الدرس في فتاوى ابن باز في العقيدة 9، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يناقش الشيخ ابن باز مقالة نشرت في جريدة الرياض نسبت للقدر اللهو والعبث، مبيناً أن هذا الكلام ينافي كمال التوحيد والإيمان بالقدر، وأن الله وحده هو المقدر والمصرف للأمور بحكمة بالغة، مستدلاً بحديث «لا تسبوا الدهر فإني أنا الدهر» وموضحاً أن سب الدهر يرجع إلى سب الله.
يبيّن المقطع خطأ نسبة القسوة للدهر أو القدر، مؤكداً أن الله وحده المقدر المدبر بحكمة ورحمة، وأن سب الدهر يعود سباً لله مقلب الليل والنهار، مستعرضاً فتوى الشيخ ابن باز مستنداً إلى النهي النبوي وتفسير السلف، محذراً من شيوع هذه العبارات في الإعلام.
يحذر المقطع من كتابة القصص والمقالات بغير علم شرعي، مبيناً أن ذلك قد يؤدي إلى مخالفة التوحيد والشرع، ويؤكد وجوب عرض الكتابات على أهل العلم قبل النشر، وينبه إلى أن سب الدهر والزمن والأقدار يرجع في حقيقته إلى سب الله تعالى المدبر للأمور.
يختتم المتحدث بدعاء يطلب فيه من الله تطهير الألسنة والأقلام مما يخالف شرعه، وتعظيم القلوب له، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، مع الإشارة إلى أن الترجمة قامت بها نانسي قنقر.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فمن الفتاوى التي أجاب عنها سماحة الشيخ الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، قال رحمه الله: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: فقد اطلعت على ما نشر في جريدة الرياض، العدد الصادر تحت زاوية "قصة اجتماعية"، بعنوان "قسوة القدر"، بقلم قماشة الإبراهيم. قد ورد في القصة المذكورة قول الكاتبة: "إننا في هذه الحياة ليس لنا حقوق، إننا أعمار يلهو بها القدر حتى يملها فيلقي بها إلى العالم الآخر، والقدر يلهو أحياناً بدموعنا وضحكاتنا". وهذا الكلام مناف لكمال التوحيد وكمال الإيمان بالقدر؛ فإن القدر لا يلهو، والزمن لا يعبث، وإن كل ما يجري في هذه الحياة هو بتقدير الله وعلمه. والله سبحانه هو الذي يصرف الليل والنهار، وهو الذي يقدر السعادة والشقاء حسب ما تقتضيه حكمته، فاتخفى تلك الحكمة على الناس لأن علمهم محدود وعقولهم قاصرة عن إدراك تلك الحكمة الإلهية. وكل ما في الوجود مخلوق لله، خلقه بمشيئته وقدرته، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وهو الذي يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويغني ويفقر، ويهدي ويسعد ويشقي، ويؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء. وقد أحسن كل شيء خلقه، وكل أفعال الخالق وأوامره ونواهيه لها حكمة بالغة وغايات محمودة يشكر عليها سبحانه، وإن لم يعرفها البشر لقصور إدراكهم. قد ورد في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار". وفي رواية: "لا تسبوا الدهر، فإني أنا الدهر". وفي رواية: "لا يقل ابن آدم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أقلب الليل والنهار، فإذا شئت قبضتهما". وقد كان العرب في الجاهلية ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر. فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد، سبوا فاعلها، فكان مرجع سبها إلى الله عز وجل، إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يصفونها، فنُهوا عن سب الدهر. قد نقل هذا التفسير للحديث بهذا المعنى عن الشافعي، وأبي عبيد، وابن جرير، والبغوي، وغيرهم. وأما معنى قوله: "أقلب الليل والنهار"، فيعني أن ما يجري فيهما من خير وشر بإرادة الله وتدبيره، وبعلم منه تعالى وحكمه، لا يشاركه في ذلك غيره. ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. فالواجب عند ذلك حمده في الحالتين، وحسن الظن به سبحانه وبحمده، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة. قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. وقد أورد الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله باباً في كتاب التوحيد سماه: "باب من سب الدهر فقد آذى الله"، أورد فيه هذا الحديث، وبين أنه يجمل على عدة مسائل، منها: أنه عنى سب الدهر وتسميته أذى لله. وتأمل في قوله: "فإن الله هو الدهر". الرابع: أنه قد يكون ساباً ولو لم يقصده بقلبه. وعلى هذا، فإن الكاتبة سامحها الله أخطأت عندما نسبت القسوة إلى الدهر في عنوان قصتها، لأن القدر كما سبق لا يتصرف، وإنما الله سبحانه هو المقدر للأشياء عن حكمة بالغة. والله جل وعلا لا يوصف بالقسوة، بل هو جل وعلا رحيم بعباده، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها، كما ورد في الحديث الصحيح: "الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها". فيجب أن ننزه ألسنتنا وأقلامنا عن الوقوع في مثل هذه المزالق، امتثالاً لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وإكمالاً للتوحيد، وابتعاداً عما ينافيه أو ينافي كماله. ووسائل الإعلام كما هو معروف واسعة الانتشار، وعظيمة التأثير على الناس، وكثرة ترديدها لمثل هذه الكلمات ينشرها بين الناس، ويجعلهم يتساهلون في استعمالها، وخاصة النشء، مع ما في استعمالها من المحذور. نسأل الله أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، ويجنبنا زلات القلم واللسان، إنه سميع مجيب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه. هذا السؤال أجاب عنه رحمه الله سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله وتعالى، لأنه قد رأى في بعض الجرائد قصة لكاتبة كتبت في هذه القصة، ونسبت إلى القدر أنه يلهو بهم ويعبث بهم، ويضحك بدموعهم وغير ذلك. وهذا الكلام خدش في التوحيد وخلل؛ لأن هذا الكلام فيه عدم إثبات قدر الله سبحانه وتعالى، وأنه هو الذي يتصرف في ملكوته جل وعلا. فكل ما يجري في ملكوت الله جل وعلا إنما هو بقدر الله: حركة الرياح، وحركة البحار، حتى سقوط الورقة من الشجرة، كل ذلك بأمر الله وتقديره. فلا شيء يتحرك إلا بأمر الله جل وعلا وقدره. فنسبة هذه الأشياء إلى القدر، بعد ذلك سب القدر وسب الدهر، بهذا يعود السب إلى مدبره وآمره، وهو الله سبحانه وتعالى. هو الذي جل وعلا يصرف الليل والنهار، وهو سبحانه وتعالى الذي له الأمر من قبل ومن بعد، ولا شيء يخرج عن أمره جل وعلا وقدره أبداً. فكل ما هو حادث في ملكوت الله جل وعلا إنما هو بأمره وقدره. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وذلك ذكر رحمه الله وتعالى ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من النهي عن سب الدهر، وهو الليل والنهار، لأن السب يعود إلى الله جل وعلا، المقلب للليل والنهار. فالليل والنهار مقلبان، مقلبهما الله سبحانه وتعالى. فإذا سب شخص الليل، أو سب النهار، أو سب السنة، أو سب الشهر، أو سب اليوم، هذا السب يعود إلى الله سبحانه وتعالى، لأنه جل وعلا هو الخالق اليوم والشهر والسنة والليل والنهار، وما يجري فيها هو بأمره وقدره جل وعلا. وذكر بعد ذلك ما ذكره الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وتعالى في كتابه العظيم "كتاب التوحيد"، فقد عقد باباً في النهي عن سب الدهر، وبين رحمه الله تعالى، أي سماحة الإمام عبد العزيز بن باز، أن أهل الجاهلية كانت إذا أصابتهم القوارع وأصابتهم الشدائد نسبوا ذلك إلى الدهر، فسبوا الدهر، فهذا السب يعود إلى الله عز وجل، وهذا هو تفسير السلف، كما نقل عن الشافعي رحمه الله تعالى، وأبي عبيد، وابن جرير، والبغوي، وغيرهم من أهل العلم. فهذه الكاتبة أخطأت في كتابة هذه القصة، حيث عبرت هذه التعبيرات المخالفة لتوحيد رب العالمين جل وعلا. وأن الواجب صيانة الأقلام، ليس كل من كتب يكتب، نسأل الله العافية والسلامة. بعض الناس يأخذ القلم ويجلس يفكر في نفسه ويعبر، يعبر تعبيرات، يكون هو جاهلاً بالعقيدة، عنده جهل بالعقيدة، وعنده جهل بالأحكام وغير ذلك، يأخذ القلم ويعبر تعبيرات، وربما يملي عليه الشيطان، وربما يملي عليه الشيطان بعض التعبيرات فيستحسنها، ويظن أنها تعبيرات حسنة، وإذا قرأتها وجدت فيها المخالفة، إما للقدر، أو المعارضة للشرع، أو غير ذلك. فالواجب على من يكتب أن لا يكتب إلا بعد أن ينظر فيما يكتب: هل يوافق شرع رب العالمين جل وعلا أم لا؟ فليس الأمر كتابة، فكثير من الكتاب اليوم إلا من رحم الله فهو مفكر صاحب فكر فيكتب، ولذلك ربما يطعن في الإسلام، وينسب إلى الصحابة، ويطعن في قدر الله، وهو لا يشعر بهذا لجهله. فالواجب عرض مثل هذه الكتابات على أهل العلم حتى يؤذن بنشرها، حتى يؤذن بنشرها لتجنب المخالفات. أما من صار يكتب برخصة من وزارة الإعلام أو غير ذلك، فوزير الإعلام ليس مفتياً وليس عالماً، وإنما العلماء هم الذين يعلمون ما يوافق شرع رب العالمين وما يخالف. أما الترخيص والإذن من وزارة الإعلام وغير ذلك، فهل هو على علم بشرع الله جل وعلا؟ هل عنده علم بالكتاب والسنة؟ فإذنه لا يقدم ولا يؤخر، لأنه لا بد من أن يكون من يأذن بذلك من هو على علم ودراية بشرع رب العالمين جل وعلا. والأسف اليوم تجد من الناس من يسب الدهر، ويسب الليالي والأيام، في أشعار أو في أغاني وغير ذلك. فهذا يقول: "فرقتنا الغدر"، وهذا يقول: "شاءت الأقدار كذا"، وهذا يقول: يعني يعيب الزمان، "الزمن غدار، والزمن غدار، الزمن غدار، الزمن غدار، الزمن ما مخلوق، الزمن ما يقدر، ولا شيء من إلا لي، الزمن مخلوق ما له تصرف في هذا، كيف يقدر الزمن يقدر المخلوق يقدر، نعم بشر يقدر يقدر بأخيه، لكن الزمن كيف يقدر؟ هل هو عنده طمع على الغدر ويقدر؟ الزمن غدار وغير ذلك". فكل هذا السب يعود إلى الفاعل الحقيقي المدبر، وهو الله سبحانه وتعالى. وصدق القائل الذي يقول: نعيب زماننا والعيب فينا *** وما لزماننا عيب سوانا ونهجو الزمان بغير ذنب *** ولو نطق الزمان لنا هجانا فكثير من الناس يقول: "الوقت يعني الوقت عيب، أو الوقت كذا، وقت عيب، وقت عيب، زمن عيب". إيش دخل الزمن؟ وإيش الوقت؟ نعم، لا، أهل الزمن هم العيب، العيب فيهم، أو الحسن هم أهل الزمن، إما أن يكونوا على حسن، وإما أن يكونوا على عيب. أما الزمن فما إيش دخل الزمن؟ الزمن أيام وليالي وساعات تذهب وتأتي، لا دخل لها، الأمر يمشي بأمر الله، الليل والنهار، وكل شيء. فنسبة هذه الأشياء وذمها، وذم هذه الأشياء، يعود كله، أي هذا السب وهذا التنقص، إلى الفاعل الحقيقي والآمر لها، وهو الله سبحانه وتعالى. فالواجب على الإنسان أن يتنزه، ينزه لسانه وينزه قلمه عن هذه الألفاظ، حتى لا يقع فيما يقدح في توحيده، ولا يقع في عدم تعظيم شرع رب العالمين جل وعلا، وعدم تعظيمه سبحانه وتعالى. نسأل الله جل وعلا أن يطهر ألسنتنا وأقلامنا من ذكر ما يخالفه جل وعلا، وأن يجعل قلوبنا معظمة له ولشرعه ودينه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ترجمة: نانسي قنقر