الدرس في منظومة السير إلى الله 9، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يبدأ الشرح بالحمد لله والصلاة على النبي محمد، مقدمة لما سيتم الحديث عنه فيما بعد. يُظهر التوجه الديني والاحترام للنبي وآله وصحبه.
يتقرب العباد إلى الله بفعل الطاعات وترك المعاصي، ويؤكد على أهمية أداء الفرائض والإكثار من النوافل. السير إلى الله يكون صحيحاً بامتثال الواجبات وترك المحرمات.
السير الصحيح إلى الله يكون بإكثار الطاعات وترك المعاصي مع رؤية التقصير، مع الحذر من محبطات الأعمال. يجب على المسلم أن يكون مخلصاً في عبادته ويبتعد عن المحرمات.
الأعمال الصالحة تنفع العبد في قبره وتكون أنيساً له، وتبلغ به الدرجات العلا عند الله سبحانه وتعالى. وهي سبب للفوز بالجنة والنجاة من العذاب.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في منظومته «السير إلى الله والدار الآخرة»: قال «يتقربون إلى المليك بفعلهم طاعاته والترك للعصيان». قال رحمه الله: هذه الأعمال التي تقرب إلى الله وتوصل إليه وهو فعل طاعته، لا سيما الفرائض، وترك معاصيه، كما في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». فلهذا قلت: فعل الفرائض والنوافل دأبهم، مع رؤية التخصير والنقصان. قال رحمه الله: هذا هو الكمال، وهو أن يجتهد في أداء الفرائض والإكثار من النوافل، ويرى نفسه مقصراً وفرطاً. فاجتهاده في الأعمال ينفي عنه الكسر، ورؤية تخصيره ينفي عنه العجب الذي يبطل الأعمال ويفسدها. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع من منظومته حال السائرين إلى الله جل وعلا والدار الآخرة، وما يركبونه في سيرهم إلى الله جل وعلا وإلى الدار الآخرة، وهي الأعمال الصالحة. فبها يتقربون إلى المليك جل وعلا بفعلهم هذه الطاعات وتركهم للمعاصي. فهم يسيرون إلى الله جل وعلا وإلى الدار الآخرة بفعل الطاعات وترك المعاصي. فمن سار إلى الله وإلى الدار الآخرة وهو ممتثلاً للواجبات وتاركاً للمعاصي، فإنه يسير إلى الله جل وعلا سيراً صحيحاً. وقد وفقه الله سبحانه وتعالى حيث أعانه على الإتيان بالطاعات وترك المحرمات. لأن العبد في سيره يتقرب إلى الله كلما خطى خطوة، فبهذه الخطوة يقرب إلى الله جل وعلا في سيره وإلى الدار الآخرة. فإذا كان مع كل خطوة يخطوها وهو على هذا الحال قد جاء بالواجبات وترك المحرمات، فإنه ينعم بهذا التقرب. لأن الله جل وعلا يتقرب من عباده إذا تقربوا إليه، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من تقرب إلى الله جل وعلا شبراً تقرب إليه ذراعاً، ومن تقرب إلى الله جل وعلا ذراعاً تقرب منه باعاً، وإذا أتى الله جل وعلا يمشي أتاه الله هرولة. فكلما تقرب العبد إلى الله جل وعلا بالأعمال الصالحات، فإن الله جل وعلا يتقرب منه تقرباً يليق بجلاله سبحانه وتعالى. فلذلك يا عبد الله عليك أن تكون في سيرك على هذا الحال الذي سار عليه الصالحون. وأول ما تجتهد فيه أداء الفرائض، لما جاء عن نبي عليه الصلاة والسلام في الحالة القدسية الذي يرويه عن ربه أنه جل وعلا قال: «وما تقرب إلي عبدي بأحب مما افترضته عليه». فيجتهد الإنسان في أداء الواجبات وأداء الفرائض وأداء الحقوق الواجبة لله جل وعلا، وكذلك الحقوق الواجبة للعباد فيؤديها كما أمر الله جل وعلا وكما بيّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مستصحباً في هذه الأعمال الإخلاص لله جل وعلا والمتابعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى تقبل منه هذه الأعمال. ثم يجتهد في أداء النوافل، يحرص أن يجعلها من النوافل وهي كثيرة بحمد الله جل وعلا، نوافل للصلوات، نوافل للصيام، نوافل للزكاة، نوافل للحج وغيرها. فيجتهد في أداء النوافل لأن هذه النوافل مكملات للنقص الحاصل في الفرائض، لأنه ما من عبد إلا وسيقع عنده شيء من النقص والتقصير في أداء هذه الفرائض. فإذا كان عنده هذه النوافل فإنه يسد ذلك الخلل ويسد ذلك التقصير الذي حصل من العبد في الفرائض بهذه النوافل. كما ثبت عن نبي صلى الله عليه وسلم في محاسبة العبد يوم القيامة، فإن الله جل وعلا يقول: «انظروا هل لعبدي من نوافل؟». فشأن النوافل عظيم فيتسد الخلل والنقص والتقصير. وأيضا العبد به أداء الفرائض والإتيان بالنوافل يبلغ المراتب العالية. فالناس يتفاوتون في إيمانهم وفي سيرهم إلى الله جل وعلا وإلى الدار الآخرة، فمنهم المجد، ومنهم المسرع الذي هو أسرع من غيره. وهكذا هم أهل الإيمان، ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، وذلك فضل الله جل وعلا. قال على العباد للصالحين: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾. فلأنت يا عبد الله احرص في سيرك إلى الله جل وعلا وإلى الدار الآخرة أن تكثر من الأعمال الصالحات، وأن تأتي بالواجبات وتؤدي الحقوق التي أوجبها الله سبحانه وتعالى عليه، وتبتعد من المحرمات وتترك الذنوب والمعاصي. تجتهد بأداء الفرائض وتحرص كذلك على الإتيان بالنوافل. فالسعادة كل السعادة في امتثال الطاعة وترك المعصية، وفي الاتيان بالأعمال الصالحات. فالأعمال الصالحة هي عنوان السعادة في الدنيا والآخرة. السعادة إنما تتحقق بامتثال الأوامر وترك النواهي. قال جل وعلا: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾، هذا في الدنيا، ﴿ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾، وهذا في الآخرة. فالآية ذكرت سعادة الدنيا والآخرة، السعادة في الدنيا الحياة الطيبة، وفي الآخرة كذلك الحياة الطيبة السرمدية والأجر والثواب العظيم من عند الله سبحانه وتعالى. وكذلك إن جاءت في الدنيا والآخرة من الخسارة إنما يكون بالأعمال الصالحات. قال جل وعلا: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾. وهكذا الدرجات العلا يوم القيامة لأهل الأعمال الصالحات. قال جل وعلا: ﴿ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا﴾، وهم أهل الجنة. قال جل وعلا: ﴿ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾. قال جل وعلا: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا﴾. قال جل وعلا: ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب﴾. فالأعمال الصالحات يبلغ بها العبد الدرجات العلا عند الله سبحانه وتعالى، وهي الأنيس في القبر. كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن حال المؤمن في قبره، وأنه يأتي عمله على هيئة رجل صالح طيب المنظر طيب الرائحة، فيبشره حين يسأله ذلك العبد يقول له: «أنا عملك الصالح». فإذا أنت تستفيد من هذه الأعمال الصالحة في قبرك، وأنت سترحل من هذه الدنيا وما سيبقى لك إلا هذه الأعمال الصالحة. كما قال النبي عليه السلام: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». وكل هذه من الأعمال الصالحات التي إذا حرص المسلم عليها في الدنيا جاءه النفع منها وهو في قبره. ولذلك الفطنة تفطنوا لهذا الأمر، فجعلوا هذه الدنيا داراً للعمل وداراً للجد والجهاد في