كتاب الصلاة  91

كتاب الصلاة 91

الدرس في كتاب الصلاة 91، الدرس الحادي والتسعون:(الحديث الثالث والعشرون بعد المائة.عن عائشة رضي الله عنها ...و-إحدى عشر ركعة يسلم في كل ركعتين ثم يأتي بواحدة). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

صلاة الليل وعدد ركعاتها

شرح حديث عائشة حول صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة في الليل، وبيان أن الأفضل هو متابعة سنة النبي مع جواز الزيادة. يناقش كيفية صلاة الليل وعدد الركعات والاختلاف في الروايات حول ذلك.

أحكام الوتر وصلاة ما بعدها

يتناول المقطع أحكام الوتر وجواز الصلاة بعد الوتر، ويشرح كيفية الجمع بين الروايات المختلفة في عدد ركعات صلاة الليل.

التدرج في طلب العلم واتباع السنة

يُناقش أهمية التدرج في طلب العلم واتباع السنة في العبادات، ويُشدد على ضرورة بناء المعرفة بشكل متسلسل ومنهجي مع الاجتهاد المبني على الأدلة.

الاستمرار في طلب العلم وتطبيقه عمليًا

يُوضح أهمية الاستمرار في طلب العلم وتطبيقه لمنع زوال النية وتغير القلب، مع ضرورة ملازمة العلماء وقراءة كتبهم وفتاويهم لتثبيت العلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الحافظ عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى: قال الحديث الثالث والعشرون بعد المئة عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشر ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها. أورد الحافظ عبدالغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره في أحاديث قيام الليل وباب الوتر. وأقرب الألفاظ إليه ولفظ الإمام مسلم رحمه الله، فقال: وحدثنا ابن نمير قال: حدثنا أبي قال: حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها. وأخرجه البخاري بلفظ نحو هذا اللفظ، ليس مثله. فهذا اللفظ هو لفظ الإمام مسلم، أخرجه بالإسناد المذكور بلفظه. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي: تصف عائشة رضي الله عنها صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل بأنه يصلي ثلاث عشرة ركعة، فيصلي الثمان الأول ركعتين بركعتين، ثم يصلي خمسا في سلام واحد، لا يجلس إلا في آخرها، ويجعلها وترا. وهذا الحديث كما تقدم معنا لا ينافي قولها: أنه عليه الصلاة والسلام لم يزد في رمضان ولا غيره على إحدى عشر ركعة، إذ هذا مضمن لركعتين هي استفتاح صلاة الليل. فمن قام من نوم يستحب أن يستفتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين، كما جاء معنا في حديث أبي هريرة من قوله عليه الصلاة والسلام. ومن لم ينم، مثلا يصلي في أول الليل أو واصل سهره في الليل، مثل ليالي رمضان مثلا، فهنا يصلي إحدى عشر ركعة. ومثله حديث ابن عباس، لأنه قام من نوم فيبدأ الصلاة بركعتين خفيفتين. فمن ذكر ثلاثة عشر ركعة معناه أنه كان بعد نوم، واستفتح الصلاة بركعتين خفيفتين، ثم بعدها أحد عشر ركعة هي الوتر، هي قيام الليل بعد هاتين ركعتين الخفيفتين. وهل هذا معناه أنه لا يجوز الصلاة بأكثر من ثلاثة عشر ركعة؟ الجواب: أما الأفضل فثلاثة عشر ركعة، وما دون ذلك، لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي داوم عليه. وما زاد عن ذلك هو جائز، لكنه خلاف الأفضل، جائز وهو خلاف الأفضل. لو قال قائل: كيف تقولون خلاف الأفضل وتقولون جائز؟ الجواب: لأن الأفضل متابعة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله عز وجل: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، فهذا هو وصف صلاته عليه الصلاة والسلام. هذا معنى، والمعنى الثاني: أنه لو كان عنده نشاط وجهد لما فيه إعمار الوقت بالسنة، مثلا إذا أراده في صلاة الليل، فكونه يطيل القراءة والركوع والسجود بعتدال خير له من أن يصلي ركعات كثيرة من دون خشوع واطمئنان. فمثلا لو صلى ستة وثلاثين ركعة، في كل ركعة يقرأ بقصار المفصل، كحال العوام في ليالي رمضان، في بعض المواضع يصلون ستة وثلاثين ركعة، وفي بعضها إحدى وعشرين ركعة. لكن أين الخشوع؟ سباق ما تستطيع تدرك الركوع ولا السجود، بس الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، رياضة. فتخرج كأنك خرجت من معركة، هذا حال أكثر المساجد. هل هذا أفضل أم الاتصار على إحدى عشر ركعة، فيها من الخشوع والطمئنين وقراءة القرآن وتدبره ما هو أفضل؟ فتجد أصحاب إحدى وعشرين ركعة يخرجون قبل ماذا إحدى عشر ركعة أو ثلاثة عشر ركعة؟ فإذن ليس المقصود هو الكثرة، المقصود هو كيف تصلي. ولهذا لما ننظر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الليل، كان فيها خشوع وتدبر وقراءة قرآن. صلى معه أحد أصحابه مرة حتى خشي كما قال: بسوء. قالوا: هم بسوء. قال: ماذا هممت؟ قال: هممت وأن أخرج من الصلاة وأترك النبي صلى الله عليه وسلم وحده، لأنه افتتح الصلاة بسورة البقرة، ثم ثنى بسورة النساء، ثم ثلث بآل عمران، كل هذا في ركعة واحدة. وليس معناه أن نفعل هذا مع العوام لا، هذا إذا صليت وحدك، لا بس إذا أنت نشيط وصليت وحدك في البيت، لا بس أن تفعل هذا. والعدل الذي علم النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن العاص: أن لا يختم القرآن في أقل من ثلاث، وأرشده أول الأمر إلى دون ذلك. يعني لو استطعت أن تقرأ في اليوم ثلاثة أجزاء، هذا أفضل شيء. فتختم القرآن في كم؟ في عشرة أيام، هذا أفضل شيء، أو سبعة أيام وهكذا. لا أقل من ثلاثة أيام. وإن صليت بالناس خفف. إن صليت بالناس خفف. جرى عمل أهل العلم في هذا الزمان: جزء إلى نصف جزء. إن كان المسجد مسجد طلبة علم ومحبي العلم، فتصلي جزءا. وإن كان المسجد مسجد عوام، والإمام ما عنده حوله طلبة علم، تصلي بهم نصف جزء. تصلي بهم نصف جزء، على هذا جرى عمل أهل العلم. وهذا من الحكمة، ومن مراعاة المصالح من المفاسد، ومن فقه التعامل مع الناس. نحن نستفيد من العلماء العلم، وكيف نطبق العلم. الشاهد من هذا يقال لمن يريد أن يكثر: نحن ما نمنعك من الزيادة، لكن كونك تقتصر على السنة بخشوع واطمئنان، هذا أفضل لك، وهذا الأفضل لك. وأكثر من يجادل في هذه المسألة تجده لا يعمل بما هو مقصود صلاة الليل، يجعل الناس يصلون إحدى وعشرين، لكن إحدى