الدرس في كتاب الحج 10، ألقاها
الهدي واجب على المتمتع والقارن في الحج إذا لم يكونا من حاضري المسجد الحرام، وهناك خلاف بين العلماء حول وجوب الهدي على القارن مع استدلالهم بالقرآن والسنة.
إذا لم يجد المتمتع الهدي، عليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة عند العودة إلى أهله، ويمكن صيام الأيام الثلاثة في أي وقت خلال الحج والأفضل في أيام التشريق دون اشتراط التتابع.
هدي الجبران يجبر النقص في الحج بسبب المحظورات أو الإحصار، ولا يجوز الأكل منه بل يجب التصدق به على فقراء الحرم، ويختلف حكمه باختلاف سبب الإحصار واشتراط الحاج.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، مضى معنا في درسنا الماضي الكلام على الهدي وعلى شروطه. فندخل اليوم بإذن الله جل وعلا، ونقرأ ما تضمنته هذه المسألة من أحكام. قالوا: أنواع الهدي واحد، هدي التمتع والقران. هدي التمتع والقران، ومعنى التمتع: هدي من حج متمتعا، ومعنى التمتع: هدي التمتع بالعمرة إلى الحج. فمن تمتع بالعمرة إلى الحج يقال له: متمتع، والقارن هو من قرن عمرته بحجه، بمعنى أدخل العمرة في الحج، فكان أعمال العمرة والحج أعمالا واحدة. والقران كذلك يطلق عليه بأنه تمتع، يطلق عليه أيضا بأنه تمتع، باعتبار أن القارن أدخل عمرته في حجه، فكان بهذا الاعتبار متمتعا؛ إذ أنه سقط عنه مشقة السفر لأجل أداء عمرة أخرى، فقيل كذلك للقارن بأنه متمتع بهذا الاعتبار. كما أنه قيل للمتمتع بأنه متمتع؛ لأنه تمتع بالحل بين العمرة والحج، تمتع بالحل بعد العمرة إلى الحج؛ لأن المتمتع يأتي أولا بعمرة، فإذا أتم عمرته بالطواف، ثم السعي، ثم الحلق أو التقصير، فقد حل له كل شيء، ثم يكون حلالا يحل له كل شيء، فهو بهذا الاعتبار يكون متمتعا. لذا قال الله جل وعلا: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِ﴾ فهو متمتع خلال هذه الفترة بين عمرته وبين حجه. قالوا: هدي التمتع والقران، أي الهدي الذي سببه التمتع والقران، فيكون من باب إضافة الشيء إلى سببه، من باب إضافة الشيء إلى سببه. قال: وهو واجب على من لم يكن حاضر المسجد الحرام، وهو دم نسك لا جبران؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ هذه الفقرة تضمنت أمورا، من هذه الأمور: أولا، الهدي بالنسبة للمتمتع والقارن. أما بالنسبة للمتمتع، فالأمر فيه ظاهر؛ لدلالة كتاب الله جل وعلا على ذلك، ومن ذلك قول الله جل وعلا: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ فالآية فيها دلالة واضحة على أن من تيسر له الهدي، فإن الهدي في حقه واجب، أي من كان متمتعا. بقي القارن، القارن وقع في مسألة الهدي في حق القارن وقع خلاف، وذلك الخلاف مبنى على أنه ليس ثم دليل واضح يدل على أن على القارن دم. ليس ثم دليل واضح على أن للقارن دم، فقالوا: إنما غايته أن يكون قياسا على المتمتع، أن يكون قياسا على المتمتع؛ أي القارن عليه هدي كما أنه يجب على المتمتع، وذلك لأن القارن أيضا متمتع، القارن أيضا متمتع. هذا دليل استدل به من قال بوجوب الهدي على القارن. وهذا الأمر رده بعض أهل العلم بأنه لا دلالة فيه على وجوب الهدي على القارن؛ إذ أنه قياس، ولم يستوفي شروطه، ولم تستوفي شروط ذلك القياس. إذا لم يصح الدليل على وجوب الهدي على القارن، لكن هناك أدلة واضحة صريحة تدل على هذا المعنى. منها أن القارن، أن الفارق والفيصل بين القارن والمتمتع على الصحيح من أقوال