شرح فتح المجيد 90

الدرس في شرح فتح المجيد 90، ألقاها

تحذير النبي من الشرك واتخاذ القبور مساجد

النبي صلى الله عليه وسلم حذر من اتخاذ القبور مساجد وحرص على حماية الأمة من الوقوع في الشرك، مستندًا إلى أقوال وأحاديث نبوية.

خطورة اتخاذ قبر النبي مسجدا

النبي لعن من يأخذ قبره مسجدًا كما لعن اليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، وهذا يدل على خطورة هذا الفعل.

أحكام الصلاة عند القبور وذكر الله

المقطع يناقش تحريم الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد، ويتضمن أيضًا ذكر الله تعالى والاستغفار والتوبة إليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال المصنف رحمه الله تعالى وله ما عنها، أي عن عائشة، قالت: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا. ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. أخرجا. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن... وعلى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد... كما ترون أن المؤلف رحمه الله تعالى افتتح هذا الحديث بقوله: «وله ما»، وختمه بقوله: «أخرجه»، وكان يستغنى بأحدهما عن الآخر. فضل قال رحمه الله تعالى: قال الشارح رحمه الله تعالى قوله: «ولهما»، أي البخاري ومسلم، وهو يغني عن قوله في آخره: «أخرجا». قوله: «لما نزل» هو بضم النون وكسر الزاي، أي نزل به ملق الموت والملائكة الكرام عليهم السلام. قوله: «طفق» بكسر الفاء وفتحها، والكسر أفصح، ومعناه جعل. قوله: «خميصة» فتح المعجمة والصاد المهملة، كساء له أعلام. قوله: «فإذا اغتم بها كشفها» أي عن وجهه. قوله: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساقد» يبين أن من فعل مثل ذلك حل عليه من اللعنة ما حل على اليهود والنصارى، بجامع ماذا؟ بجامع الفعل المشترك بين هؤلاء وهؤلاء. فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما لعن هؤلاء لأجل فعلهم، لأن في قوله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى» قد يقول قائل: لماذا؟ لعن الله اليهود والنصارى؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساقد»، فقوله: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساقد» هي العلة التي لأجلها لعن الله اليهود والنصارى. إذن كما يقول العلماء: الحكم يدور مع علة وجودا وعدما. فكلما وجدت هذه العلة معها هذا الحكم. ما هو هذا الحكم يا جماعة؟ اللعن واضح. أن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد فإنه ملعون. فكيف بمن اتخذ قبور الصالحين ومن هو دون الأنبياء مساجد؟ فهو كذلك ملعون، بل قد تكون فيه اللعنة أشد. قال رحمه الله تعالى: قوله: «يحذر ما صنعوا» الظاهر أن هذا من كلام عائشة رضي الله عنها، لأنها فائتة من قول النبي صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك تحذير أمته من هذا الصنيع الذي كانت تفعل اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم، فإنه من الغلو في الأنبياء، ومن أعظم الوسائل إلى الشرك. قال القرطبي في معنى هذا الحديث: وكل ذلك لقطع الزريعة المؤدية إلى عبادة من فيها. انتهى. وهذا كذلك يبين معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الشرك ونهى عن الشرك، وهدم مظاهر الشرك الظاهرة والباطنة من قلوب الناس ما استطاع إلى ذلك سبيلا بإذن الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قوله: «ولولا ذلك» أي ما كان يحذر من اعتقاد قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسجدا، لو برز قبره مع قبور أصحابه الذين كانت قبورهم في البقيع. خشي النبي صلى الله عليه وسلم من أن تفعل الأمة كما فعلت الأمم السابقة. لذا لم يبرز قبره، وهذا من حماية الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم حيا وميتا. وأيضا من حفظ الله جل وعلا لهذه الأمة أن تشرك برسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تتخذ قبره مسجدا. قال رحمه الله تعالى: قوله: «غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» روي بفتح الخاء وضمها. فعلى الفتح يكون هو الذي خشي ذلك صلى الله عليه وسلم. وعلى رواية الضم يحتمل أن يكون الصحابة الذين خافوا أن يقع ذلك من بعض الأمة غلوا وتعظيما. قال رحمه الله تعالى: قال القرطبي: ولهذا بالغ المسلمون في سد الزريعة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المدخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره صلى الله عليه وسلم. ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة، إذ كان مستقبل المصلين، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة. فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مسلثة من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره. قال رحمه الله تعالى: قال المصنف: وفيه من المسائل ما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه على قبر رجل صالح. ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». فمن فعل هذا الفعل فهو ملعون. ففيه أن النيات الحسنة لا تنفع. قال رحمه الله تعالى: ومنها نهي عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر، أي في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قال رحمه الله تعالى: قال المصنف: ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا». فلو كنتم متخذين من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن من فعله. والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجد. فهو معنى قولها: «خشي أن يتخذ مسجدا». فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا. فكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا. فكل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا، كما قال صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا». قال رحمه الله تعالى: قوله: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل» أي أمتنع عما لا يجوز لي أن أفعله. والخلة فوق المحبة. والخليل هو المحبوب غاية الحب. قال ابن القيم رحمه الله: أما ما يظنه بعض الغالطين من أن المحبة أكمل من الخلة، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد اتخذه خليلا، ونفى أن يكون له خليل غير الله. قال رحمه الله تعالى: قوله: «ولو كنتم اتخذتم من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا» فيه بيان أن الصديق أفضل الصحابة. وفيه الرد على الرافضة وعلى الجهمية، وهما شر أهل البدع. قال رحمه الله تعالى: وفي إشارة إلى خلافة أبي بكر، لأن من كانت محبته لشخص أشد كان أولى به من غيره. وهذا بناء على أن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لشخص إنما هي محبة شرعية. قال رحمه الله تعالى: قوله: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد» الحديث. قال الخلخالي: وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم صنيعهم هذا يخرج على وجهين: إحداهما أنهم يشهدون لقبور الأنبياء تعظيما لها. والثاني أنهم يجوزون الصلاة في مدافن الأنبياء، والتوجه إليها حالة الصلاة. قال رحمه الله تعالى: قوله: «فقد نهى عنه في آخر حياته» أي كما في حديث جندب. وهذا من كلام شيخ الإسلام. قال: «ثم إنه لعن من فعله» وهو في السياق. قال: «والصلاة عندها من ذلك» أي الصلاة عند القبور داخل في هذا العموم. قال رحمه الله تعالى: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام». رواه المثورون: أحمد وأهل السنن. والحديث اختلف في إرساله ووصله. قال رحمه الله تعالى: قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فبالجملة، فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذريعاته، وفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قصده، جزم جزما لا يحتمل النقيض. أن هذه المبالغة واللعن والنهي بالصيغتين: صيغة «لا تفعلوا» وصيغة «إني أنهاكم عن ذلك» ليس لأجل المخالفة، بل هي لأجل مخافة الشرك اللاحقة لمن عصاه وارتكب ما عنه نهاه. قال رحمه الله تعالى: قال الشارح: وممن علل بخوف البدعة بالشرك الإمام الشافعي، وأبو بكر الأصم، وأبو محمد المقدسي، وشيخ الإسلام وغيرهم، وهو الحق الذي لا ريب فيه. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على