وعشرين بدون خشوع وبدون طمئنان، وليس هذا هو المقصود. كانت صلاة الليل في زمن عمر رضي الله عنه: يصلونها بالمئين من الآيات، حتى أن بعضهم ليتكئ بالعصي من طول القيام. يتكئون بالعصي من طول القيام، وهذا معناه أنهم كانوا يطيلون. وهذا إذا كان الناس يتحملون، مثل ما قلنا: في موضع فيه طلبة علم يحبون ذلك، لا بأس. حتى طلبة العلم إذا كان يشق عليهم الإمام، مثل الراعي يسير رعية بما يحببهم للدين، لا أن ينفرهم من الدين. لأن بعض الناس إذا كان مثلا في بعض المراكز، يعني وإن كنا في مركز علمي، لكن يصلي بنا مثلا بعض الأحيان، كان أحد الإخوة ما شاء الله يقرأ في الركعة، خصوصا في العشر الأواخر، ربما أكثر من ثلاثة أجزاء. بعض طلبة العلم ما يستطيع، فيترك صلاة الليل، يترك الصلاة مع الناس، بل كثر ذلك. وهذا خطأ، ينبغي الإنسان أن يرفق بمن خلفه. وإذا حب يطيل يطيل لنفسه، أما إذا كان إمام لناس، فلا ينفرهم. بل ينبغي عليه أن يرغبهم، ويحببهم لأطاعة. من صلى بالناس فليخفف بهم، هذا عام يشمل الفريضة، ويشمل ماذا النافلة؟ يشمل الفريضة ويشمل النافلة. نعم، فننتبه لهذا المعنى. وهنا يرد إشكال عند بعض طلبة العلم، فضلا من دونهم، يقولون: نسمع أن بعض الأئمة كان يصلي ألف ركعة، فكيف هذا؟ الجواب: أكثر هذه الآثار لم تصح، أكثرها لم تصح، وهي لا توافق الواقع. لو حسبنا كل ركعة بدقيقة، إذن كم دقيقة؟ ألف دقيقة، كم ساعة؟ أقسمها على ستين. ها، ستة بخمسة عشر بتسعين، ها، وواحد، يعني ستة عشر. وزايد واحد، سبعة عشر. طيب، يعني قريب من سبعة عشر ساعة. أين سبعة عشر ساعة في الليل؟ هل يوجد ليل فيه سبعة عشر ساعة؟ ما يوجد ليل فيه سبعة عشر ساعة. ثم هذا لو قدرنا أن الصلاة الواحدة بدقيقة، إذن أين الخشوع؟ أين قراءة الفاتحة؟ أين قراءة السورة؟ أين الركوع؟ أين السجود؟ به نعرف أن أكثر الذي يروى كذب وخطأ ومبالغات، مما يريد بعض الناس أن يمدح الإمام فينقل الأشياء الغير صحيحة. وبعضهم يقولون: كان فلان يصلي ثلاث ألف ركعة، كيف ثلاث ألف ركعة؟ هذا غير ممكن. نعم، فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: فائدة: اختلفت الروايات عن عائشة رضي الله عنها في كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روي: سبعا، وتسعا، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وغير ذلك. وكلها صحيحة ثابتة صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أكثرها في الصحيح مسلم، وبعضها خارج الصحيح. وقد تقدم أن الشيخ الألباني رحمه الله له رسالة خاصة في قيام الليل، ذكر فيها الروايات التي تصف كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل. وفي هذا الحديث كونه صلى ثلاثة عشر ركعة، أوتر بخمس، لا يجلس في شيء يدل: أنه أوتر بخمس، ويدل كذلك أن هذه الخمس لم تشبه بالفريضة، فليس فيها تشهد أول، بل كلها تشهد سردا، ويتشهد في المجلس الأخير ويسلم. ومثله لو صلى ثلاثا، يسردها سردا، ليس فيها تشهد أول، ويسلم في الأخير. ومثله لو صلى سبعا أو صلى تسعا على ما جاءت به الروايات. قال: وروي عنها في