أهل العلم: أن القارن يجب عليه أن يسوق الهدي من الميقات أو قبل ذلك. أما من لم يكن كذلك، من لم يكن كذلك، فإنه يجب أن يكون متمتعا أو أن يكون مفردا؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، كما في صحيحي البخاري ومسلم من حديث عائشة، ومن حديث أناس، من حديث جابر، من حديث جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وارضاهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من لم يسق الهدي بأن يحل، بأن يعتمر، وأن يحل، وأن من ساق الهدي أنه يجب عليه أن يبقى على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله. وكما جاء في حديث حفصة رضي الله عنها في الصحيح، في صحيح البخاري وغيره، أنها قالت: «يا رسول الله، ما بال الناس قد حلوا وأنت لم تحل؟ فقال: إني قلت: هدي ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أنحر هديي». والنبي صلى الله عليه وسلم على الصحيح من أقوال أهل العلم أنه كان قارنا. فالشاهد فيه دلالة واضحة على أن القارن لا بد أن يسوق الهدي، لا بد أن يسوق الهدي. فالراجح، والذي عليه جماهير العلماء: أن الهدي واجب على المتمتع، وكذلك واجب على القارن. قالوا: وهو واجب على من لم يكن حاضر المسجد الحرام، هذا قيد وشرط في وجوب الهدي على المتمتع أو القارن، بأنه لا بد أن يكون ليس من أهل، ليس من حاضر المسجد الحرام. وتحت هذا مسألة، تحت هذا الأمر مسألتان. الأمر الأول، أو المسألة الأولى: أولا، من هم الذين وصفهم الله جل وعلا بأنهم حاضر المسجد الحرام؟ للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك أقوال. فمنهم من يقول: من كان دون الميقات، فإنه يدخل في هذا المعنى. ومن أهل العلم من يقول: بل من كان من أهل حرم. ومن أهل العلم من يقول: بل من كان من أهل مكة خاصة. والأظهر، والله أعلى وأعلم: أن القولين الأخيرين مجموعهما يدل على المعنى؛ بمعنى إما أن يكون في الحرم، يعني مثلا في منى، أو مزدلفة، أو عرفة، ونواحي الحرم، وإما أن يكون في مكة. فكل من كان هذا حاله، وهذا وصفه، وهو من حاضر المسجد الحرام، وإذا كان كذلك، فإنه لا يجب عليه الهدي؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ لِّمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فدلت الآية على أن من كان أهله حاضر المسجد الحرام، فإنه لا يجب عليه الهدي، ولا يجب عليه كذلك البدل عند عدم الهدي، وهو الصيام. إذن الأمر الأول: أن المقصود بحاضر المسجد الحرام إما أن يقال: من كان في الحرم، فهو داخل في هذا المعنى. والأمر الثاني: أن هؤلاء لا يجب عليهم الهدي. وقوله: وهو دم نسك لا جبران، هذا أمر ثالث، وهو أن هدي التمتع والقران هو نسك، وليس بجبران؛ لأنه لم يكن عن فعل محظور أو ترك واجب، وإنما هو هدي تقرب به العبد إلى ربه جل وعلا شكرا لله على نعمه. ومن جملة هذه النعم: أن شرع الله جل وعلا له التمتع بالعمرة إلى الحج في سفرة واحدة، وشرع له كذلك إدخال العمرة في الحج في سفرة واحدة. قوله: فإن عدم الهدي أو ثمنه، صام ثلاثة أيام في الحج، ويجوز صيامها في أيام التشريق، وسبعة إذا رجع إلى أهله؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. من هاهنا نعلم أن قول الله جل وعلا: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ثم قول الله جل وعلا: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ يدخل في قول الله جل