ثمرات الصيام  10

ثمرات الصيام 10

الدرس في ثمرات الصيام 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فوائد الصيام البدنية والنفسية

يشرح المقطع فوائد الصيام في التربية البدنية وتحقيق قوة المسلمين من خلال الصبر على الجوع والعطش وتحمل المشاق. كما يشير إلى انعكاس ذلك على أداء المسلمين العسكريين.

التدريب على التواضع والخشونة في مختلف مجالات الحياة

يشجع الإسلام على تغيير نمط الحياة والاعتاد على الخشونة والتواضع في مختلف أبواب الدين. نهى النبي عن الترف وشجع على البذاذة وترك التجمل والتزين.

حكمة الصيام في التأقلم مع الظروف الصعبة

التغير في الأحوال المعيشية للمسلم يهدف إلى تواضعه وتعويده على الخشونة وتحمل الأجواء الصعبة، مما يساعده على التأقلم مع مختلف البيئات والظروف.

ختام الموضوع والدعاء

المسلم يمتلك القدرة على الصبر بفضل تربيته لنفسه، والدعاء لله تعالى أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد، مع التأكيد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في مثل هذه المقامات ومثل هذه الأوقات نتذاكر إياكم عن أهم الثمار والمسائل والفوائد التي يجنيها العبد من خوضه في مضمار الصيام. وذلك إخواني في الله يظهر لكل ذي عينين أسرار أو شيء من أسرار الشريعة، إذ أن الله جل وعلا لربما يوجب على العباد فرضا واحدا، وتحت هذا الفرض الكثير والكثير من المسائل والمعاني. ومما يذكر إخواني في الله كذلك تتم لهذه الفائدة التي نحن بصددها بذكر الفوائد التي يجنيها المسلم من صيامه، ما قالوا بعض الفقهاء، وهو تعويد النفس على التربية البدنية. ففي شهر الصيام يتربى المسلم ويتربى الصائم تربية بدنية في جسمه وفي جسده، حيث أنه يعتاد على الضمأ وعلى الجوع وعلى المخمصة. وهذه الأيام التي تمر عليه وعلى هذا الإمساك والكف عن الطعام والشراب تعطيه قوة وتعطيه جلادة في الصبر على ترك الطعام والشراب لساعات طويلة. وتلاحظون إخواني في الله أن الإسلام من أسراره ومن تشريعاته يريد من ذلك إيجاد مسلم قوي. قال عليه الصلاة والسلام: «المسلم القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف». المؤمن القوي الذي عنده قوة سواء في عقله أو في بدنه أو في جسمه، خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. وفي كل خير، لكن القوة البدنية لها تطلع في شرعنا الحكيم. فالشرع يريد إيجاد أهل الإيمان على قوة وعلى جلد وعلى صبر، فكان ذلك من حكم الصيام أن النفس تعتاد على ذلك. وهذا أمر والمسلم ما يشك في ذلك، أنه في أيامه العادية يجد القوة على ترك الطعام والشراب، وهذا من فضل الله جل وعلا على الأمة بفرضية الصيام. فمثال أيام الفطر قد تأتي في الصباح، مثاله تريد الفطور فما تجد شيئا، فالأمر عندك عادي جدا. وأن الفطور تأخر، بل قد يكون الساعة العاشرة عادي، بل بعضهم من يتفطر قرب الظهر، بل بعضهم لا يتفطر. كيف وصل المسلم إلى هذه الحال من الاعتياد؟ طبعا أنت المسلم عبد الله تجد هذه القوة بفرضية الصيام الذي جعلك تعتاد سنويا أنك تصبر هذه الساعات الطوال. بخلاف الكافر، الكافر ما يمكن أن يصبر هذه الساعات، الكافر يأكل بشراسة ويأكل بشراهة. قال عليه الصلاة والسلام: «الكافر يأكل في سبع أمعاء». يأكل ويأكل ويأكل ولا يكاد يشبع. وأنتم تلاحظون من عاش في أرض الغرب يجد الصرفية العظيمة والنهمة للأكل، بحيث أصبحت ما يسمى عندهم بالوجبات السريعة. تجد وجبة عبارة عن سندويش متكامل من شاء الله، خمسة طوابق، ستة طوابق، تسمى وجبة سريعة. هذه عندنا أهل الإسلام وجبة كاملة، عشاء كامل، لكن لا، هذه وجبة سريعة يأكلون في الطريق، فقط في طريقهم. فالقوم عندهم شراهة فما يصبرون، لكن أهل الإسلام بفضل شريعة الله عز وجل المنزلة من سبع سماوات، والتي جاءت على ترويض المسلم، يعني اعتاد المسلم على ترك الطعام وعلى ترك الشراب وعلى الضمأ وعلى الجوع، هذا فيه تربية تربية بدنية لأهل الإسلام. وكما تلاحظون كذلك هذا النظام موجود حتى في قسم الجيوش والجنود، بل الفرقة الكبيرة العظيمة مثل فرقة المارينز وغيرها من تلك الفرق التي تعد للغزوات والقتال. فإن من برنامجهم التربوي الأمر بترك الطعام والشراب، تجد الضابط أو تجد القائد في الفرقة هذه يأمرها الجند بترك الطعام والشراب لساعات طوال. فيحسون بالتعب والضنك، لكن إذا جاءت عند أهل الإسلام، إذا جاء القائد عند ثكنة عسكرية وأراد أن يعودهم، يقول: «يا أيها الناس صوموا»، فصاموا بكل أريحية، بخلاف أولئك يصومون بتعب وجهد ويكابدون العناء. وأما الجيش الإسلامي يقول له: «يا جيش صوموا»، فصاموا، لأن هذا اعتاده، يصوم من الفجر إلى المغرب ولا يحدث له أي أدنى حرج، هذا عادي، قد اعتدنا على ذلك في صيامنا. فإخواني في الله، فمن فضيلة الصيام ومن حكم الصيام كما قال العلماء في التربية، التربية على القوة، على التربية البدنية. وأيضا إخواني في الله هذه الحكمة ليست كذلك في الطعام، بل أعم من ذلك. حتى قال عمر رضي الله تعالى عنه فيما أثر عنه: «اخشوشنوا، اخشوشنوا». معنى اخشوشنوا أي تعلموا الخشونة. وقال الشراح: أي الخشونة في المطعم والخشونة كذلك في الملبس. فالمسلم إخواني في الله يحاول أن يغير من أنماط حياته. لا تعتاد يا عبد الله على نمط واحد في حياتك، نمط واحد في حياتك في مطعمك في مشربك في ملبسك، لا، غير يا عبد الله. والإسلام يهدف إلى هذه الحالة من تتبع إلى أبواب الدين، في باب الصيام، في باب المآكل، في باب المشارب، في باب الملابس، في باب حتى السلوك. يجد أن الإسلام يحاول أن يغير من نمط الإنسان، يغير لماذا؟ لكي يعتاد على الخشونة، يعتاد على الخشونة يكون قوياً، ما يكون خواراً، يكون جباناً، يكون ضعيفاً. الشرع ما يتعلق بتمشيط الشعر، لا تتعلم الخشونة. ولهذا جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن تسريح الشعر وعن تمشيط الشعر وعن ترجيل الشعر إلا غبة. كحال بعض الشباب هذا اليوم يعتني بشعره، شعر في أعلى وشعر من الأسفل، وهنا وصله وهنا قصله، المهم وبعد ذلك في كل يوم وليلة عند المرأة يمشط هنا ويمشط كذا. لا يعني هذه ما هي رجولة، هذه ما هي رجولة. ولهذا نهى نبينا عن الترجل إلا غبة، أي يوم بعد يوم، حاول يوم تمشيط ويوم أترك التمشيط، اجعل نسك عادي، تعلم يا عبد الله على الخشونة على الرجولة. وهذا أمر الشرع، اترك التمشيط ليس يوميا، بل حتى الخروج بالنعال، حتى الخروج بالنعال ثبت في الصحيح أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان يخرج حافيا ويخرج متنعلا، مرة حافي بلا نعال ومرة بنعاله. وإن كان أصل لبس النعال كما جاء في مسلم، قال نبينا: «انتعلوا، فإن الرجل لا يزال راكبا ما تعل». لكن لا بأس أنك تخرج حافي، اخرج حافي عبد الله، لماذا؟ تغيير للنمط الحياة والتعود على الخشونة، عود نفسك على الخشونة. بعض الناس إذا خرج من هنا إلى بيته ما تسمع يرفع رجله، ما اعتاد على ذاك، لا يا عبد الله اعتاد، تعود، ما في شيء، اخرج حافي كما كان يفعل نبيك عليه الصلاة والسلام. بل حتى كم يقال ولو تخرج حتى غير من لباسك، غير من لباسك. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «البذاذة من الإيمان». البذاذة فسرها الشراح وترك التجمل وترك التزين وعدم الزيادة في ذلك، هذا من الإيمان، لأن في ذلك إظهار التواضع، إظهار الفقر لله عز وجل. ولو أنك تغير شيء من ثيابك يحدث شيء من التواضع، الأبهة التي أنت اعتدت عليها، صاحب بعض الناس كما يقع في بعض الدول، الكافية ثم العمامة ثم القلم ثم العطر ثم غير ذلك، اخرج بلا عمامة، اخرج حتى بلا كافية، ما في شيء، غير. ولهذا ثبت في الصحيح أن نبينا عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يعود سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه، فحث من حث من الصحابة ممن كانوا في مجلسه على العيادة وعلى الخروج معه لزيارة سعد بن عبادة. قال الراوي: فقمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص، أبدا لا شيء من ذلك معهم، لا عندهم عمائم ولا عندهم قلانس ولا عندهم نعال ولا عندهم قفاف، خرجوا هكذا، خرجوا وزاروا سعد بن عبادة. «البذاذة من الإيمان»، فأخواني في الله في الشريعة لو تلاحظون تحاول أنها تربي المسلم على القوة، على الجلدة، على الصبر، على الاستضار، على أنه يساير أي وضع يعيش فيه، أي وضع تعيش فيه يمكن. إن جئت في باب النعيم عشت، إن جئت في باب الفقر عشت، إن جئت في باب الأكل والشبع عشت، وإن جئت في باب الضمأ والجوع عشت، تعيش في كل أحوالك بثياب وغير ثياب، بحالة رثة وبحالة جيدة. فالإسلام إخواني في الله يهدف لهذه المعاني، ومن ذلكم شرعية الصيام، كتب عليكم الصيام. فمن فرضية الصيام كما قال علماء تربية المسلم التربية الجادة القوية المتينة، بحيث أنه يصبر عن الطعام والشراب لساعات طوال. وطبعا يقول علماء الحكم من هذا الباب كله له حكم كثيرة، وهذا سيدخلنا مساء أخرى. لكن يقول علماء والحكم والعلم عند الله عز وجل أن هذا التغير سواء كان في المطعم أو في المشرب أو في الملبس أو في المسكن أو في الممشى. لعل هذا التغير يراد بنوع أشياء منها التواضع، منها كذلك تعود على الخشونة، ومنها كذلك أن يعلم المسلم أنه هو خليفة الله جل وعلا على هذه الأرض، هذه الأرض هي أرض الله، ولا بد أن تكون لأهل الإسلام. فالمسلم إذا اعتاد أن يعيش بكل الأحوال سهل عليه أن يعيش في أي بقعة من بقاع الأرض لإعلاء كلمة الدين. بل حتى من الأعاجيب ما ذكروا العلماء في هذا السر أن بيئة المسلم بيئة المسلم وما يقع فيها من اختلاف، بل من خشونة في المناخ. قالوا هذه أيضا تربية، صحيح، عندما تنظر يا عبد الله إلى بعض التضاريس وبعض المناخات الموجودة في بعض أرض الكفار وما يقع فيها من بديع الجو ومن جميل النسيم، الأخضرار موجود والجو والنسيم والربيع دائما، الربيع عندهم دائما، فما يعرفون حر ولا يعرفون برد. بخلاف بلادنا، وخاصة الجزيرة العربية، فإن فيها من المناخ القاسي، إذا جاء الحر جاء الحر بشدته، بالزحوف، بالسموم، بالأربعينية، حر شديد جدا. وإذا جاء البرد يأتي البرد الشديد الذي كم يقال يدخل إلى داخل العظم. طب هذا الجو المناخ القاسي من يراد منه؟ قال علماء: يراد منه كذلك تحتق هذه القاعدة العامة، تربية المسلم، التربية البدنية، أن يعتاد على جميع الأجواء، إن جاءك حر تصبر عليه، إن جاءك برد تصبر عليه. وهكذا الموجود عندنا في أهل الإسلام، فلا أحد يشتكي منا من حر إلا إذا كان حر زائد، ولا يشتكي أحد منا من برد إلا إذا كان برد خارج عن الطبيعة. وما الذي يولد هذا؟ يولد هذا يا عبد الله ما قد لقيناه، ما سمعناه في سيرة أسلافنا من القادة والقوات في أثناء الفتح الإسلامي. كيف أن الصحابة من لدن نبينا عليه الصلاة والسلام ومن كان بعد من الخلفاء، عندما كانت تجيش الجيوش ويرسل الجند والقوات إلى شرق الدنيا وإلى غربها، إلى أماكن ما اعتادوها قط. فإذا بهم يعني كما يقال مباشرة يتأقلمون مع تلك الأجواء، يذهب واحد منهم من قوات إلى بلاد الروس كما في أرمينيا وأذربيجان، أراد الجليد والبرد القارس، تجد الصحابة ومن كان من بعدهم يتابعين يغزون تلك البقاع ولا يشتكون من شدة البرد. لأنهم تأقلموا على ذلك في بلاد الإسلام، وإن ذهب منهم من ذهب إلى أرض أفريقيا وإلى أدغالها، مع شدة الحر والكهرارية التي فيها، ومع ذلك ما اشتكى من حر، وما تعذر منهم ترك الجهاد بحجة وجود الحر، وإنما تأقلموا على ذلك في الجزيرة العربية. الجزيرة قد ربت هذا ما يتعلق في المناخ. وأما إن ذهبوا في تلك البلاد ووجدوا فيها من الضعف والضيق وقلة الطعام والشراب، فقد اعتادوا على ذلك في عباداتهم وفي شعائرهم. فتجد إخواني في الله أن هذه حكمة عظيمة، حكمة عظيمة أن الدين من خلال الشرائع يريد أن يوجد مسلم يتأقلم مع سائر الأمور والظروف، لا يعتريه برد ولا حر ولا جوع ولا شبع ولا مخمصة ولا ضيق. وإن وأنت يا عبد الله في بلادك وأنت في بين مسكنك وعيالك، تربي نفسك على ذلك، البذاذة في الطعام، البذاذة في الشراب، البذاذة في الملبس أو في كل شيء، بحيث لو جاء ذلك اليوم الذي ترسل به يا عبد الله إلى فتح بلاد الكفار. فلا تعتذرن بشيء، فأنت قد ربيت نفسك بنفسك، عندك من القوة وعندك من الجلادة ما يعطيك ربك جل وعلا فيها من الفتح ما لا يعطي لغيرك. وهذا إخواني في الله من الحكم البليغة التي أرادها ربنا جل وعلا من شرعيته ومن دينه. فإذن إخواني في الله الخلاصة في هذا الباب، وهو باب يطول ذكره، لكن نفقه ونفهم أن من أعظم العبر ومن أعظم العظات التي تراد من فرضية الصيام التربية البدنية، أن المسلم يتربى على قوة البدن. فلو جاءته مثل أزمات، لو قدر الله وقد يبتل من يبتل من بلاد الإسلام بالأزمات أو يبتليهم الله جل وعلا بالقحط والجدب والجفاف، فإذا جاءت مثل هذه الأيام القاحلة الذي يقل فيها الطعام بل يعدم فيها الطعام والشراب. فإن المسلم يجد من نفسه الملكة على الصبر، لا تسخط، لا تذرع بهذا، لأنه قد ربى نفسه بنفسه. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.