طاعة الله سبحانه وتعالى. قال الشيخ رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه «رياض الصالحين»: «إن لله عباداً فطنة، طلقوا الدنيا وخافوا الفتنة، نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنة اتخذوها لجة وطريقاً وسفينة، اتخذوا صالح الأعمال فيها سفناً». فجعلوا الأعمال الصالحة كالسفن التي يركبونها إلى الدار الآخرة، وفي سيرهم إلى الله سبحانه وتعالى. فهكذا أهل التقوى، وهكذا أهل الإحسان، وهكذا المحققون في قولهم بأنهم يريدون ما عند الله سبحانه وتعالى. فلابد من الاتيان بالبرهان الذي يدل على إرادة هذه المقاصد والإخلاص فيها. وأعظم البرهان هو الاتيان بالأعمال الصالحات. كيف تريد ما عند الله جل وعلا من النعيم العظيم والحياة السرمدية والنجاح من العذاب والفوز بالرحمن وأنت لم تأت بأسباب تحصيل ذلك؟ قل هات برهانكم إن كنتم صادقين. فإذن علينا أن نتقي الله جل وعلا، وعلينا أن نحرص في المسارعة والمسابقة في أداء ما فرض علينا وترك ما نهينا عنه، لأن هذا هو دأب الصالحين: فعل الفرائض والنوافل مع رؤية التقصير. لا تغتر بأعمالك ولا تعجب بأعمالك. لا عليك أن تأتي بالأعمال وتجزم بأنك لازلت مقصراً في حق الله جل وعلا. ماذا عسى أن تأتي بالأعمال مقابل ما أنعم الله جل وعلا عليك بنعمة البصر أو بنعمة السمع أو بغيرها من النعم؟ لا شيء. فإذن أنت مقصر على كل الأحوال، ومهما أتيت ومهما اجتهدت فعليك أن ترى نفسك مقصراً في جنب الله جل وعلا. وتعلمون الحديث الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ذلك الرجل الذي قال الله جل وعلا لملائكته: «أدخل عبدي جنتي برحمتي». قال: «لا يرب عملي». قال: «لا يرب عملي». فأمر الله جل وعلا بوزن أعماله مع نعمة البصر فلم تساوي شيئاً هذه الأعمال. فإذن أنت يا عبد الله مع فعلك للطاعات وتركك للمحرمات ومع اجتهادك ومع اتيانك بالنوافل والمسابقة والمسارعة، اجعل نفسك مقصراً. يعني عليك أن تظل بنفسك هذا الظن وأنك لازلت مقصراً. هذا يدفعك إلى الاكثار، أما العجب والاغترار فهذا يجعلك تتكاسل في أداء ما افترض الله سبحانه وتعالى عليك. بخلاف ما إذا كنت ترى نفسك مقصراً في جنب الله جل وعلا مفرطاً، فإن هذا يعينك على الاكثار وعلى الاستمرار. الشيطان حريص على أن يصرفك عن هذه الطريق بأنك وأنك وقد أتيت وقد أتيت، غيرك ما عنده ولا ربع ما عندك إلى آخر ذلك. فأنت تنتبه لنفسك يا عبد الله. وقد حكى الله جل وعلا حال المؤمنين وأنهم على هذا الحال. قال سبحانه وتعالى: ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾. لما قالت عائشة رضي الله تعالى: «إنهم المقصرون المفرطون الذين يخافون». قال: «لا يبخل الصديق، بل هم الذين يأتون بالأعمال ومع ذلك يخافون أن لا تقبل منهم هذه الأعمال». فالسير الصحيح إلى الله جل وعلا والدار الآخرة هو أن يكون العبد على إكثار من الطاعات وترك للمعاصي والمحرمات مع رؤية التقصير. فإذا سار على هذا السير الصحيح، فهذا هو السير الصحيح الموصل إلى الله جل وعلا والموصل إلى الدار الآخرة والموصل إلى جنات الله سبحانه وتعالى. والأعمال كثيرة بحمد الله، أعظمها التوحيد، ومنها أداء الصلاة وغير ذلك. والخشوع كذلك من الأعمال الصالحة، كما قال جل وعلا: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعون رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾. فعليك يا عبد الله أن تخشع حين تصلي لله جل وعلا. وهنا تنبيه يقع فيه بعض الناس في صلواتهم، فمن الناس من ربما حتى من أهل الخير لكن ربما عن غفلة وعن سهو منهم من يفرقع الأصابع مثلاً إذا كان في صلاته، بعضهم يفرقع الأصابع يصلي ويفرقع الأصابع هذا لا ينبغي، هذا يدل على ضعف الخشوع. ومنهم من يعبث بأنفه، ومنهم من يحك رأسه، ومنهم من يلعب بساعته إلى آخر ذلك. فكل هذا ينتبه له، فالإنسان يخشع في عبادته لربه سبحانه وتعالى. وليحذر كذلك مع الاتيان بالأعمال الصالحات من عدم الوقوع فيما يحبطها، فالأعمال لها محبطات تحبطها والعياذ بالله، أعظمها الشرك بالله جل وعلا. قال جل وعلا: ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾. وقال سبحانه: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعتركوا﴾. وهذا الرياء في الأعمال محبط للعمل، قد سماه النبي صلى الله عليه وسلم «الشرك الأصغر». قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رياء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾، إلى آخر الآية. فمن حذر من الرياء، وهذه البدع والمحدثات، فـ«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، كما في الصحيح عن عائشة. وفي رواية مسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وهكذا كذلك يحد الإنسان من الذهاب إلى الكهنة والمشعودين، فـ«من أتى إلى كاهن ولم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً»، بمعنى أن الأجور حبطت. والعمل الصحيح لأن من المحبطات ما يحبط العمل، ومنه ما يحبط الأجور. وهكذا كذلك من اقتنى كلباً فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراط. وهذا يعني محبط للأجور، كل يوم ينقص من الأجر قيراط. وقيراط مثل جبل أحد كما ثبت عن نبي صلى الله عليه وآله وسلم. كذلك الابتعاد عن الغيبة والنميمة والاعتداء على أعراض الناس، حديث به غيره في ذكر المفلس، من يأتي يوم القيامة له حسنات، يأتي وقد هتك عرض هذا، وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم أخذ به إلى النار. فليبتعد إنسان عن التألي كذلك، وذلك اللي تألى بأعماله واغتر وعجب بأعماله، حتى قال ذلك الرجل: «والله لا يغفر الله لك». فقال جل وعلا: «كما أخذ من سلم، ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ فقد غفرت له وأحبطت عملك». فالحذر الحذر مما يحبط هذه الأعمال، حتى ينتفع بها الإنسان يوم القيامة. وهكذا يكون حاله سواء في السر وفي العلن، لا يكون في العلن على حال وفي السر على حال. فقد حذر نبي صلى الله عليه وسلم من هذا الصنف، كما في حديث ثوبان عند ابن ماجه في قوم يأتون يوم القيامة لهم حسنات كأمثال جبال تهامة بيضاً، يجعلها الله هباء منثوراً، وذكر وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم من بني جلدتنا ويأخذون من الليل، قال: «ما تأخذون؟» لكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها. يعني عند الناس ما شاء الله ظاهر للتقوى والصلاح وغير ذلك، لكن إذا كان في غرفته الخاصة صار بعيداً عن الناس انتهك المحرمات ونظر إلى المحرمات وسمع المحرمات. لا يا عبد الله، بل اجعل حالك في السر وفي العلن واحداً، حتى تسير سيراً صحيحاً. نكتفي بهذا، نسأل الله جل وعلا أن يعين على الأعمال الصالحات وأن يتقبلها منا سبحانه وتعالى، وأن يعين على السير إليه وإلى الدار الآخرة سيراً صحيحاً. والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبرك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.