الصحيحين: أنه ما كان يزيد على إحدى عشر ركعة. وأحسن ما يجمع بينهن: أن الرواية بعدم الزيادة على إحدى عشر ركعة هو الأغلب من صلاته، وقد يزيد وقد ينقص حسب النشاط عدمه أو لقصد التعليم وبيان الجواز. وبالاستقراء وتتبع السنة لم يعلم أنه زاد على ثلاثة عشر ركعة عليه الصلاة والسلام، فليس هناك شيء يدل أنه زاد على ثلاثة عشر ركعة. وإذا نظرنا في هذه الزيادة مع حديث أبي هريرة في استفتاح صلاة الليل لمن قام من النوم بركعتين خفيفتين، يفك بها عقدة الشيطان، علمنا وجه الجمع بين حديث عائشة: إحدى عشر ركعة، وبين الأحاديث التي فيها ثلاثة عشر ركعة، حديث عائشة وحديث ابن عباس وغيرها من الأحاديث الأخرى. فيكون وجه الجمع: أن الإنسان إذا قام من النوم وأحب أن يصلي إحدى عشر ركعة، فليستحب في حقه أن يستفتح بركعتين خفيفتين، ثم يبدأ إحدى عشر ركعة. وإذا حب أن يصلي تسع، استفتح بركعتين خفيفتين، ثم صلى تسع. أو ثلاث ركعتين خفيفتين ثم ثلاث. فائدة الركعتين الخفيفتين: هو أن يحل عقدة الشيطان، ويدخل الصلاة بنشاط. وأما إذا لم يكن عن نوم، فيصلي إحدى عشر ركعة. بهذا تجتمع الروايات، والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: الأحكام المستنبطة من الحديث: أولا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يجعل في صلاته في الليل ثلاثة أو ثلاث عشرة ركعة من دون ركعتين الفجر، معناه: ركعتين الفجر لا تحسب من الوتر. والسبب: أن بعض أهل العلم فسر: ثلاثة عشر ركعة منها ركعتين الفجر، جمعا مع حديث إحدى عشر ركعة. وهذا التكلف لأنه لم يأتي في حديث عائشة فقط، بل جاء في حديث عائشة وابن عباس وغيرهما. ولكن الصحيح: من دون ركعتين الفجر. ثم شيء آخر: الثبت كذلك أنه صلى عليه الصلاة والسلام بعد وتره أربعا، وفي رواية: ركعتين. وقد اختلف أهل العلم في هذه الصلاة بعد الوتر، فقيل: أنها صلاة ركعتين الفجر. وقيل: أنها قضاء لصلاة كان نسيها عليه الصلاة والسلام. وقيل: أنها من صلاة الليل، أحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يزيد ففعل ذلك ليدل على الجواز. وهذا لم يروى إلا في حديث واحد فقط: أنه صلى صلاة ليل بعد الوتر، ولكن لم يوتر، إنما شفع. يعني قد أوتر ثم صلى بعد الوتر أربعا، صلى بعد الوتر أربعا. فهذا يدل على أنه يجوز ذلك، يجوز ذلك. فإذا فعل ذلك الإنسان أحيانا، خصوصا إذا صلى الوتر ونام ثم قام من الليل، فلأجل فضيلة الليل والدعاء فيه، لا بأس أن يصلي ركعتين أو أربع من النفل المطلق الذي يتقرب به إلى الله ويدعو فيه. أو كذلك انتهى من وتره وأراد أن ينام ما أتاه النوم، فقال: بدلا من أنا نام، أقوم أتطوع لله عز وجل، يجوز. الجواب: يجوز، يجوز. وهذا نادرا، بخلاف من يتعبد لله بما هو أكثر من السنة، فيكون فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا يدل على الجواز. قال رحمه الله: ثانيا: وأنه يوتر في بعض الأحيان من صلاته بخمس ركعات، لا يجلس إلا في آخر ركعة منها. وهذا يدل على تنوع الوتر، تارة بثلاث، تارة بخمس، كما تقدم. أو سبع أو تسع. قال: ثالثا: أن