الدرس في ثمرات الصيام 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح كيف يمكن للصيام أن يساعد المسلم على تحقيق توحيد الأسماء والصفات، ويستشعر العبد مراقبة الله له. هذا يؤدي إلى تحسين سلوكه وأخلاقه من خلال التفاعل مع أسماء الله وصفاته.
يُشدد على أهمية الإخلاص في العبادة، ويوضح أن رمضان فرصة لتعلم الإخلاص في أداء العبادات. يُستدل بحديث "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا" على ضرورة الإخلاص في طلب الأجر من الله وحده.
يُناقش أهمية أن تكون العبادات موقوفة على أمر الشرع، ويبرز كيف أن صيام رمضان تطبيق عملي لهذه القاعدة. يُشدد على ضرورة الالتزام بالأحكام الشرعية في جميع العبادات دون إضافة أو تغيير.
يختتم المتحدث بالتأكيد على أن رمضان يعلم العبد الانضباط في العبادات، ويشدد على ضرورة الالتزام بإحكام الشريعة في جميع الأعمال والطاعات. يُنهي كلامه بدعوة الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في هذا المقام، وفي مثل هذه المقامات، في ذكر أهم الثمار التي يمكن للعبد المسلم أن يجنيها من خلال صيامه، فليست الثمرة الوحيدة يا عبد الله والثواب والأجر، وإنما الثمار كثيرة. فكم من أمور تربوية واجتماعية وأخلاقية يستفيدها المسلم في صيامه. والمرة معنا في درس أمس، إخواني في الله، من ذلكم علمنا أن من فرضية الصيام يستفيد المسلم بأن الإسلام عبارة عن فرائض وواجبات، وليست دعاوى تدعى أو كلمات تقال بالألسن. وثانيًا علمنا أن في فرضية رمضان تظهر العبودية التي يريدها الرب جل وعلا من عبيده، بأنهم يستسلمون لشرعه ويستسلمون لحكمه وأمره بلا كيف وبلا لمّة، وإنما الإنابة والاستسلام والخضوع والخنوع لرب العالمين جل في علاه. وكذلكم مما يستفاد كذلك من ثمار الصيام مسألة ثالثة، أنسيتها كذلك إخواني في الله، مما يذكر من فوائد الصيام وما يستفيده المسلم من فرضية الصيام والخوض في هذه الشعيرة العظيمة، كونه يمسك عن الطعام والشراب، أنك يا عبد الله تستشعر بما يسميه العلماء بتوحيد الأسماء والصفات. بتوحيد الأسماء والصفات، للأسف أصبح هذا النوع من أنواع التوحيد عند كثير من الناس أنهم مسائل علمية بحتة، ليس لها أثر إيجابي في حياة الناس ولا في أخلاقهم ولا في سلوكياتهم، وهذا خطأ فادح يا عبد الله. فيأتي الصيام ويأتي رمضان ويصور لك كيف تحقق التفاعل وكيف تحقق التحقيق الصحيح لباب الأسماء والصفات، كونك تستشعر بأن الله جل في علاه له الأسماء الحسنى، وهو الرحيم، وهو الحكيم، وهو العليم، وهو السميع، وهو البصير. فكيف تحقق هذا الباب تحقق يا عبد الله هذا الباب في الأثر الواضح في واقعك العملي؟ فيأتي رمضان الآن وأنت صائم، تأتيك فترات ولا بد أن تأتي هذه الفترة أنك تختلي بنفسك في ظلمة من ظلمات البيت، في زاوية من زوايا تحت الدهاليز وراء الكواليس، أنت في غرفة لا أحد عندك، ما الذي يمنعك من أن تفطر؟ لا أحد، ما أحد يمنعك، بإمكانك أن تأتي بالماء وتشرب وتشرب وتشرب حتى ترتوي، ثم تخرج للناس وأنت مظهر بأنك صائم. يمكن أن تفعل هذا ويفعل ذلك أهل النفاق، لكن المؤمن لا يفعل، ما الذي يردعه؟ هذا الباب، باب الأسماء والصفات، المؤمن إذا اختلى بنفسه يعلم بأن الله جل وعلا رقيب، أنه يراقب حركاتك ويراقب سكناتك، يراقب كل شيء منك، فتنزجر يا عبد الله من هذا الفعل. فرمضان إخواني في الله حقيقة من أعظم الأبواب، ومن أعظم المضمار التي يمكن أن تحقق فيها يا عبد الله هذا الباب، باب الأسماء والصفات، بأن تجعل لأسماء الله وصفاته الأثر الواضح في حياتك. أنت يا عبد الله، ويمكن أن تدخل في هذا الباب في كل شيء. فإذا أردت أن تتكلم بكلام يسيء، من سب أو من شتم، تستذكر وتستحضر بأن الله جل وعلا سميع، قد سمع الله قولًا التي تجادلك في زوجها، وأن ما من كلمة كبرت أو عظمت، ظهرت أو خفيت، فإن الله جل وعلا يسمعها جل في علاه، وهو يسمع السر وأخفى. وهكذا يا عبد الله، إن أردت أن تفعل فعلًا من الأمور، فعلًا من مخالفات، من المنكرات، من الرذائل، من سفاسف الأمور، تستذكر وتستحضر بأن الله مطلع، ألم يعلم بأن الله يرى؟ ربنا يرى يراك سبحانه وتعالى، ولو كنت في جنح الظلام، ولو كنت فوق رؤوس الجبال، أو كنت في بطون أودية، ولو كنت تحت الأرض، فإن الله جل وعلا يطلع ويراك على الحالة التي أنت عليها. وهكذا يا عبد الله، يا من يكون في صدره السوء، من حقد، من بغضاء، من عداوة، لو ربما تظهر في فلتات اللسان، وما تظهر على الجوارح، لكن يجعلها في صدره، تستحضر يا عبد الله بأن الله عليم بذات الصدور جل في علاه. فهذا الجانب، جانب الأسماء والصفات، ينبغي أن يكون له أثر في حياته، ليست مسألة علمية، إن جاء بعض الناس تناقش أو ذكر هذا الباب ذكر هذا الباب كمسألة علمية، نحن نقول كذا، وأهل البدع ردوا عليهم بكذا، نثبت هذا الإسم بكذا، وهذه الصفة لها قيود، يكون علمية لا، يا عبد الله، هذا وإن كان من العلم، لكن كذلك أهم من ذلك أن تستحضر. ولهذا يقول العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، قال العلماء: الدعاء هنا دعاء مسألة، ودعاء إجابة، أو دعاء عبادة، دعاء مسألة، ودعاء عبادة، دعاء مسألة أي دعاء طلب، تدعو بهذه الأسماء، يا رحيم ارحمني، يا غفور اغفر لي، يا تواب تب علي، يا رزاق ارزقني، هذا دعاء بالأسماء الحسنى، أنك تدعو ربك جل وعلا فيما كل ما كان طلبًا، وتختار الاسم الموافق للطلب. وأيضًا هناك دعاء عبادة، وهو أنك تتعبد الله جل وعلا باستحضار هذه الأسماء، تستحضر هذه الأسماء في حياتك، هذه العبادة، فإذا أردت أن تتلفظ بشيء، تستذكر أن الله سميع، فتكف، إن أردت أن تعمل شيء مما يسوء، تستذكر أن الله جل وعلا يراك، فتكف، وهكذا يكون حياتك في جميع الأسماء والصفات، المهيمن، المنتقم، المتوكل، المتكبر جل في علاه، تستحضر هذه الأسماء وتعطيها العبادة اللائقة لله جل وعلا. وأيضًا ذكر العلماء في قوله تعالى، أو في قول نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة»، من أحصى هذه الأسماء دخل الجنة، وقد تنوعت عبارات العلماء في كلمة الإحصاء. ومن ذلك ما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى، أنه جعل لها مراتب وجعلها منازل، أي مسألة إحصاء أسماء الله، من أحصاها دخل الجنة. فذكر رحمه الله تعالى أن من إحصائها أنك تتبع الألفاظ الواردة في ذكر أسماء الله، وأن من إحصائها أنك تعمل بما فيها، تتعرف إلى مضامينها، إلى معانيها، فتعمل بمقتضاها، يا عبد الله. فعوذن إلى بدء، نعلم أن رمضان عبارة عن مدرسة يتربى فيها المسلم كيف يطبق هذا الباب، يطبق هذا الجانب، جانب الأسماء والصفات. فأنت يا عبد الله في كل فعلة، في كل حركة خفيت أو ظهرت أو استترت عن الناس، عليك أن تستحضر يا عبد الله هذا الباب العظيم. فإن من العبادات العظيمة ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، أيضًا يا عبد