ثمرات الصيام  11

ثمرات الصيام 11

الدرس في ثمرات الصيام 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الحكمة من ألم الجوع وتأثيره على الصائم

يشرح هذا الفصل الحكمة من شعور الصائم بالألم أثناء الصيام وكيف يولد التعاطف مع الفقراء. كما يشير إلى أهمية الشعور بنعمة الطعام والشراب وشكر الله عليها.

فضل الصدقة ودورها في كشف الكرب

يتناول هذا الفصل قصة عن حث النبي محمد صلى الله عليه وسلم على الصدقة عندما رأى أمته في ضيق، ويشجع على بذل الصدقة والمشاركة في مساعدة المحتاجين.

ثمار الصيام وأثر الشبع على شكر الله

يجمع هذا الفصل بين ثمار الصيام وأثر الشبع على المؤمنين، حيث يشدد على أهمية التعاطف مع الآخرين وعدم الإسراف وشكر الله على نعمه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لازلنا إخواني في الله في هذه المجالس نتذاكر وإياكم بعض الثمار والفوائد التي يستفيدها المسلم من فرضية شهر الصيام. ومما يذكر كذلك من إخواني في الله في هذا المقام من الثمار العظيمة التي أوردها وذكرها سلفنا الصالح، قالوا: إن في فرضية الصيام، وفي الإمساك عن الطعام والشراب، أن المسلم يجد ويحس بألم الجوع وبحرارة الضمأ. وهذا لا يكاد أحد يخالف في ذلك، فإنه ما من صائم يصوم في رمضان إلا ويجد من المشقة ويجد من التعب ما يلاقيه من صيامه. وهذه المسألة -وهو الألم والتعب الذي يتحصل عليه المسلم من جراء صيامه ومن جراء إمساكه- إنما ذلكم إخواني في الله قد يكون أظهر عند الذي لم يعتد الصيام. يوجد من الناس من المسلمين من لا يعرف الصيام إلا في رمضان، يسمع عن ألم الجوع ويسمع أن الجوع خصم كما يقال في عرفنا، وأن الجوع له حرارة، لكن ما يستشعر بهذه الحرارة وبهذا الألم إلا إذا جاء شهر الصوم فكان من الصائمين، حينها أحس بهذا الألم وبهذا الضيق. وقد سئل من سئل من سلفنا الصالح عن الحكمة من الصوم، قال: «حتى يذوق الغني حرارة الضمأ»، وفي لفظة: «حتى يذوق الغني حرارة الجوع». إذن هذه حكمة مرادة من الشرع، وهو أن الصائم في خلال صيامه سيحس وسيجد ألم الضمأ. هذا الألم، ما الذي سيكون مردوده؟ قال علماء: هذا الألم إذا أحس به الصائم في أيام صيامه وفي نهار صيامه، هذا يولد لنا ثمارا عظيمة. من هذه الثمار أولا: أن المسلم حينها في غضون صيامه، وعندما يجد ألم الضمأ وألم الجوع في نهاره، حينها سيحس وسيشعر بما يجده الناس من أهل الفاقة ومن أهل الحاجة ومن أهل الضيق ومن أهل المسكنة. إذا كنت أنت يا عبد الله في نهار رمضان، وفي ساعات معدودة -إثنى عشر ساعة في بعض المواسم، وأربعة عشر ساعة كهذا الموسم- ساعات محدودة، ومع ذلك أتحس بالتعب وبالضيق وبالجهد وبالضنك والإرهاق، فضلا عن حرارة الجوع والضمأ. فما ظنك يا عبد الله بالفقراء والمساكين الذين يعيشون في طوال عمرهم على هذا الضيق وعلى هذا الفقر وعلى هذا الضمأ وعلى هذا الجوع؟ لربما ما يعرف في اليوم والليلة إلا وجبة واحدة. أنت مع جوعك يا عبد الله لك ما شاء الله فترات، ثم تعوض عندك فترة الأفطار، وهذه لا شك فيها، وعندك فترة السحور، وهذا لا ريب فيها، وبين هذا وتلك هناك وجبات، فتتمتع وتعوض. لكن يا عبد الله كيف بالذي لا يعوض لا في نهاره ولا في ليله، ولا يعوض في رمضان ولا يعوض خارج رمضان؟ فمن الحكم العظيمة التي يجنيها العبد في صيامه أنه يحس بألم الجوع، ومن ثم يستشعر بحال المسلمين في أصقاع المعمورة، في شرق الدنيا وفي غربها، وما ينتابهم من ضيق وفقر وجوع. وأيضا يا عبد الله، مما يثمر هذا الألم بعد معرفتك لألم الجوع الذي يصيبك ويعتريك في صيامك، أن هذا يولد لك المواساة، أنك تواسي غيرك. إذا أحسست بالجوع الذي فيك، ومن ثم استشعرت بعظم الجوع المصيب في غيرك، ما الذي يثمر هذا النظر؟ يثمر أنك تمد يد العون، وتحاول أن تسارع إلى رفع المصائب والمهالك من الجوع والضمأ الذي أصاب غيرك. وتحاول أن تسارع، وهذا ما يسمى بالتكافل الاجتماعي. هذه يا إخواني في الله من الحكم العظيمة التي جعل ربنا جل وعلا البلاء يقع في بعض البقاع، أن يظهر في هذه المجتمعات مواساة بعضنا لبعض. ومن ذلكم ألم الجوع، فإذا أنت يا عبد الله استشعرت بألم الجوع، وعلمت أن هناك أناسا في شرق الدنيا وفي غربها لربما لا يعرفون إلا وجبة واحدة، بعدما يجعل ذلك عندك الألم في القلب، أنك تسارع وتساهم في رفع ما وقع عليهم من مظلمة وما وقع عليهم من قحط وجفاف وجدب. ومما يدل على هذا يا إخواني في الله، أن نبينا صلوات ربي وسلام عليه عندما كان في المدينة، جاء قوم من مضر مجتابي النمار، وعليهم الفاقة وعليهم الجوع وعليهم الضيق. لما رأى ذلك عليه الصلاة والسلام في أناس من أمته تغير وجهه، حتى قال الراوي: «فتمعر وجهه عليه الصلاة والسلام للأسى الذي أصابه مما لاقه قومه». فما كان من أمره عليه الصلاة والسلام إلا أن قام في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم حث على الصدقة، حث على البذل، فقال: «تصدق رجل بديناره، تصدق رجل بدرهمه، تصدق رجل بصاع من بره... حتى قال: تصدق رجل ولو بشق تمرة». يعرض نبينا عليه الصلاة والسلام بأمر الصدقة، وأن ما يبذل مقبول، عظم أو كبر، صغر أو حقر، ما يبذل في رفع حاجة المسلمين يقبل، ولو كان شق تمرة. خيل يا عبد الله رجل يسمع بمجاعة، وأن الأمة تحتاج، فيأتي ببضع تمرات، يقول: «هذا الذي عندي». هذا الإخواني يقبل. فلما انتهى نبينا من خطبته ومن حث الناس، قام رجل من الأنصار فذهب إلى بيته وأتى بصرة من مال، كادت يده أن تعجز عن حملها. قال الراوي: «بل عجزت». حمل مالا مما أخرجته نفسه السخية، أراد القرب إلى الله جل وعلا، فجاء بمال عظيم فوضعه أمام نبينا عليه الصلاة والسلام. فلما رأى الناس ذلك تتابع الناس على الإتيان بصدقاتهم. قال الراوي: «حتى اجتمع عند نبينا كومان عظيمان من ثياب ومن طعام». قال الراوي: «فرأيت وجه رسول الله وقد تهلل كأنه مذهبة». تهلل أي: ضحك واستبشر عليه الصلاة والسلام. تمعن يا عبد الله بين حالتي رسول الله عليه الصلاة والسلام في بداية الحديث، تمعر وجهه، وفي آخر تهلل وجهه. متى تمعر؟ عندما جاءت الضيق وجاء الكرب على أمته. ومتى تهلل وجهه؟ عندما أزيحت هذه المصائب وهذا الضيق، ورفع الحرج عن أمته عليه الصلاة والسلام. فعلينا عباد الله أننا بعدما نستشعر بألم الجوع، وسمعنا بما يصيب أهل الإسلام في شرق الدنيا وفي غربها، وهنا وهناك من الحروب والقتال، لربما قد سمعتم أن أناسا، أن أمما من الناس لربما لا يعرفون في فترة من الفترات إلا الرغيف، إلا الرغيف يأكلونه أكلا، هذا فطورهم وغذاؤهم وعشاؤهم. أيرضى واحد منهم أن يأكل رغيف يوم وليلة؟ ما يسيرضى بهذا؟ فحاول يا عبد الله أن تسارع متى ما علمت بما أصاب الناس، وخاصة من كان عنده القدرة، من كان عنده الغنى، من كان عنده استطاعة ممن فتح الله جل وعلا عليه بالأرزاق والأموال، أنك يا عبد الله يا من أحسست بألم الجوع، أحسست بألم غيرك، فابذل ما عندك. لا تقول: «يأتيك من يسألك المال، يسألك المعونة، يسألك المساعدة، وأنت قادر على كشف كربته، فتقول: أخي اعذرني، والله الزكاة ملآنة». الزكاة فقط ملآنة، وعندك المستودعات وعندك الخزائن وعندك الأموال، وعندك الذي لو ربما لو بذلت الأربعين والخمسين والمئة لا شيء عندك، هذه لا شيء عندك البتة، ومع ذلك تحتسب وتحبس نفسك على الزكاة. لا يا عبد الله، ابذل. بني العلماء من قال: إن هناك أموالا قد تجب على المسلم غير الزكاة، تجب على المسلم غير الزكاة إذا وجدت هناك المآسي والمهالك على الأمة. فعليك يا عبد الله أن تواسي، وكل إخواني في الله يواسي على قدر استطاعته. من لم يجد مالا، من يجد أمرا ماديا أو معنويا، فلا أقل يا عبد الله من أن تشارك بالدعاء، تشارك حتى بالدعاء. ستسمع عن هذه الحروب والمعارك، وعما يقع لأهل الإسلام من نزوح ومن قتل وتقتيل وتشريد وجوع وضمأ ومخمصة، وأنت ما استطعت حيلة لكي تصل ما عندك، فلا أقل يا عبد الله أنك تدعو الله جل وعلا: «اللهم فرج عنهم، اللهم أبدلهم بأمن وأمان، اللهم ارفع عنهم الكربات، تدعو لهم، اللهم تقبل موتاهم، واشف جرعاهم، اللهم اكسهم، اللهم ارزقهم». تدعو يا عبد الله، فلا أقل من الدعاء. نبينا عليه الصلاة والسلام عندما أصيب أصحابه بتلكم المقتلة من جراء تحالف رعل وذكوان على أصحاب نبينا من القراء، فقتلوهم شر قتله، غضب نبينا عليه الصلاة والسلام على مهلك أصحابه، لكنه في تلكم الآونة ما كان عنده قدرة على رد المعتدي وعلى رد الغاشم، لكن لجأ إلى الله سبحانه وتعالى ودعا ربه: «اللهم عليك برعل، اللهم عليك بذكوان، اللهم عليك بفلان، اللهم عليك بفلان». دعا ربه جل وعلا. فدعاء من هنا ودعاء من هنا ودعاء من هنا، وقد مر مع عباد الله فضل الدعاء، وأن الواحد لا يستخفن بأمر الدعاء، فإن أمره عظيم وأمره جسيم عند الله جل وعلا، يفرج به ربنا جل وعلا الكربات، ويرفع عنه الهموم والغموم عن هذه الأمة المحمدية. فهذا الأمر الثاني إخواني في الله نستفيده بعد استشعارنا بألم الجوع، أن نواسي غيرنا، أن نواسي غيرنا بما نستطيع من طاقة وقدرة، فإن هذا من صفات المؤمنين، فإن هذا من لوازم الإيمان. من لوازم الإيمان المواساة لغيرنا. قال نبينا كما ثبت ذلك في السنن، ويحسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: «ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع، وجاره جائع». هذا ليس من الإيمان. أنك يا عبد الله تملأ هذه البطن بما شئت من مأكولات ومن مشروبات، وبما لذ وطاب من الطعام والشراب، وجارك من أهل الإسلام، وجارك من أهل الإيمان بجنبك، وماذا يتضور جوعا؟ يتضور جوعا، ما إن وجد إفطارا، ما وجد سحورا، وإن وجد سحورا ما وجد إفطارا، وإن وجد لنفسه ما وجد لعياله، يتقلب بين المآسي والمهالك من الجوع، وأنت يا عبد الله تستشعر به، وأنت يا عبد الله تعلم به، ومع ذلك لا تبالي بحاله، ما هذا من صفات أهل الإيمان أبدا. الأمر الثالث إخواني في الله مما يستفيده المسلم من إحساسه بألم الجوع في نهار رمضان، لهذه الساعات وللنهار بطوله، وبعد ذلك يتاح ما يبينه وبين الطعام في الليل، فيأكل ما شاء ويشرب ما شاء، أنك يا عبد الله تعرف فضل الله، وتعرف قدر نعمة الطعام والشراب، وأنها نعمة عظيمة. نعمة عظيمة يا عبد الله تستوجب مننا الحمد، تستوجب مننا الشكر. كم يقال: تخيل يا عبد الله أنك منعت منعا، تأمل أنك في بلد لو قدر الله لو قدر الله بوجود مجاعة تمر عليك النهار لا طعام ولا شراب، ويحل عليك الظلام ويدخل عليك الليل ولا طعام ولا شراب، أنت في مجاعة. قلت: إن عدم الطعام، إن عدم الشراب، ثم تنام وأنت على جوع، ثم تصبح في اليوم الثاني لا طعام ولا شراب، وهكذا الحال، فتنتظر ولو قطرة ماء، قطرة ماء تأتيك من السماء لفرحت بها، ولو استبدلت بها الدنيا وما فيها. فما ظنك يا عبد الله بأن الله منع عنك تلكم الساعات، ثم أباح لك ما لذ وطاب من الطعام والشراب؟ فإن هذا يستوجب لك الحمد، يستوجب منك الحمد والشكر لله عز وجل. تحمد الله، تشكر الله على هذه النعم الذي تتقلب عليها. ما حرمت يا عبد الله أذن المغرب، فتفتح الثلاجة وتفتح ما عندك من المستودعات وما يعد لخزينة الطعام والشراب، فتجد ما شاء الله تبارك الله، المبردات والتوابل والمقبلات والأشياء الثقيلة والأشياء الخفيفة، تتمتع، تأكل حتى تشبع. فهذا يا عبد الله يستوجب منك الحمد والشكر. وقد ثبت في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب العبد يأكل الأكل فيحمده عليها، ويشرب الشرب فيحمده عليها». نعمة يا عبد الله تكثر من حمد الله وشكره. لكن بعض الناس الذي ما اعتاد على الصيام يمر على الطعام كأنه لا شيء، فيرمي بهذا الطعام ويرمي بهذه الفضلات، ويأكل بإسراف ويشرب بإسراف. لا يا عبد الله: «كولوا واشربوا ولا تسرفوا». فإن من تمام شكر الله، ومن تمام حمد الله على هذه النعمة، عدم الإسراف وعدم التبذير في الطعام والشراب. فهذا إخواني في الله خلاصة هذه الثمرة العظيمة، أن من ثمار الصيام أنك يا عبد الله تحس بألم الجوع وبحرارة الضمأ، وأن هذا الألم وهذا الشعور يترتب عليه ثلاثة أمور. الأمر الأول: أنك تستشعر بألم غيرك وبمصاب غيرك، فتعلم عظم ما هم فيه، وعظم ما هم عليه. والأمر الثاني: يستلزم ذلك منك المواساة، وأن تواسي غيرك يا عبد الله بما تستطيع. والأمر الثالث: أنك تكثر من حمد الله وشكره على أنه أنعم عليك بعد ألم الجوع بنعمة الشبع، وبنعمة الري. فلله الحمد من قبل ومن بعد. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.