المراد يكون صلاة الليل مثنى مثنى في غير الوتر، يعني بهذا تجتمع الأدلة، فلا ينافي هذا قوله عليه الصلاة والسلام: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى». قال: فإنه قد يصلي سبعا لا يجلس إلا في آخرها، وقد يصلي خمسا لا يجلس إلا في آخرها، وقد يصلي تسعا يتشهد في الثامن منها بلا سلام، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم. وهذه الرواية بعض أهل العلم انتقدها، الذي فيها التشهد الأول ثم يقوم ويأتي بركعة ويتشهد ويسلم. وبعض أهل العلم صححها، ومن صححها جمع بينها وبين حديث النهي عن التشبه بالفريضة: أنه لا يوجد فريضة فيها تسع ركعات وتشهد قبل الركعة الوتر الأخيرة، واضح. يعني ما في شبه بالفريضة. فإذا من صححها الحديث لا إشكال، لأنها لا تشبه هذه الصفة الفريضة. قال: رابعا: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل، وأوكد ذلك الوتر وركعتا الفجر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع هاتين النافلتين في حضر ولا سفر، قيام الليل وركعتين الفجر. ومن قيام الليل الوتر، فهو الذي يختم به قيام الليل. قال: خامسا: وقال بعد أن ذكر وجوه الوتر الواردة في السنة: والصواب أن الإمام إذا فعل شيئا مما جاءت به السنة، وأوتر على وجه من الوجوه المذكورة، يتبعه المأموم في ذلك. وهذا كما رأينا فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. طيب، هنا يأتي إشكال عند بعض الناس: إذا أوتر الإمام أو صلى الإمام بكيفية لا يرى المأموم مشروعيتها، فكيف يصنع؟ الجواب: أن هذا ينقسم إلى قسمين: قسم منه مما هو من خلاف التضاد، فهذا لا تتابعه فيه، لأن المتابعة بالمعروف إنما الطاعة بالمعروف، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وشيء منه هو محل اجتهاد، محل اجتهاد ليس فيه نص صحيح صريح، فهو مما يسع فيه الاجتهاد. فما كان كذلك فتتابعه، حتى لو كنت ترى أن الصواب خلاف هذا، حتى لو كنت ترى أن الصواب خلاف هذا. وهذا الأصل دلت عليه عمومات وأدلة كثيرة، من فعل الصحابة رضي الله عنهم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم وتطبيقهم لذلك بعد حياته عليه الصلاة والسلام. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ وَإِنْ أَخْطَأُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ». ولا يعني ذلك أن يتابع بخلاف الصواب، ولذلك لو قام الإمام إلى الخامسة في الفريضة، هل نقوم معه؟ الصحيح: لا نقوم معه، واضح. هذا هو الصحيح. وإلا يلزم على القول بالعموم: أننا نقوم معه. ومثله لو صليت خلف زيدي أو مالكي، لم يفهم المذهب المالكي، فأرسل يديه، فماذا ستصنع؟ هل ستصلي مرسل يديك؟ لا، ما سترسل يديك، لأن هذا خلاف تضاد، خالف النص الصحيح الصريح، وليس عندهم شيء مما يمكن أن يقول الإنسان: هذا مما يسعى فيه الخلاف. فإذا نفرق، وهكذا مثله في صلاة الليل. قال رحمه الله: سادسا: قال المحاملي: صلاته صلى الله عليه وسلم الوتر ستة أنواع: ركعة واحدة، وثلاث ركعات مفصولة، وخمس ركعات لا يقعد إلا في آخرهن ويسلم، وسبع ركعات يقعد في السادسة ولا يسلم، ثم يقوم إلى السابعة ويتمها، وتسع ركعات بتشهد في الثامنة ولا يتمها، ثم يقوم إلى التاسعة فيتمها، وإحدى عشر ركعة يسلم في كل ركعتين ثم يأتي بواحدة. وهذه بعضها فيه خلاف ونظر، وبعضها صحت به السنة، وليس هو حصر بل هناك كيفيات أخرى. ومن أحسن من جمع ذلك الشيخ الألباني رحمه الله في رسالته المذكورة. وأحيل لكم عليها حتى لا يطال في هذا الباب. وقد تقدم معنا الكلام على الركعة الواحدة، فالصحيح أنها تفعل لا على وجه الاختيار، إنما في الاضطرار لا في الاختيار، على التفصيل الذي سبق. والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ننظر في هذه الأسئلة الثلاثة. يقول: هل إذا نام الإمام ثم قام ليصلي الليل إماما، فهل يصلي الركعتين لفتاحية الجماعة أو يصلي لوحده، لأنه يعرف أن بعض الناس لم ينم يصلي لوحده؟ يصلي لوحده ركعتين خفيفتين، ثم يصلي بالناس إحدى عشر ركعة. وإذا كان قد علم أن كثيرا من الناس قام من نوم، فإذا يصلي بالناس ثلاثة عشر ركعة، يبدأ بركعتين خفيفتين. هذه هي السنة. صلاة من جنس سائر الصلاة، لم يفتتح بركعتين خفيفتين جاز، لكن الأفضل والأكمل واتباع السنة: أن يبدأ بركعتين خفيفتين. طيب، وهذا يقول: هل يجوز أن يصلي المسلم ركعة واحدة، وكان الوقت طويل من أذان الفجر؟ لكن نستفيد من الوقت لحفظ القرآن، ومراجعة القرآن لا تبخل على نفسك بالطاعة. نعم، يقول: بأي كتب تنصح طالب العلم المبتدئ أن يبدأ من كل فن من علوم الشريعة؟ هذا يحتاج محاضرة كاملة. لكن باختصار: ابدأ بالذي لا يخرجك عما تحتاجه من الأولويات. فمثلا: أضرب مثال واحد، لو أن الإنسان لا يحسن العربية، فنقول له: أول شيء ابدأ بتلقين القرآن، وتعلم اللغة العربية، لأن اللغة العربية مفتاح العلوم. وبعد أن تتقن قراءة القرآن وتعلم العربية، ممكن مع حفظك لما يتيسر من القرآن وتعلمه، تأخذ علما آخر. مثلا تبدأ بمتن في العقيدة، فإذا انتهيت متن في العقيدة، خذ متن في اللغة، ثم يرجع العقيدة أو الفقه، متن في الفقه مختصر، مثلا تأخذ في العقيدة: قواعد الأربعة، وتأخذ في اللغة: الآجرومية، ثم تأخذ في الفقه: صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا تتدرج، تبني بيتك العلمي لبنه لبنه. ومن الخطأ أن تبني جدارا من الأمام، ومن الخلف مكشوف يسقط هذا الجدار، واضح. لابد تبني جدار سوى. فإذا درست العقيدة، ليس بعض الناس عندهم مفهوم خاطئ، ما أدري كيف فهموه، يقول: نأخذ سلسلة في العقيدة، وعلى طول من القواعد الأربعة إلى التدمرية، لا، نحو، لا فقه، ولا شيء. هذا مثل الذي يبني جدارا أمامي، ويترك الجدار الخلفي فاضي، هذا الجدار يسقط. لكن ابنه لبنه لبنه لبنه لبنه، خد عقيدة، وخد فقه، خد لغة، خد عقيدة، خد فقه، خد لغة، خد أصول، وهكذا تتدرج بالعلوم، وتبني البيت يكون بناء قوي. ثم ليس الشأن كل الشأن أن تنهي الكتب هذه، أهم نصيحة أنصح نفسي وإخواني بها: لا يكن همك وغايتك أن يقال: درست ابن عقيل، درست القطر، لا، ولا تدرس التدمرية، لا، ليس هذا الغرض. لكن اسأل نفسك: هل أتقنت الذي درست؟ هذا هو المهم. ولهذا ربما تدرس الأجرومية عشر مرات، ما هي مشكلة، أهم شيء تتقنها، لأن الذي يبقى هو الإتقان. العلم هو الذي يبقى في القلب، ليس الذي يقال: أنك درست. الذي يقال: أنك درست، هذا يذهب ويزول، لكن الذي يبقى بالقلب هو الذي يتكرر، كرره وكرره وكرره حتى تتقنه. فإذا تقنته ابدأ درس، ولا تدرس كتاب حتى تدرس ما فوقه بمرحلتين، أقل شيء. ليس من الصواب أن تدرس الأجرومية وأنت لم تدرس الكواكب، بل ادرس الأجرومية وشرحها والمتممة وشرحها بعدها، لا بأس. درس الأجرومية لماذا؟ لأجل أن يكون عندك تمكن، تستطيع أن تشرح الأجرومية. أما أنت غير متمكن، ما يصبح أن تشرح الأجرومية، لكن لا بأس أن تراجعها مع أحد التلاميذ وزملائك، مرة، مرتين، ثلاث، لا بأس في هذا. فإذا حرصت على ذلك، فأنت بإذن الله ستتدرج تدرجا ينفعك الله عز وجل به. واعلم أن طريق العلم طويل، فلا تيأس، ولا تستعجل. بعض الناس يقطع شوطا طيبا نافعا، ثم تصرفه الصوارف، وللأسف: كم من الأذكياء من يرجى لهم الخير الكثير، صرفتهم الصوارف، إما يأس، وإما ملل، وإما أحيانا شيء من خطوات الشيطان ووساوسه. بعض الناس يقول: أنا محتاج، أريد أعمل قليلا ثم أرجع لطلب العلم، ما يدري أن الشيطان هناك يشوش له بطعم. فإذا خرج عن الخط ما رجع، ولذلك أنا أنصح نفسي وإخواني: إذا احتاج إلى العمل وإلى شيء مما يتزود به، فليكن مع بقائه في العلم، مع بقائه في طلب العلم، اعمل واطلب العلم، قلل من وقت العلم، لكن لا تترك العلم بالكلية، لا تترك طلب العلم بالكلية. اجمع بين الأمرين، ولو قللت من طلب العلم ما دمت فيه، فأنت بإذن الله محفوظ. لكن إذا خرجت عن هذا الخط ما تضمن أن ترجع، ما تضمن أن ترجع فيه. وليس معنى أن لا تسافر، لا، بس سافر، وفي كل مكان طلبة علم، الحمد لله، في بلاد الإسلام تجد طلبة علم. كنت في اليمن أو في السعودية أو في أندونيسيا أو في أي مكان، لازم طلبة العلم، الزم نفسك بالعلم، واعمل، لا بأس. اليد العليا خير من اليد السفلى، ولكن لا تترك طلب العلم، ولو درس واحد في اليوم، من أجل أن تبقى على الخط، لأنك ما تأمن أن قلبك يذهب ويزول، وتتغير النية، ويصرفك الشيطان من حيث لا تشعر. وكما سمعتم: كم قد عرفنا من طلبة العلم الذين درسوا عند الشيخ مقبل رحمه الله، ولم يبق منهم إلا القليل، لم يبق إلا القليل. ممكن واحد يحصي طلاب الشيخ، أتوقع: آلاف مؤلفة، لكن أين هم اليوم؟ الكثير منهم انصرف، صرف. ولو خرج العشر فكان خير كثير، لكن الموجودون اليوم ممن استمروا في طريق العلم ليسوا حتى العشر، ليسوا حتى عشر الطلاب. فهذا يدل أن المسألة تحتاج إلى زيادة اهتمام واعتناء وجدية. ثم إذا وفقك الله لأخذ العلم، اعتني بشيء آخر: تطبيق العلم. الآن أخذت العلم، والعلم سيأتيك، سيأتيك، لا تستعجل، هي مثل أي علم من العلوم الأخرى، بالتكرار تثبت. أنت تقول: ما شاء الله، مسائل الفقه كثيرة، ومسائل العقيدة غيرها، بالتكرار كلها تثبت بإذن الله تعالى، اصبر. وإذا ثبتت اجتهد في معرفة تطبيق العلماء لهذا العلم، لأنك غدا ستكون مرجع لأهلك ولمجتمع الذي أنت فيه، فاعتني بهذا