الله من المواهب الفوائد الذي يجنيها العبد وهو في مضمار الصيام، فيها خاصة في شهر رمضان، مسألة الإخلاص، مسألة الإخلاص، الإخلاص يا عبد الله من العبادات العظيمة، بل هي من الواجبات التي أمر بها أهل الإسلام جميعًا. وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، فكل العبادات ينبغي أن تحف بإخلاص، وعبادة عبادة حرمت من إخلاص فهي مردودة على صاحبها، لا يقبلها الله جل وعلا، أي عبادة يا عبد الله عريت من الإخلاص، فإنها مردودة على وجهك. لابد أنك إذا أردت أن تتعبد الله بعبادة مقبولة، فليكن من أول أولوياتك أن هذه العبادة ما أديتها إلا لله، وما أردت منها إلا وجه الله جل وعلا. والصيام يأتي ربينا على هذه الخصلة، قال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». من شرائع من حكمة الله في شرعية الصيام أن نعود أنفسنا يا عبد الله، نربيها على ضرورة الإخلاص. دخل رمضان، تصوم رمضان، تريد مغفرة الذنوب، عليك بأمر الإخلاص، من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، قال علماء: إيمانًا بمعنى التصديق بفرضيته، واحتسابًا أنك تطلب الأجر من الله وحده، لا تريد الأجر من زيد ولا من عبيد، ليس أجر مادي، بل حتى الثناء، هذا أجر، بعض الناس قد يصوم صومًا ويريد من هذا الصوم الثناء، ثناء من الناس، يستبيح من هذا الثناء الرياء والسمعة. أو قل كحال بعض الناس، لو ربما تقدم لخطوبة مثلًا، وحالته السلوكية ليست بمرضية، فيريد أن يحسن من صورته ومن مسلكه، فإذا دخل رمضان صام رمضان، هل هو حبًا في رمضان؟ لا، ما يعرف رمضان هو، لكن صام رمضان في هذا السنن خاصة حتى ماذا؟ يلفت نظر أولياء أمر المرأة الذي خطبها أن ينظرون إلينا، ودخل المسجد وأنه صام وأنه فعل، هذه مسألة يا عبد الله ليست لله عز وجل، بل هذه طلب للثناء، طلب لمصلحة، صلى وصام لأمر كان يطلبه، فلما انقًا انقضى الأمر، فلا صلى ولا صام. لا يا عبد الله، بل إن صيامك ينبغي أن يكون لله، واحتساب الأجر من عند الله. وهكذا قل في القيام، بل قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، إيمانًا بفرضيته، وأن الله هو الذي شرع ذلك، واحتسابًا أنك تحتسب الأجر من الله وحده. فرمضان إخواني في الله يعلمنا كيف نؤدي العبادات بإخلاص. فالمؤمن دائمًا وأبدًا يمر على ذهني هذا الحديث، بل حتى الصغار والكبار قد حفظوه: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا»، هل هذا خاص برمضان؟ لا يا عبد الله، وإنما رمضان تمهيد، تمهيد لما بعده من العبادات. فإذا صليت، وإذا زكيت، وإذا حججت، وإذا اعتمرت، وإذا ذكرت الله جل وعلا، عليك يا عبد الله أن تتوفر بهذا الشرط، وهو أن يكون أمرك وعملك لله، وأنك تحتسب الأجر عند الله جل وعلا. وهذا إخواننا الباب، باب عزيز، باب عظيم، لأنه أمر خفي، لا يعلم به إلا الله سبحانه وتعالى. فإخواننا في الله، فينبغي أن نربي أنفسنا، أننا إذا أراد أحد أن يؤدي عملًا من الأعمال، أن يؤديه لله، ولوجه الله، وإن خشي، وإن خشي أن يكون لهذا الفعل أثر على الناس، يحاول أن يدفع ذلك، يحاول أن يدفع ذلك. وكم جاءت العبارات، وكم جاءت الأفعال عن سلفنا الصالح، كيف أنهم يدفعون ويدرؤون الرياء والسمعة عن أنفسهم، وإن لم يكن ذلك من طبائعهم، لكن إن خشوا، إن خشي الواحد منهم أن هذا الفعل سيكون له ثناء عند الناس، أو سمعة عند الناس، يدفعون هذا الأمر. قد استطاعه رحمة الله على يزيد بن هارون، من أئمة سلفنا الصالح، ومن أئمة الحديث، لما كان في مجلس التحديث، لو ربما حدث وحدث، فتسبق الدموع فيبكي، أو ماذا؟ تذرف الدموع، فإذا أراد أن يدفع هذا الأمر، وهو البكاء عند الناس، ماذا يقول؟ يقول: ما أشد البرد، ما أشد البرد، ثم ماذا؟ يمسح على أنفه، يريد أن يظهر للناس أن هذه دموع دموع زكام، ليست دموع بكاء. لماذا الدفع؟ يدفع عن نفسه، فالله الله عباد الله بأمر الإخلاص، فهذا أمر عظيم، قل من يتخلق به، أن تكون الأفعال يا عبد الله، أي فعل تريد أن تتعبد الله جل وعلا به، من تسبيح، من استغفار، من تكبير، عليك أن يكون هذا الأمر أولًا وآخرًا لله، ليس للمخلوق منه حظ، ليس للمخلوق منه حظ. فإن فعلت ذلك، فأنت أنت يا عبد الله، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. وأيضًا في هذا الباب، يعلمنا الشرع في قول نبينا عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا»، في أن نعلم أنك تحتسب الأجر، تحتسب الأجر، وهذا يريد منك تطلع لما عند الله جل وعلا. وبهذا نعلم أن من اتخذ الصيام عادة، ينبغي أن يراجع نفسه، بعض الناس عنده عادة، أصبح رمضان عادة، يصوم دون ما يكون في صدره من طلب الأجر، من الإقبال على الله، من النظر إلى ما عند الله، علّ وعسى أن الله يقبل منه، علّ وعسى أن الله يضاعف له الأجر، لا، ما عنده هذه المعاني، دخل رمضان كف عن الطعام وشرابه ومشى، تجد أن قلبه ما انقدح في قلبه شيء من هذا التطلع، هذا لماذا؟ لأنه اتخذ رمضان عادة. لا يا عبد الله، فرق بين العادة وبين العبادة، العادة تفعلها عبارة عن فعل جوفاء، فعل أجوف، هذه العادة، فعل أجوف ليس فيه معاني، ليس فيه مضامين، ليس فيه رجاء، ليس فيه رغبة ولا رهبة، لا يا عبد الله، العبادة أرفع، العبادة عبد الله عمل ظاهر، وكذلك عبد الله عمل باطن. والأمر الثالث، فلأطيل عليكم في هذا المجلس، الأمر الثالث مما يستفيده المسلم من فرضية الصيام، يتعرف ويتعلم لهذه القاعدة العظيمة، القاعدة العقلية: أن العبادات توقيفية، العبادات توقيفية، كم بحث أصحاب أهل السنة والجماعة في تأصيل هذه القاعدة في باب الطاعة والعبادات. العبادات توقيفية، أي أنها موقوفة بأمر من الشرع، لا يمكن أن تؤدي عبادة من العبادات يا عبد الله إلا بإذن من الشرع، بإذن من الكتاب والسنة، بالضوء الأخضر تدخل، وعدم وجود هذا الإذن فلا يجوز لأحد كائنا من كان أن يختلق عبادة من العبادات. ويأتي رمضان يؤيد ويؤكد هذا المعنى، كان الناس يأكلون ويشربون حتى إذا دخل الهلال، أو جاءت عدة شعبان مضت عدة شعبان، أو وجب الله الصيام على أهل الإسلام، إذن ما كان لأحد أبدًا، ما كان لأحد أبدًا بمقدوره أن يصوم بمزاجه، ما يمكن، لماذا؟ تأصيل لهذه القاعدة العظيمة: أن العبادات توقيفية. ونصوم ونصوم ونصوم، ولن لأحد يمكن أن يفطر أو يتجرع على الفطر إلا بإذن من الشرع، برؤية الهلال أو بكمال عدة رمضان، إذن بهذا يخرج المسلم بهذه الحصيلة: أنه مأمور، وأن العبادات توقيفية. وإذا صام فإنه لا يصوم عن أشياء ويفطر عن أشياء، كما نسمع من بعض الأديان ومعض الملل: أن من صامه صاموا عن اللحوم وأكلوا النباتات، أو أن من يصوم يصوم عن بعض الأشياء ويدرك بعض. لا، يعد الله الصيام توقيفي، عن ماذا تصوم؟ عن الطعام والشراب وعن الجماع وما كان في معناها، بماذا علمت ذلك؟ بأدلة الشرع. فإذا دخل المسلم في الصيام من أوله وإلى آخره، يعلم أنه ملتزم، أنه ملتزم المبطلات من الشرع، المفطرات من الشرع، المستحبات من الشرع، أركان الصيام من الشرع. إذن يعلم ماذا؟ يعلم أن رمضان كله توقيفي. وإذا علمت أن رمضان توقيفي، تأتيك الفائدة بعد ذلك: أن شرع الله كذلك توقيفي. فإذا من تربى في رمضان وعلم أنه في رمضان مأمور من رب العالمين، فإن خرج رمضان ودخل في عبادة أخرى، عليه أن يستشعر بعظم هذا المقام. فإذا صلى يتذكر حاله في رمضان: أني في رمضان ما أحرك شيء إلا بإذن الشرع، وهكذا قل في صلاتك يا عبد الله، لا تضف فيها شيئًا إلا بما أمر به شرع. وهكذا في الطهارة، وهكذا في الحج، وهكذا في سائر الأمور والأعمال والصالحات، عليك أنك تستحضر يا عبد الله هذا المقام البديع، وهو أن العبادات توقيفية. نبينا عليه الصلاة والسلام عندما توضأ، ما الذي قال؟ قال: «من توضأ نحو وضوء هذا»، ما الذي فعله نبينا عليه الصلاة والسلام؟ قال: «من توضأ نحو وضوء هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه». أنظر لعظم الجزاء وعظم الأجر، لكن متعلق بعظم الشرط، وهو أن يكون هذا الوضوء على السنة، تتوضأ كما توضأ نبيك، الوضوء عبادة وهي عبادة توقيفية. فلا يأتي أحد بعد ذلك إذا توضأ فيدخل في الوضوء أو في الوضوء ما ليس منه، كحال من إذا توضأ آت بماء ومسح على رقبته، نجد كثير من المتوضئين يبتلى بهذه الفعلة، بعد مسح الأذنين ويمسح الرأس يمسح على الرقبة، هذا يا عبد الله ليس له دليل أبدًا، أبدًا في الكتاب ولا السنة. أو أن بعض الناس إذا توضأ وصليت بجانبه تراه يتيمم أو يتممم، يتممم بكلمات يترنم بها، هذه الكلمات عبارة عن أدعية، عبارة عن أذكار يأتيها في كل فعل من أفعال وضوء، هذا يا عبد الله ما أنزل الله بها من سلطان، فلا يصح. ولهذا قال نبيه: «من توضأ نحو وضوء هذا»، لابد أن نتربى أن الطهارة، من تيمم، من وضوء، من اغتسال، أن يكون كما جاء من نبينا عليه الصلاة والسلام. وحتى الصلاة، الصلاة وهي أعظم الطاعات، ينبغي أن تكون منقادة وخاضعة لهذه القاعدة: العبادات التوقيفية. قال عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فنحن مأمورون بالصلاة بأن نؤديها، لكن على هدي من، على هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، فلا نضيف ولا نزيد ولا نحدث أفعالًا وأقوالًا وأذكارًا داخل الصلاة ما أنزل الله بها من سلطان. وهكذا يا عبد الله في باب الحج، في باب العمرة، فمن أراد أن يؤدي مناسك الحج، لا اجتهادات يا عبد الله في هذا المقام، ولا إحداثات، ولا بدع، ولا إضافات، وإنما اتباع الحج والعمرة من العبادات التوقيفية، ثبت في صحيح مسلم، حيث جابر أن نبينا عليه الصلاة والسلام لما خرج بأصحابه، خرج بتلكم الجموع الغفيرة من أتباعه، وهو يطوف بهم بين مناسك الحج، بعدما انتهى من أداء الحج، من السعي والطواف وإلى آخره. قال عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم»، خذوا عني مناسككم، فمناسك الحج، مناسك العمرة، تأخذ من بابه، فهو الآذن عليه الصلاة والسلام في فعل ما يريده الله، وفي فعل ما لا يريده الله سبحانه وتعالى. فإخواني في الله، خلاصة هذا الباب، فرمضان مدرسة يربي فيها العبد نفسه على أن العبادات ينبغي أن تكون توقفية، كما أنه في رمضان ملتزم بدين الله دخولًا وخروجًا وانضباطًا، فهكذا يا عبد الله في سائر الأعمال والطاعات، عليك أن تنضبط بإحكام الشريعة. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.