وعلا: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ إما أنه لم يجد الهدي، يعني عنده المال، عنده الاستطاعة على شراء الهدي، ولكنه لم يجد الهدي؛ كانت أسواق ليس فيها هدي. فمثل هذا لم يجد الهدي، وقد يقول: عكس ذلك، الهدي موجود، ولكن ليس عنده ثمن الهدي. وقد يكون عنده ثمن الهدي، ولكنه يحتاجه إلى ما هو أولى منه؛ عنده مال، لكن يحتاجه في شيء هو أولى وأحوج إليه من مجرد هذا الهدي. فمثل هذا يكون حكمه كذلك حكم من لم يجد الهدي. مثلا عنده مال يحتاجه مثلا يسفر، يحتاجه إلى السفر، هذا عنده مال، لكن يحتاجه إلى شيء أولى، إلى الرجوع إلى بلده، أو إلى أداء بعض الأعمال والأنساك، وما شابه ذلك. فهذا حكمه كذلك حكم من لم يجد الهدي. إذن من لم يجد، الله جل وعلا أطلق، لم يقل: لم يجد الهدي، لم يقل: لم يجد ثمن الهدي، بل أطلق، فقال: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ فيبقى الحكم على إطلاقه. فمن لم يجد، إما الهدي مع توفر الثمن، وإما عدم الثمن مع وجود الهدي، وإما وجود الثمن، لكن عدم القدرة والاستطاعة على شراء الهدي؛ لأنه بحاجة إلى ذلك الثمن في شيء أولى وأحرى. فهذا كله لم يجد الهدي. فمن لم يجد الهدي، انتقل إلى الصيام، انتقل إلى الصيام. والصيام كما جاءت في الآية: ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم. وها هنا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في الأيام التي تشرع فيها الصيام، يعني إنسان سافر للحج، ما عنده إلا ما يبلغه الحج، ما عنده إلا ما يأكل ويشرب ويرجع إلى بلده، ما عنده مال. فهذا يجب عليه ماذا؟ الصيام. يقول الله جل وعلا: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ بقي: متى يشرع له الصيام؟ والأمر الثاني: وهل يشترط في الصيام أن يكون متتابعا متتاليا؟ هاتان مسألتان. أما الأولى: وهو متى يشرع له الصيام إن لم يجد الهدي؟ فعلى الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه متى شرع في العمرة، ودخل في كونه معتمرا، وأراد بتلك العمرة إما عمرة تمتع إلى الحج، وإما عمرة، وإما أدخل فيها الحج، وكان قارنا. فمتى دخل في الإحرام في العمرة، فإنه يشرع له الهدي، يشرع له الهدي. فإذا مثلا إنسان سافر في عشرين ذي القعدة، اعتمر، ما عنده ما يهدي. هل يشرع له أن يصوم في واحد وعشرين، اثنين وعشرين، ثلاثة وعشرين؟ الجواب: نعم، يشرع له ذلك؛ لأن الله جل وعلا أطلق الحكم: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ فهو في الحج؛ لأنه ما دام أنه تمتع بالعمرة إلى الحج، فهو متمتع. هذا من حيث الجواز. وبعض أهل العلم يقول: من حيث الأفضلية، بل قال بعضهم: أنه الواجب، أنه يصوم من بدء دخوله في الحج، أي من يوم التروية، من يوم التروية يشرع له. وقبل يوم التروية لا يشرع له. لكن هذا القول مرجوح. والصحيح ما سمعتموه أولا. وبعض أهل العلم فضل أن يكون الصيام في أيام التشريق؛ مستدلاً بما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت في هذا الأمر: «أن من لم يجد الهدي صام أيام التشريق». أنه لا يصام فيها إلا لمن لم يجد الهدي. فعائشة رضي الله عنها وأرضاها تحكي أن من لم يجد الهدي، فإنه له أن يصوم في هذه الأيام. وبعضهم قال: فيه إشارة إلى أن الصحابة ممن لم يكن ساق الهدي، ولا عنده القدرة على ذلك، أنه يصوم في هذه الأيام. وكما سمعتم: أن الأمر واسع بحمد الله جل وعلا؛ وذلك لأن الله جل وعلا أطلق الحكم، فقال: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِ﴾ فما دام أنه في الحج، وفي أعمال الحج، فيشرع له. ويشرع له كما سمعتم من دخوله في العمرة؛ لأن من دخوله في العمرة يكون متمتعا بالعمرة إلى الحج. هذه المسألة الأولى. والمسألة الثانية: هل يشترط في ذلك التتابع؟ بمعنى أن من صام اليوم الأول، يجب عليه أن يتبعه باليوم الثاني، ثم الثالث؟ أم أنه يشرع له التفريق؟ الجواب: أنه إذا كان الوقت متسعا، فإنه يشرع له التفريق. أما إذا كان الوقت ضيقا، كأيام التشريق؛ لأنها ثلاثة، أيام التشريق ما بعدها ليست من أعمال الحج، وليست من أيام الحج. فإذا كان في الأيام الثلاثة، فإنه يجب عليه ماذا؟ التتابع؛ لأنه بعد هذه المدة لا يكون ماذا؟ لا يكون في الحج؛ لأنه يكون برمي الجمار في اليوم الثالث من أيام التشريق قد حل، وينطلق إلى بلده. إذن في وقت السعة له أن يفرق، مثلا كما سمعتم: اعتمر في عشرين ذي القعدة، فله أن يصوم في واحد وعشرين، وفي خمس وعشرين، وفي ثلاثين. له أن يفرق. أما إذا ضاق عليه الوقت، فما بقي عنده إلا أيام التشريق، فإنه يصوم أيام متتابعات. هذا خلاصة ما يقال في هذا. ثم يكمل بقية العشر إذا رجع إلى بلده. وهل يجب عليه أن يكملها إذا رجع إلى بلده؟ بمعنى أنه إذا ما رجع إلى بلده، إذا ما رجع إلى بلده، بل هو في الطريق مثلا في رجوعه إلى بلده. هل يشرع له أن يصوم؟ الجواب: له؛ لأنه بهذا الاعتبار يعتبر راجعا؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. فإذا رجع، ولو كان في الطريق، له أن يبدأ صيام السبع. وإن أخرها إلى بلده، فالأمر واسع. ولله الحمد. قوله: ويستحب للحاج أن يأكل من هدي التمتع والقران؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ وهذا كما ذكر: يستحب للحاج أن يأكل من هدي التمتع والقران؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن نحر هديه، أمر بأن يأخذ من كل جزور قطعة لحم، فطبخت له صلى الله عليه وسلم، فأكل من لحمها، وشرب من مرقها. وهذا يدلنا على استحباب ذلك. وفي قول الله جل وعلا: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ استدل العلماء رحمهم الله تعالى على وجوب التصدق بلحم الهدي. ويأكل منه، ويتصدق. فإن تصدق به كله، فله ذلك. إن أكل منه، وتصدق بالباقي، كذلك. لماذا؟ لأن الله جل وعلا قال في الكتاب: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ وفي الآية الأخرى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. الآية الثانية: هدي الجبران. ومعنى هدي الجبران: يعني هو الهادي الذي يجبر ما حصل من النقص؛ إما بفعل محظور، وإما بترك واجب من واجبات الحج. فيكون جبرانا، أي جبرا لذلك النقص الذي أحدثه الحاج في أثناء حجه. قالوا: هدي الجبران، وهو الفدية الواجبة لترك واجب، أو ارتكاب محظور من محظورات الإحرام، أو بسبب الإحصار عند وجود سببه؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ولقول ابن عباس: «من نسي من نسك شيئا، أو تركه، فليرق دما». وهذا النوع لا يجوز الأكل منه، بل يتصدق به على فقراء الحرم. ها هنا في هذه الفقرة عدة أحكام، منها: أولا، قولهم: هدي الجبران، هدي الجبران. هذا كذلك من باب إضافة الشيء لسببه؛ أي الهادي الذي سببه الجبران، أي جبران ما حصل من النقص في الفريضة، ما حصل من النقص في فريضة الحج؛ إما بفعل محظور، وإما بترك واجب. وكما تقدم: أن الصحيح من أقوال أهل العلم: أن العبرة بالعمد في ذلك. أما الناس والجاهل، فلا شيء عليهما في ذلك. قالوا: أو بسبب الإحصار عند وجود سببه. الإحصار: معنى الإحصار أن الإنسان لا يستطيع إكمال حجه أو عمرته، أو ما شابه ذلك؛ بسبب إحصار. والإحصار إما أن يكون بسبب عدو، بسبب عدو يمنعه من الوصول إلى الحج. وإما كما ذكر بعض أهل العلم: بسبب مرض، لا يستطيع معه أن يكمل بقية المناسك. فمثل هذا يسمى محصرا. فإن حصل له ذلك، فإنه يجب عليه كذلك ماذا؟ الهدي إن استيسر؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فَإِن أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ فالمحصر إن أحصر، فيذبح ما استيسر معه من الهدي. وهذا إذا لم يشترط. أما إذا اشترط: إذا اشترط، فقال: «إن حبسني حابس، فإني أحل». أو ما شابه ذلك؛ كما جاء في حديث ضباعة بنت الزبير في صحيح البخاري وغيره: أنها قالت أو شكت النبي صلى الله عليه وسلم بأنها شاكية، وخافت ألا تواصل الحج. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «حجي، واشترطي». فاستدل العلماء رحمهم الله تعالى بأن من اشترط، وإن أحصر، فإنه لا شيء عليه؛ فلا شيء عليه. واختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الاشتراط: هل هو عام؟ بمعنى أن كل واحد له أن يشترط؟ أم أنه خاص بمن يخاف أن يحصل له أمر لا يستطيع معه مواصلة نسكه؟ قولان لأهل العلم. منهم من ذهب إلى الأول، ومنهم من ذهب إلى الثاني. الشاهد: أن المحصر إذا لم يشترط، وأحصر، فإنه يجب عليه الهدي مما تيسر؛ لقول الله جل وعلا: ﴿فَإِن أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. والعلماء رحمهم الله تعالى يذكرونها هناك: ذلك مسألة، وهي: إن كان المحصر ليس عنده ثمن الهدي، ولا عنده هدي. ما عنده هدي، ولا عنده ثمن الهدي. فهل يجب عليه البدل؟ بمعنى أنه ينتقل إلى الصيام، فيصوم ثلاثة أيام في مكانه، وسبعة أيام إذا رجع؟ الأظهر، والله أعلى وأعلم: عدمه؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ والله جل وعلا يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فمن لم يستطع، فلا شيء عليه. والقاعدة عند العلماء في هذا الباب: لا واجب مع العجز. وأما البدلية، أي البدل الذي هو الصيام، فلا دليل عليه. والقياس ها هنا قياس مع الفارق؛ أي إن قيس المحصر بالمتمتع، أو ما شابه ذلك. ها هنا قياس مع إيش؟ مع الفارق. لأن ذاك دم نسك، والآخر دم جبران. وإن قيس على غيره من المحظورات، على غيره من المحظورات؛ كما في حديث كعب بن عجرة. فكعب بن عجرة حصل له محظور، بسببه ترك ما ترك، وفعل ما فعل، وحلق شعره. وكفر بذلك الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم على التخيير: «اذبح شاة، أو أطعم ستة مساكين، فرقا من طعام، أو صم ثلاثة أيام». أما المحصر، فليس عندنا دليل يدل على أنه ينتقل إلى البدلية، ينتقل إلى البدلية. والله أعلم. فالحاصل: أن هؤلاء الأصناف عليهم دم جبران؛ أي لما حصل من النقص في الفريضة. وقالوا: وهذا النوع لا يجوز الأكل منه؛ بمعنى أنه لا يأكل منه، وإنما يتصدق بذلك كله على فقراء الحرم؛ إذا كان على فقراء الحرم؛ إذا كان ماذا؟ إذا كان دم جبران، سببه فعل محظور، أو ترك واجب. أما إذا كان بسبب إحصار، فإنه يذبحه حيث يعني يذبح الذبيحة حيث كانت. وإن كذلك تلفت، يذبحها وينحرها، ويدعها؛ على تفاصيل عند أهل العلم. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.