الباب حتى ينفع الله عز وجل بك في المكان الذي تحل فيه. وهذا يحتاج منك إلى ملازمة العلماء، قراءة في كتبهم، في كتب الفتاوى، وغير ذلك مما به تستطيع أن تطبق العلم. وتنبيه أخير: العلم هو المعلومات، إذن لا تزهد في شيء منه. بعض الناس يقول: فتح اليوم كتاب كبير، أنا ما أستطيع أن أكمله كله، إذن لا حاجة لي أن أحضر فيه، وهذا خطأ. لأنه قد يفوتك الكثير من العلم مما ستندم عليه، لأن العلم هو المعلومات، اجمع معلومة من هنا، ومعلومة من هنا، ومعلومة من هنا، وستنفعك في المستقبل. وأنا كنت ذكرت للإخوة بعض الأمثلة: أننا كنا نحضر درس الشيخ أول الأمر، الشيخ مقبل رحمه الله، ونحن مثل الذي يسمع الكلام الإنجليزي. أول ما أتينا في ألف واربعمائة وثمانية، ثمانية وثمانين ميلادي، نسمع الشيخ يقول: هذا فلان، وأثبت الناس فيه فلان، وفلان، ورواية فلان عن فلان منقطعة، وفلان لم يسمع منه إلا كذا، كذا حديث، إيش هذا؟ إيش فلان أثبت من فلان؟ وهذا منقطع، إيش المنقطع؟ ما نفهم شيء. لكن نصحنا بعض الأخوة جزاهم الله خيرا أن نسجل هذه الفوائد، سجلنا ما شاء الله دفاتر، كل ما سمعنا شيء من الشيخ نسجل، كل ما سمعنا شيء نسجل. ثم تعلمنا، فعلمنا هذا الكلام، واستفدنا من هذا الكلام. هذا الذي سجلناه صار مفيد لنا، عرفنا رأي الشيخ في هذه الأشياء، متى استفدنا منه؟ بعد أن درسنا، بعد أن تعلمنا. وإلى يوم هذا والله أرجع إلى هذه الدفاتر، إلى يوم هذا، انظروا كم سنة، من ثمانية وثمانين إلى الآن، كم سنة؟ أكثر أربع وعشرين سنة، تقريبا أو خمسة وعشرين سنة. وإلى اليوم والله أرجع إلى هذه الدفاتر، أرجع إليها، أحتاج أعرف، أنظر ماذا يقول الشيخ في هذا؟ ماذا يقول في هذا؟ كنت أكتب على تقريب التهذيب، لما تيسر، التعليم، أكتب على تقريب التهذيب: أي فائدة يذكرها الشيخ في رجل، أفتح تقريب التهذيب، أسجل ماذا يقول الشيخ فيه؟ ماذا يقول الشيخ فيه؟ اجتمعت فوائد كثيرة من الشيخ، نستفيد منها اليوم. نفس الشيء حضرنا عند الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، أول ما جئت قالوا: جئت تدرس؟ نعم، بعض الناس يأس عنده في العلم، هذا الكتاب للشيخ، فيه عشر سنوات، وما زال إلى الآن لم يتعدى كتاب النكاح، يحتاج إحدى عشرة سنة حتى يكمل الكتاب. لو سمعنا مثل هذا يأسنا من العلم، لكن حضرنا، ما تيأس، نسمع ونكتب، ندون شرح الشيخ، الزاد، يمكن في إحدى وعشرين سنة. لو الشرح الممتع هذا الذي الآن خرج للناس، فمن حضر استفاد. وليس المقصود أن تجمع كل الكتاب، لكن تستفيد منهج الشيخ في الشرح، كيف طريقته في الشرح؟ هذا من أهم ما تستفيده من الشيخ. كيف يطبق العلم؟ تستفيد هذا، تعرف كيف يستنبط؟ كيف يقدم ويؤخر؟ كيف يفهم المسائل؟ كيف يجمع مع الفوائد التي تستفيدها؟ هي ستنفعك بالمستقبل، لأن هذا الذي درسته هنا سينفعك في شرح البلوغ، سينفعك في شرح رياض الصالحين، سينفعك في أي كتاب آخر، لأن مسائل العلم متكررة، مسائل العلم متكررة. فإذن لا تزهد في شيء من العلم، العلم بالتكرار يثبت. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم.