الدرس في شرح القيروانية 3، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يبيّن المقطع أن هداية العبد وتوفيقه للطاعة تأتي بفضل الله وتوفيقه لا بجهد العبد، بينما إضلال من خُذل يتم بعدل الله وعلمه السابق باختياره الضلالة. ويستشهد بحديث علي بن أبي طالب في التيسير على ما خُلق له كل إنسان، مؤكداً حاجة العبد إلى معونة الله ليثبت على الإيمان ويدفع دواعي الشر.
يشير المقطع إلى أن العبد يحتاج إلى توفيق الله ليحبب الإيمان إلى قلبه ويكره الكفر والفسوق، وأن الخاتمة الحسنة تكون للصادقين المخلصين بينما الخاتمة السيئة لمن خذلهم الله لعلمه بعدم صدقهم. كما يوضح منهج أهل السنة في الإيمان بأنه قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح.
يشرح المقطع كيف علّم الله العباد العلم بالقرآن والوحي فاستغنوا بالحلال عن الحرام، ثم يتناول عبارة «أما بعد» ونسبتها إلى داود عليه السلام، ويفصّل مفهوم الرعاية بوصفها حفظ الأمانات الإلهية كالسمع والبصر والقلب والجوارح والأولاد، مع التأكيد على حاجة العبد إلى عون الله لأدائها خاصة في السفر، ويختم بذكر أن هذا المختصر كُتب بناءً على طلب من سائل لبيان واجب أمور الديانة.
أعلن المحاضر انتهاء وقت الدرس الحالي على أن يُستكمل الشرح في الجلسة القادمة، مختتماً بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه. يُشير هذا الختام إلى استمرارية السلسلة التعليمية وتأكيد المتابعة في اللقاءات اللاحقة.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ العلامة محمد بن أبي زيد القيرواني رحمه الله تعالى في مقدمة رسالته: قال رحمه الله: "فهدى من وفقه بفضله، وأضل من خذله بعدله، ويسر المؤمنين اليسرى، وشرح صدورهم للذكرى، فآمنوا به بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مخلصين، وبما أتتهم به رسله وكتبه عاملين، وتعلموا ما علمهم، ووقفوا عندما حد لهم، واستغنوا بما حل لهم عما حرم عليهم". ذكر رحمه الله تعالى: قال: "فهدى من وفقه بفضله". وهذا يفيدنا أن من هداه الله جل وعلا ووفقه، فذلك بفضله سبحانه وتعالى، فليس من اهتدى بذكائه، أو لأجل نسبه، أو لأجل حسبه، وإنما هو توفيق الله جل وعلا وفضل الله سبحانه وتعالى. لو لا أن وفقك الله جل وعلا بالهداية، ووفقك وأعانك على ذلك، لما اهتديت. وذلك الصحابة كانوا يقولون: "والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا". لكن الله جل وعلا هداهم ووفقهم وأعانهم. كل الأعمال التي يعملها العباد من صلاة وصيام وطاعات، كل ذلك بفضل الله وتوفيق الله. وهكذا هدايته سبحانه وتعالى لعباده توفيق منه جل وعلا، فذلك بفضله. وهذا يمنع الغرور عندك والعجب بنفسك، حين تعلم أن ما أنت عليه من طاعة وبر واستقامة بفضل الله، لا بحولك ولا بقوتك. وذلك قال جل وعلا: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾. وكما قال جل وعلا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾. فهذا هو توفيق الله جل وعلا وفضله. فمن هداه فبفضله، ومن أضله وخذله فبعدله. من وكله إلى نفسه، عقبه الله جل وعلا بعدله، لم يظلمه جل وعلا. لأن من هداه سبحانه وتعالى ووفقه وأعانه، إنما هو لسابق علمه، إنما هو لسابق علمه جل وعلا بعباده. فالله جل وعلا سبق علمه في عباده المهتدين والضالين، فعلم من عباده المهتدي الذي هو أهل للهداية، وعلم في سابق علمه جل وعلا من عباده الضالين من هو أهل للضلالة، ولا يريد الهدى، فيسر كل واحد لما علم منه. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام، وقد أشار رحمه الله إلى هذا بعد أن ذكر هذا، قال: "ويسر المؤمنين اليسرى، وشرح صدورهم للذكرى". النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الصحيح، وهو في جنازة في بقيع الغرقد، كان بيده عود ينكت به، رفع رأسه فقال: "ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها، قد علم منزلها، قد علم منزلها". فقالوا: يا رسول الله، قال: "شقية أو سعيدة". فقالوا: يا رسول الله، ففيما العمل؟ أفلا ندع العمل ونتكل على كتابنا؟ قال: "لا، اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، كل ميسر لما خلق له، كل ميسر لما خلق له". والمعنى أن كل أحد ميسر لما علمه الله جل وعلا منه في سابق علمه، وأنه سيسير عليه، فيسر للمهتدين الذين علم جل وعلا في سابق علمه أنهم يهتدون، يسر لهم أسباب اليسرى. "اعملوا، فكل ميسر لما خلق له". فأما من كان من أهل السعادة، فمن كان من أهل السعادة فيسر لعمل أهل السعادة. من كان من أهل السعادة، أي في سابق علم الله جل وعلا، وعلم جل وعلا منه اختياره للسعادة والهدى، فيسره لذلك وأعانه على ذلك. فمن كان من أهل السعادة في سابق علم الله جل وعلا، فيسر له اليسرى. فمن كان من أهل السعادة فيسر لعمل أهل السعادة. ومن كان من أهل الشقاوة، أي في سابق علم الله سبحانه وتعالى، مما علمه جل وعلا منه أزلا، وأنه يريد الشقاوة ويختار طريق الضلالة والغواية، يسره لذلك. وذلك قال: "ويسر المؤمن اليسرى". ومعناه أنه يسر لأضلال العسرى. ما ظلمهم، هذا هو عدله. هم اختاروا ذلك، علم ذلك جل وعلا منهم أزلا. فمن كان أهل السعادة فيسر لعمل أهل السعادة، ومن كان أهل الشقاوة فيسر لعمل أهل الشقاوة. وذلك أهل السنة والجماعة يقولون: من هداه الله جل وعلا فبفضله وبتوفيقه وإعانته، لا بحوله ولا بقوته. لولا معونة الله جل وعلا له وتوفيقه لم يهتدِ، لكن هداه الله سبحانه وتعالى ووفقه. هذا التوفيق وهذه الهداية وهذا العون للمؤمن هو تثبيت دواعي الشر، تثبيت دواعي الشر حتى يعمل العبد الطاعة لله جل وعلا ويرتدع عن المعصية. لأن العبد إذا أراد أن ينتثل أوامر الشرع، يفعل الطاعات ويجتنب عن المحرمات، فإنه ينازعه في ذلك مثبتات النفس الأمارة بالسوء، والوسواس الخناس الذي وسوس في صدره، وهكذا شياطين الجن وشياطين الإنس. كل هؤلاء يحاولون على أن لا يفعل العبد الطاعة ولا يترك المعصية. فإذن هو يحتاج إلى إعانة من الله جل وعلا حتى ينتصر على هذه الدواعي، دواعي الشر والمثبتات. فيعينه الله سبحانه وتعالى، وأول ما يعينه عليه حتى يكون من أهل الإسلام أن يحبب الإيمان في قلبه ويزين الإيمان في قلبه، ويريد أن يكون علم الله جل وعلا منه أنه يختار الإسلام على الكفر. لكنه وهو كافر، هناك مثبتات: الشيطان لا يريد منه أن يسلم بل يبقى على الكفر، نفسه الأمارة بالسوء، شياطين الجن، شياطين الإنس. إذن هو بحاجة إلى إعانة الله له حتى يسلم ويترك الكفر. فإذن يحتاج إلى أن يحبب الإيمان ويزين في قلبه، ويكره الكفر والفسوق والعصيان إلى قلبه. وقال جل وعلا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾. لأن الإيمان إذن يحبب إلى القلب، كيف يترك الإنسان الكفر ويدخل في الإسلام والإيمان لا يحبب إلى قلبه؟ وما زين الإيمان في قلبه، الشيطان يزين الكفر ويحبب الكفر. وبحاجة إلى عون الله جل وعلا أن يزين له الإيمان في قلبه، وأن يحببه إلى قلبه، ويكره إليه الكفر. وهكذا المسلم يحتاج إلى هذه المعونة، إلى كراهة الفسوق والعصيان، إلى أن يكره الخمر في نفسه، تكره الزنا، تكره المحرمات، وتزين إلى قلبه الطاعات فيعملها. هذا كله توفيق من الله جل وعلا. إذا لم يكره إذا لم يكره العصيان للعبد كيف يتركه؟ وإذا لم تحبب الطاعات كيف يفعلها؟ إذا هو بحاجة إلى هذه المعونة من الله جل وعلا. فالله جل وعلا من علم منه أنه يريد الخير، يريد الطاعة، يريد الرشد، لا يريد الضلال ولا يريد العصيان، أعانه الله جل وعلا ويسر له أسباب الطاعة وأسباب نيلها، وكره إليه الفسوق والعصيان والمحرمات، فيفعل الطاعة ويترك المعاصي. لخلاف الآخر الذي علم الله جل وعلا منه غير هذا، فلا يعينه. وعدم معونة الله جل وعلا له لعلمه جل وعلا بعده أنه لا يريد ذلك، وليس أهلا للطاعة، وليس أهلا للإسلام. فخذله، بقي على كفره، أو بقي على معصيته، كان من المسلمين ممن يشرب الخمر أو يفعل الزنا. إذا إذا لم يعلم الله جل وعلا صدقه، ولم يكن صادقا في ذلك في ترك هذه المعاصي والمحرمات والكبائر، كيف يعينه؟ لا يعين إلا الصادق الذي علم الله جل وعلا صدقه، فيسر له أسباب ترك المحرمات وأسباب فعل الطاعات. هذا يدل على هذا الحديث العظيم الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: "فأما من كان أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة". ومثل حديث عبدالله بن مسعود في الصحيح، في ذكر عبدالله بن مسعود حضره، قال: "حدث رسول صادق المصدوق". في آخر الحديث قال عليه الصلاة والسلام: "وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة كما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب". الذي سبق في سابق علم الله جل وعلا هو الذي يسبق عليه، تكون الخاتمة عليه. تكون الخاتمة، لا تكون الخاتمة على ما ظهر للناس وما بدا للناس من هذا. لُغِي في بعض الأحاديث: "فيما يبدو للناس"، يعني فيما يبدو للناس أن فلان من أهل الجنة، والأمر ليس كذلك في سابق علم الله، وأن فلان من الناس من أهل النار، وليس كذلك في سابق علم الله. فهذا تكون عليه الخاتمة: خبث الطوية، عدم الإخلاص، الاستمرار على ذلك، أمهله الله ليتدارك نفسه، ولكن الشر هو العياذ بالله. فلذلك تأتي الخاتمة. هذا في النادر، في أصناف نادرين من الناس. وإلا غالب الناس، بحمد الله، من كانوا على الطاعة يختم لهم بالطاعة. من كان من أهل الصلاة، من أهل العبادات، هذا الغالب الذي شاهده الناس منذ آلاف السنين. صحابة رضي الله تعالى عنهم، من الذي خرج من هذا منهم إلا نفر يسير من الخوارج وغيره ممن ارتدوا في عهد أبي بكر وغيره؟ وإلا فعامة الناس، بحمد الله، من نشأوا على الطاعة وصدقوا مع الله، ختم لهم بالخاتمة الحسنة. والنادر ممن لم يكن صادقاً مثل ذلك الرجل الذي قاتل وقاتل، مع أن قتاله كان شديداً، لكن في آخر أمره ما تحمل، تحمل عن نفسه وقتل نفسه. وذكر نفسه. هذا الحديث في هذا الموضع يبين هذا من هؤلاء الصنف. فإذا إذا وفق الله يا عبد الله، فاحمد الله، واعلم أن ذلك فضل الله عليك، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وذلك قال: "وشرح صدورهم للذكرى". وهذا هو من التوفيق، يشرح صدرك لقبول الإسلام، لفعل الطاعة، لترك المعصية. كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾. ومن يرد الله أي هدية، والله جل وعلا من أراد هدايته قد سبق في سابق علمه أهلية عبده لهذه الهداية. ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾. وهذا كله مرتبط بسابق علم الله جل وعلا، أبينه الحديث السابق، قال: لذكرناه حديث علي بن أبي طالب. قال: "فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مخلصين". فأتوا بالإيمان بألسنتهم وبقلوبهم. وليس معناها أن الإيمان يكون باللسان نطقاً وبالقلب اعتقاداً وإخلاصاً لا. ولذلك قال: "وبما أتتهم به رسله وكتبه عاملين". فإذن الإيمان يكون بالنطق باللسان، وبالاعتقاد بالجنان أو بالقلب، والعمل بالجوارح والأركان. هذا منهج أهل السنة والجماعة في الإيمان. وهذه المقدمة في الرسالة، هذا الإيمان يدلنا على ما سيأتي، وأنه حين قال: "ما تعتقده الأفئدة وتنطق به الألسنة"، ليس معناها أن الإيمان القول باللسان والاعتقاد بالجنان. فهذه المقدمة تدل على سلامة منهجه في الإيمان رحمه الله. بل وعقد فصلاً في الإيمان وقال: "القول وعمل واعتقاد"، كما سيأتي. فإذن هذا وصفهم الذي كانوا عليه. وقال جل وعلا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. وقال: "وتعلموا ما علمهم، ووقفوا عندما حد لهم". نعم، تعلموا ما علمهم الله جل وعلا. علم العباد في كتابه وعلى ألسنة رسله. جل وعلا علمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيم. ﴿الرَّحْمَانُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. في الآية الأخرى: ﴿وَعَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. فعلمهم جل وعلا، فعلموا ما علمهم، وتعلموا ذلك، ووقفوا عند حدود الله، واستغنوا بما حل لهم عما حرم عليهم. يعني أخذوا الحلال، استكفوا بالحلال عن الحرام. والحمد لله لم يتعدوا إلى الحرام، وإنما أكلوا الطيب، واستكفوا بالحلال. ولسان حالهم يقولون: "اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، اللهم أغننا بحلالك عن حرامك". في الإنسان يبعو الله عز وجل أن يغنيه بالحلال عن حرامه. وفي الحلال غنى عن حرام. في الحلال غنى عن الحرام. الحمد لله. الحرام الخمر، غنى في الحلال، في الحلال عن حرام. عندك مشروبات، كم المشروبات التي حلها الله؟ أكثرها حلال. الخمر مشروب محرم، والمشروبات الأخرى حلال طيب. الزنا حرمه الله، عندك الحلال: تزوج واحدة، اثنتين، ثلاث، أربع. طيب. عندنا شباب كلهم. وهكذا أهل الإيمان استغنوا بما حل الله عما حرم عليه، وبالطيبات عن الخبائث. الحمد لله. قال الشيخ رحمه الله: "أما بعد". وهذه الكلمة يؤتى بها في المقدمة للشروع في المراد. إذا كتب أهل العلم المقدمة وأرادوا الشروع في الموضوع الذي يريدونه، قالوا: "أما بعد". وكما النبي عليه السلام فعل ذلك في خطبة الحاجة، حين ذكر الآيات في خطبة الحاجة: "أما بعد". طيب، فهي كلمة يؤتى بها في بداية الرسائل. واختلف أهل العلم في أول من قالها، في أول من قال هذه الكلمة "أما بعد"، على أقوال كثيرة بلغت ستة أو أقل أو أكثر. ورجع العلم أن أول من قالها داوود عليه السلام، وهو فصل الخطاب الذي آتاه الله جل وعلا، وهي هذه الكلمة "فصل الخطاب". وذلك لأنها تفصل بين الكلام وغيره. هذا الذي رجحه أكثر أهل العلم في أول من قالها. من قال "أما بعد" يقول له داوود عليه السلام، وهي فصل الخطاب الذي آتاه الله سبحانه وتعالى: ﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. نعم، وفصل الخطاب. قال: "أما بعد، أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه، وحفظ ما أودعنا من شرائعه". وهذا فيه بداية بطلب العون والدعاء بذلك، وهذا من حسن سريرة المؤلف، من حسن سريرة المؤلف حيث يدعو الله عز وجل ويطلب العون من الله جل وعلا له ولك: "أعاننا الله وإياك". الشيخ ابن أبي زيد رحمه الله تعالى في بعض رسائله يقدم الدعاء بالرحمة: "رحمك الله"، نعم "رحمك الله"، "اعلم رحمك الله"، "اعلم رحمك الله". فيدعو للمتعلم، يدعو للمتعلم. طيب. وهنا دعا لنفسه ولغيره: "على رعاية ودائعه". الرعاية منزلة من المنازل، والرعاية بمعنى حفظ الأمانات والقيام بأدائها. قد ذكر العلامة السعدي رحمه الله في منظومته "السير إلى الله والدار الآخرة" منزلة الرعاية. وإذا غير منها، العالم على ابن قيم كذلك رحمه الله. فالرعاية منزلة، وهو أن يرعى العبد ما استودعه الله سبحانه وتعالى، يرعاه لأنها أمانات تحتاج إلى رعاية من العبد، وإلى حفظ، وإلى أدائها والقيام بها على وجه المشروع. فكم هي الرعايات التي عندنا والأمانات كثيرة: السمع والبصر، نعم، والقلوب والجوارح، الأولاد. أمانات كثيرة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. فالقيام بهذا وهذه المسؤولية، وقال لها الرعاية. والإنسان بحاجة إلى عون الله جل وعلا على أن يعينه على القيام بهذه الرعاية، رعاية هذه الودائع. لأن هذه النعم الظاهرة والباطنة ودائع عندنا وأمانات. الوديعة عندك، أو الله جل وعلا استودعك هذه الودائع وهذه الأمانات، فعليك أن ترعاها حق رعايتها. لا تكن من من ضيع هذه الرعاية. كما قال جل وعلا: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. ذمهم الله جل وعلا لأنهم لم يقوموا برعاية ما استرعاهم جل وعلا. وقال النبي عليه الصلاة كما في حديث معقل بن يسار في الصحيح: "ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا أدخله الله النار، لم يرح رائحة الجنة". فهذه كلها رعاية، رعاية وأمانات. فالإنسان يحتاج إلى إعانة الله وتوفيقه على رعاية هذه الودائع وحفظ هذه الودائع. وأنتم تعلمون الدعاء العظيم الذي يؤتى به إذا أراد الإنسان السفر، إذا أراد الإنسان سفراً، يقال له: "ماذا؟ استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك". ويقول: "استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه". فهو يذكر، يذكر إذا أراد سفراً أن لا تضيع الودائع، يحفظ هذه الودائع. يذكر بحفظ الودائع. هو يريد السفر الآن، والسفر فيه ما فيه، السفر فيه ما فيه من المشاق والمصاعب والتعب، قد يقصر في أمر الصلاة، قال: "أنا مسافر، أنا تعب، كذا، لا". فهو بحاجة إلى أن يذكر بهذه الودائع وهذه الأمانات، وأعظمها الدين وخواتيم الأعمال. وذلك اهتماماً بأمر رعاية هذه الأمانات، وخصة هنا في السفر، لأن الإنسان أحرى وأولى بالتذكير بها من المواضع الأخرى، لأن السفر مظنة التقصير والتفريط والإهمال في أداء هذه الواجبات وهذه الرعايات. فلذلك، فلذلك كان من أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن بين هذا عليه الصلاة والسلام، وهي السنة تقال للمسافر إذا أراد سفراً. قال: "فإنك سألت أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة". طيب، وهنا بدأ في إجابة من سأله ليكتب هذه الرسالة، ويدلنا على أنه كتبها بناء على طلب من غيره، كما سيأتي معنا. لأن الوقت انتهى، فنقف هنا ونواصل إن شاء الله في الدرس اللاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.