشرة بغير إنزال. المنن الفدية فيها على التخيير بين أصناف ثلاثة: صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاه، لقوله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة حين آذاه هوام رأسه: «احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة». وقيست عليه بقية الأفعال؛ لأنها محرمة بالإحرام، ولا تفسد الحج. بمعنى أن من ارتكب محظورا من محظورات الإحرام على القول بالفدية عليه، فمقدار الفدية وما هي الفدية، قاسها العلماء رحمهم الله تعالى على ما جاء في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه وأرضاه. فإن حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه وأرضاه جاء في هذا المعنى، إذ أن كعب بن عجرة رضي الله عنه وأرضاه آذاه هوامه -أي كان القمل يتناثر على وجهه- فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلق رأسه، وهو من محظورات الإحرام، وقد قال الله جل وعلا: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾. فلأجل ما أصابه من الأذى، أمره النبي صلى الله عليه وسلم، ورخص له النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلق رأسه، وأخبره بأن عليه فدية في مقابل ذلك، أي في ارتكابه لذلك المحظور. لذا قاس العلماء رحمهم الله تعالى الفدية في ارتكابه محظورا من محظورات الإحرام على هذا الحديث، بجامع أنه ارتكب محظورا من محظورات الإحرام. ففيه الفدية على ما جاء في حديث كعب بن عجرة، وهو متفق عليه. فالنبي صلى الله عليه وسلم -كما ترون وتسمعون- قال: «احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو أنسك شاة». وكما ترون أن الحديث جاء على التخيير؛ لأن لفظ «أو» يدل على أنه مخير، أي افعل كذا أو كذا، افعل كذا أو كذا، وليس على الترتيب. فلهم أن يصوموا ثلاثة أيام، وله أن يطعم ستة مساكين، وله كذلك أن يذبح شاة، أي شيء بدأ له أن يفعله يفعله؛ فهو قد أدى ما وجب عليه. والطعام جاء في بعض روايات الحديث: «أطعم ستة مساكين فرقا من طعام». وجاء في بعضها: «لكل مسكين نصف صاع». والفرق ستة، والفرق ثلاثة آصع، فيكون على هذا المعنى لكل مسكين نصف صاع من طعام. قالوا: وقيست عليه بقية الأفعال؛ لأنها محرمة بالإحرام، أي العلة كونها من محظورات الإحرام. فكل من ارتكب محظورا من محظورات الإحرام، فعليه الفدية، وتحديد الفدية ومقدار الفدية تكون على ما جاء في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه وأرضاه. وهي لا تفسد الحج كما تقدم معنى، أي هذه الأشياء المذكورة. قالوا: أما بالنسبة لقتل الصيد، أي محظور قتل الصيد، أي من قتل الصيد فما عليه من الفدية. قالوا: وأما بالنسبة لقتل الصيد، فيخير قاتل الصيد بين ذبح المثل من النعم، أو تقويم المثل بمحل التلف، ويشتري بقيمته طعاما يجزئ في الفطرة، فيطعم كل مسكين مدا من بر، أو نصف صاع من غيره كتمر أو شعير، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوما، لقوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوو عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما﴾. قولهم: وأما بالنسبة لقتل الصيد، والضابط في الصيد: الضابط في الصيد الذي يعني الصيد حتى يقال في الشيء بأنه صيد، أو في الحيوان بأنه صيد، لا بد أن تجتمع فيه ثلاثة أوصاف. لا بد أن تجتمع فيه ثلاثة أوصاف: الوصف الأول أن يكون مباحا أكله، ومعنى هذا أن ما لم يكن مباحا أكله كالسباع مثلا، فإنها ليست بصيد. وكذلك ما كان من الخبائث من الحيوان ونحوه، كذلك تدخل في كونها من الصيد. إذن الوصف الأول لا بد أن يكون مباحا أكله. الوصف الثاني أن يكون لا مالك له، ومعنى هذا أن من صاد صيدا فصار الصيد ملكا له، فهذا لا يأخذ حكم الصيد؛ لأنه صار ملكا لصاحبه. أو صار ملكا لمالك، صار ملكا لمالك. مثلا رجل صاد رجل من غير محرمين، من غير أهل إحرام، صاد مثلا غزالة، فوضعها في بيته، احتبسها في بيته، هذه الغزالة من كل من لذلك الرجل، هل تكون من الصيد؟ الجواب: لا؛ لأنها صارت ملكا لصاحبها. والأمر الثالث أن تكون ممتنعة، أي أن يكون ذلك الصيد ممتنعا بنفسه، أي يكون فيه معنى أن يكون وحشيا، أي متوحشا، لا يكون مدنيا، بل يكون متوحشا. فإذا اجتمع في الصيد هذه الأوصاف الثلاثة، فإنه هو الصيد الذي من صاده من كان محرما، فإن عليه الفدية. فقوله: «فيخير قاتل الصيد بين ذبح المثل من النعم، أو تقويم المثل بمحل التلف» إلى آخره، فهذا للآية؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوو عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما﴾. فأتى بلفظ «أو» الدالة على التخيير، الدالة على التخيير. إذن الفدية كذلك فيه على التخيير. وقولهم: «فيخير قاتل الصيد بين ذبح المثل من النعم»، المثل من النعم، أي من كان له مثل، فبمثله. والعلماء رحمهم الله تعالى يقولون في هذا الأمر -أي في تقدير المثل- في قول الله جل وعلا: ﴿يحكم به ذوو عدل منكم﴾، يعود إلى العدل. لكن في تقدير المثل قالوا: المثل لا يخلو من حالين: الحالة الأولى أن يكون هذا الشيء قد حصل مثله في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أو في زمن الصحابة، فما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما قضى به الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فالحكم فيه إليهم. من ذلك ما جاء في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الضبع صيد، وفيه شاة». الحكم في الضبع لا نحتاج إلى أن نقول: أين ذوو العدل؟ نسألهم، لا؛ عندنا حكم من النبي صلى الله عليه وسلم يرجع إليه. كذلك ما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في تقديرهم من حمار الوحش ببقرة، كذلك يرجع إلى حكم في هذا. وما لم يكن كذلك، وهي الحالة الثانية: ما لم يكن فيه حكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من صحابته رضي الله عنهم وأرضاهم، فحينها نرجع إلى ذوي ذوي العدل، كما هو نص الآية، من أهل الخبرة، أن يجتمع فيهم العدالة والعلم والخبرة: العدل والعلم، وكذلك الخبرة، فيحكمون للشيء المصاد بنظيره، بنظيره. كما سمعتم في الحديث السابق: يعني حكم للضبع بأنه بأن مثله من الصيد بأن مثله من النعم الشاه، الحمار الوحشي مثله من النعم البقرة، وهكذا يقاس بما يكون قريبا منه ويكون نظيره. قالوا: «أو تقويم المثل بمحل التلف»، أي في المكان الذي تلف فيه ذلك الصيد، يقوم ماذا؟ يقوم المثل. مثلا المثل شاة، هو مخير بين أن يشتري شاة فيذبحها ويفرقها، يوزعها بين الفقراء، وبين أن يكون عنده، وبين أن يقوم ذلك الثمن، يقوم ذلك الثمن، ويشتري بقيمته طعاما يجزئ في الفطرة، يعني مثلا شاة قيمتها مثلا عشرون ألفا، يشتري طعام قيمته عشرون ألفا بعشرين ألفا، ويوزعه بين الفقراء. فإن لم يكن هذا ولا ذاك، ينتقل إلى الصيام، ينتقل إلى الصيام. والانتقال إلى الصيام يقول العلماء: يقدر، يقدر. مثلا جاءت عمومات الأدلة تدل على أن للمسكين نصف صاع، فيقدر العشرين ألفا كم فيها آصع؟ مثلا على سبيل المثال فيها عشرون صاعا، فيكون فيها كم مسكينا؟ أربعين مسكينا، فيكون على كم من الصيام؟ أربعين يوما. واضح، فيكون عدل مكان إطعام المسكين يكون صياما. قالوا: وأما بالنسبة للوطء في الحج قبل التحلل، أي قبل التحلل الأول، وإن زال المني بمباشرة أو استمناء أو تقبيل أو لمس بشهوة أو تكرار نظر، فإنه يفسد الحج، حتى وإن كان المجامع ساهيا أو جاهلا أو مكرها. ويجب في ذلك بدنة، وقضاء الحج، والتوبة، كما تقدم معنى فيما مضى: أن أشد محظورات الإحرام الجماع والوطء قبل التحلل الأول. لذا رتب الشرع، وذكر العلماء رحمهم الله أنها ترتبت عليه خمسة أمور: أولا الإثم، الثاني فساد حجه، الثالث وجوب الاستمرار في تكملة ذلك الحج، الرابع أنه عليه بدنة، الخامس أن عليه القضاء. قالوا: أما بعد التحلل الأول، فإنه لا يفسد الحج، ويجب في ذلك شاة. بمعنى أن من جامع أهله بعد التحلل الأول، وكما تقدم معنى في الدرس الماضي أن التحلل الأول يكون برمي جمرة العقبة، برمي جمرة العقبة، ولو لم يحلق رأسه. لما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنه ما عند أحمد: «فمن فعل هذا -أي أتى أهله- بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني، فإن حجه صحيح، إلا أن عليه شاة عليه شاة فدية». قالوا: أما بالنسبة لعقد النكاح، فلا يجب في ذلك فدية، وإنما يكون عقدا فاسدا، أي ليس بصحيح. وهذا عائد على المسألة كذلك عند الأصوليين والفقهاء: هل النهي في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المحرم لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب»، هل هو عائد على ذات الشيء أم أنه عائد على شيء خارج؟ من قال بأنه عائد على ذات الشيء، قال بأنه يكون فاسدا. والأظهر هو ما ذكر، والأظهر هو ما ذكر أنه عائد على ذات العقد. قالوا: أما بالنسبة لقطع شجر الحرم ونباته الذي لم يزرعه الآدمي، فتضمن الشجرة الصغيرة عرفا بشاة، وما فوقها ببقرة. ويضمن النبات والورق بقيمته؛ لأنه متقوم. وهذا قول لأهل العلم. وقول آخر لأهل العلم: أنه لا فدية فيه لعدم الدليل على ذلك، وإنما يكون آثما. أما أن عليه فدية فليس ثم دليل. وليست من المحظورات الواضحة، وإنما هي محرمة من قبل ومن بعد. الأشجار في الحرم هي محرمة من قبل ومن بعد. والله أعلى وأعلم. قالوا: هذا إذا كان مرتكب المحظور متعمدا. أما الجاهل والناس، فلا شيء عليهم. وهذا على الصحيح من أقوال أهل العلم، وإلا في المسألة خلاف. والصحيح أن الجاهل والناس لا شيء عليهم؛ لعمومات الأدلة في ذلك. لعمومات الأدلة في ذلك، منها قول الله جل وعلا: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾. وكذلك في مسألة قتل الصيد كذلك، على الصحيح من أقوال أهل العلم: لا بد أن يكون -أي تترتب الفدية- إن كان قتل الصيد متعمدا، إن كان قتل الصيد متعمدا، كما هو ظاهر الآية في قول الله جل وعلا: ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾. فخرج من قتل الصيد بغير عمد. هل هذا ممكن؟ ممكن، أو غير ممكن؟ ممكن. رجل يمشي في سيارته وهو محرم، خرج له صيد من الصيد، فصدمه فمات، هل عليه شيء؟ لا شيء عليه؛ لماذا؟ لأنه ليس بمتعمد. وهذا هو القول الراجح في المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وغيره من المحققين. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على