الدرس في ثمرات الصيام 13، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتم التأكيد على الفوائد المتعددة للصيام والاعتدال في الشريعة الإسلامية. يشير إلى أن رمضان يعلم المسلم قيمة الدنيا والآخرة.
يُناقش حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن تقارب الزمان وضرورة استغلال الأوقات في الطاعات. يشدد على أهمية التنافس في الآخرة وليس الدنيا.
يُشدد على أهمية استغلال رمضان في الطاعات لأن الجزاء من جنس العمل. يُبين أن الله يُعظم أجر الصابرين والمجتهدين.
يختم الدرس بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر أهمية هذه العبادة في الإسلام.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فبعد عروجنا، إخواني في الله، وذكر أهم الأعمال التي كان يحرص عليها نبينا، صلوات ربي وسلامه عليه، في مثل هذه الليالي المباركة، فعودًا إلى بدء، ورجوعًا إلى ما كنا عليه من ذكر أهم الثمار التي يجنيها الصائم من صومه، ومن فرضية الصيام. وقد مرت معنا الفسائل والفوائد الكثيرة المتعلقة بهذا الفصل، وذكرنا العديد والعديد من الثمار والفوائد التي يحصلها المسلم مع الثواب ومع الأجر عند الله جل وعلا. إلا أنه كذلك تحصل على مسائل أخلاقية تربوية صحية نفسية، يستفيدها من صيامه، وأيضًا مما يستفيده الصائم من خلال فرضية الصيام الاعتدال والوسطية، فدين الله جل وعلا وسط، والمقصود بالوسط أي ما كان بين الإفراط والتفريط، وما كان بين التشديد والتساهل. فدين الله جل وعلا وسط، وقد في شريعة الصيام، إخواني في الله، يتلاحظ الوسطية الواضحة في هذا الباب. فمن خلال الأيام، من خلال التشريع، تجد أن رمضان ليس بيوم واحد كما عند اليهود، يدعون أن هذا صومهم الذي ليس فيه تلك المنفعة التي تعم الفرد والمجتمع، وليس كذلك بالأيام الكثيرة كحال النصارى الذين بالغوا في الأيام حتى وصلوا إلى درجة التكلف والتشديد على النفس، فكانت أيام رمضان، كما قال ربنا جل وعلا، أيام معدودات، عبارة عن أيام معدودات وليالي مذكورة، تؤدي الغرض الذي أراده الله جل وعلا. وأيضًا تظهر الوسطية في الصيام، إخواني في الله، من حيث التشريع، من ذكر الواجبات والأركان والنواقض، فإن فيها الوسطية، ويكفينا إشارة إلى هذا المقام ما كان في الإفطار، فالشرع وسط بين من يتساهل، يجد على نفسه، فيبالغ في الصيام، فرمضان يفطر الصائم إذا غربت الشمس، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم». ولو أن أحدًا من الناس أراد أن يتعجل فيفطر قبل غروب الشمس، فهذا له الويل، وقد جاءت الأحاديث الزاجرة والمهددة لمن صنع ذلك. وبالمقابل، عندما أراد الناس أن يكلفوا على أنفسهم، فأرادوا أن يبالغوا في الصيام، وأن يواصلوا، ما الذي فعل بهم نبينا؟ نكل بهم، كما قال الراوي: عندما واصل بأناس اليوم الأول واليوم الثاني، قال الراوي: كالمنكل بهم. فلا إفراط ولا تفريط، فما رمضان، إخواني في الله، مدرسة تربيك الوسطية؛ لأنك تقع في التساهل الذي يفضي إلى ترك ما أوجب الله، ولأنك تقع في التشديد الذي يجرك إلى ابتداء الإحداث في دين الله سبحانه وتعالى. فدين الله جل وعلا وسط، وأيضًا مما يستفيده الصائمون من خيار رمضان، إخواني في الله، وخاصة في ليالي ختامه، وفي آخر لحظاته، يعرف المسلم حقيقة الدنيا، وحقيقة الآخرة. قد تجدها مصغرة في رمضان، فإنك تعمل وتعمل، تكد وتشتهد في الأعمال الصالحة من صوم، تترك الطعام، تترك الشراب، إلى أن يحين وقت المغرب، إذا جاء المغرب، ماذا أوجدت؟ الراحة. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن لصائم فرحتان: فرحة يفرحها عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه». وهذا، يا إخواني في الله، يجرنا إلى مسألة عظيمة، ونحن في ختام أيام رمضان، ورمضان مدرسة تربينا على فهم الأشياء على حقيقتها. بهذا نتعرف، إخواني في الله، على حقيقة الدنيا، الدنيا ما هي إلا أيام وليالي، كما أن رمضان عبارة عن أيام وليالي، فالدنيا أيام وليالي، سرعان ما تنقضي، لا تظن يا عبد الله أنك خالد مخلد في هذه الدنيا. ونحن في هذا الزمان، وفي آخر الزمان، أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام بأمارات وعلامات تظهر في هذا الزمن، ومن هذه الإمارات سرعة الزمان. من عاش في هذه الأزمان يجد من سرعة مرور الأيام والليالي ما ليس معروفًا من قبل. ثبت في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان». وجاء في الصحيحين، عن أبي هريرة، قال: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، ويظهر الجاهل، ويكثر الكذب». لكن جاء في الصحيح، وضح نبينا كيفية تقارب الزمان، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، ويكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة». هذا الحديث أورده شيخنا مقبل، رحمه الله تعالى، في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. تأمل، يا عبد الله، إلى سرعة مرور الأيام والليالي. ثم قال: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر». سنة، بهذه الأيام، بالثلاثمائة والستين، تمر علينا، عباد الله، كأنه شهر قد مضى. ونحن نجد هذا واضحًا موضحًا، يمر علينا رمضان تل ورمضان تل ورمضان، وتتوالى رمضانات، كأنها بالأمس. وقال: «ويكون الشهر كالجمعة»، وهذا رمضان، إخواني في الله، شهرًا بكماله وتمامه، مر علينا كأنه لا شيء. دخل الناس عليه على رمضان، وهم على تخوف من طول زمنه، ومن طول وقته، لكن ها هي الأيام مضت وانقضت، وكأنه لا شيء، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «ويكون الشهر كالجمعة، ويكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة». احتراق السعفة تحتاج إلى اللحظات، تكون الساعة في مثل هذه الأزمان، في هذه الحقبة الزمانية الضئيلة الصغيرة. فإذا علمنا هذا، إخواني في الله، وعلمنا أن الأيام تمضي وتنقضي، وكل ذلك معدود من عمرك، يا ابن آدم، كما قال الحسن البصري، رحمه الله تعالى: «يا ابن آدم، ما أنت إلا أيام، إن ذهب يوم ذهب بعضك». عبارة: أنت مركب من أيام، السبت، الأحد، الثاني، هذا أيام، أنت مركب، يعني معنويًا، أنت من لحم وعظم، لكن معنويًا أنت عبارة عن فترة زمنية، كلما ذهب يوم أُخذ هذا من عمرك، ذهب يوم آخر أُخذ هذا منك. يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك. فإذا علمنا هذا، إخواني في الله، وهذا يستشعره الناس في رمضان، يدخل الواحد منا على العبادة والطاعة، لكن ماذا يؤمل نفسه في ساعة الفطر؟ إذا أفطر حينه، علم أنه قد أدى الذي ينبغي عليه. فإخواني في الله، فرمضان يعلمنا كيف نتعامل في هذه الدنيا، وذلك بالصبر والاستبرار والطاعة، ومعرفتنا بأن الدنيا ما هي مثل رمضان، عبارة عن أيام وليالي، وستنقضي، وبعد ذلك كل يلقى ربه جل وعلا. فمن هنا يحرص الحصيف، ويحرص النجيب منا على استغلال هذه الفترات الزمنية، وعلى هذا العمر القصير، بأن يتنافس في الطاعة، كما نتنافس نحن في رمضان. إخواني، تنافس الجميع على موائد القرآن، تنافس الجميع على صفوف الأول، تنافس الجميع على صلة الأرحام، وعلى القيام، وعلى الفرائض والواجبات. فليكن هذا همنا كذلك ما بعد رمضان، أن نتنافس جميعًا، إخواني في الله، على الوصول إلى الله جل وعلا، كما قال وهيب بن الورد، رحمه الله تعالى: «إن استطعت أن لا يسبقك أحد إلى الله فافعل». كن سباقًا، يا عبد الله، لا تكن سباقًا على الدنيا، أو سباقًا على الملهيات والمغريات والملذات، فإن ذلك كله يزول، وإنما الذي يبقى ما عند الله جل وعلا. نحوص، إخواني في الله، جميعًا على التنافس في هذا الباب، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. كما كنا نتنافس في رمضان، أن تنظر إلى زميلك كم قرأ من الأجزاء؟ جزئين، نستأنس به، وهذا من التنافس المحمود، كما كان عليه سلفنا الصالح، يتنافسون فيما بينهم على الخير. قال الحسن، رحمه الله تعالى: «من نافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة». تجد بعض الناس عينه تنظر إلى ما عند أيدي الناس، يرى ذاك عنده الملايين، وذاك عنده العمارات، وذاك تحته السيارات، ناهيك عن العقارات والريالات. لا، يا عبد الله، لا تمدن عينيك إلى أمثال هؤلاء، وإنما يا عبد الله عليك إن نافسك هذا في الدنيا فنافسه في الآخرة. نافسه في الآخرة، أقبل أنت على الصلوات، أقبل أنت على الزكوات، أقبل أنت على الأعمال الصالحة، على الأقوال السديدة، على تربية النفس على الأخلاق والآداب، ونحو ذلك. فهذا الذي ينفع، يا عبد الله. فعين، إخواني في الله، أن نستشعر بعظم هذه الطاعة، ورمضان كما قلنا مدرسة تنبه الناس على حال العبد عند الله جل وعلا. أنت في هذا الشهر العظيم صمت هذه الساعات، وبعد ذلك انتهى عملك، وجاء الجزاء. وهكذا الدنيا، هكذا الدنيا، عبارة عن دار عمل، فإذا انتهى دنياك، فإنك ستأتي عند رب العالمين بأعمالك الصالحة. فسعيد كل السعادة من استغل رمضان بطاعة الله، والسعيد كل السعادة من استغل هذه الدنيا كلها بطاعة الله سبحانه وتعالى. والجزاء، يا عبد الله، على قدر العمل، وكما قال نبينا: «وإنما عظم الجزاء على عظم البلاء». فكلما اجتهدت، يا عبد الله، في الطاعة والعبادة، فإن أجرك أعظم. بعض الناس إذا أراد أن يتعبد الله بعبادات، جعل من العبودية الشيء الضئيل، الشيء القليل لله عز وجل، يقول: «هذا يكفيني لربي». إن جاء جاء إلى المسجد، إن صلى صلى ركعات الفرائض، ثم ذهب، لا استغفار، لا تهليل، لا تسبيح، لا نوافل قبلية، لا سنن بعدية، لا إقبال على العلم الشرعي، لا ذكر لله عز وجل، وهكذا. قل إن فعل شيء، فعل الأمر الضئيل، فهذا وإن كان حسن، وهو العبودية لله، يعني ولو بشيء قليل، لكن ليعلم هذا العبد أنه أجره على قدر فعله. ولهذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام لعائشة: «إنما أجرك على قدر نصبك». فكلما دخل أحد في الطاعة والعبادة، ووجد فيها المشقة، وصبر عليها، فإن الله جل وعلا يعظم له أجرًا. ومن ذلكم الصيام، الصيام خير مثال، الصيام يجد فيه الصائمون من التعب والمشقة والجهد والكلفة على صومهم. ومن هذا نرى أن العجزاء قد عظم في حقهم: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال أهل التفسير: الصابرون، الصائمون. وهكذا في قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾، قال مجاهد، رحمه الله تعالى، وجماعة من العلماء: «هذه نزلت في حق الصائمين». فالجزاء من جنس العمل، فمن بذل المال في دين الله جل وعلا، فإنه يعوضه الله مالًا أعظم من ماله، ومن بذل قوة وقدرة وطاقة على طاعة الله جل وعلا، فإن الله يبدله طاعة وقوة أعظم من قوته، ومن تصبر على الجوع وعلى الضمأ، فإن يعطيك الله ما طاب وطاب من المأكولات والمشروبات: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. لما صبرت على الصوم، يا عبد الله، عوضك الله جل وعلا هذه المأكولات والأكل بغير حساب. ولها ثبت في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «إن في الجنة بابًا يقال له الريان، لا يدخله إلا الصائمون، وإذا دخلوا أغلق عليهم، فلا يدخل أحد معهم». هذا خاص. وهكذا يعد القول في سائر العبادات وسائر الطاعات. فالله الله، إخواني في الله، فنستفيد هذه الخصائص العظيمة، أن رمضان عبارة عن التربية للنفس حول كيفية التعامل مع الله جل وعلا. وما أن رمضان، عباد الله، كما أنه ذهب وانقضى، وأنك بعدها ستفرح بما عند الله جل وعلا، كما قال نبينا: «وفرحة عند لقاء ربه». تفرح، يا عبد الله، عند لقاء ربك، أن الله أتم لك هذا الصوم، وحفظ لك الأعمال، فتفرح. فافرح، يا عبد الله، كذلك ليس بخروجك من رمضان، بل بخروجك من الدنيا، الصائم يفرح عند الله بعمله، وهكذا من مات وخرج من هذه الدنيا يفرح عند الله جل وعلا أيضًا بعمله. فإخواني في الله، فعلينا أن نستشعر مثل هذه الخصيصة، وأن نستشعر مثل هذه الركيزة العظيمة التي وجدناها في رمضان، فنجعلها هي من أعظم دوافع العمل الصالح عند الله سبحانه وتعالى. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.