ثمرات الصيام  12

ثمرات الصيام 12

الدرس في ثمرات الصيام 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تأثير الصيام على صفاء العقل والقلب

يُشير الخطيب إلى أن الصيام له تأثير إيجابي على صفاء العقل والقلب، ويجد الصائم تحسنًا في فهمه وتدبره لكلام الله. يُؤكد العلماء على أهمية الإقلال من الطعام والشراب لصفاء العقل والنفس والقلب.

أثر الإقلال من الطعام على الفطنة والعبادة في رمضان

المقطع يبين أهمية الإقلال من الطعام والشراب في تحسين الفطنة وزيادة النشاط العقلي والقلبي، ويستشهد بأقوال السلف الصالح والعلماء مثل ابن خلدون. مدرسة رمضان تعلم الصيام وتحسن الأفهام والعقول.

فضل الإقلال من الطعام والشراب وثمار الصوم

يُشدد على أهمية الإقلال من الطعام والشراب في تهذيب النفس وصفاء القلب والعقل، والصوم يثمر مقام التفكر والتأمل وصفاء العقل والنفس. ينبغي أن ينفعنا الله بما قلناه ويحث على تقليل الأكل والشرب بعد رمضان.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصلة إخواني في الله حول الثمار التي يجنيها العبد من فرضية الصيام مسألة ذكرها أهل التربية، ونبه عليها الفقهاء، ونبه عليها كذلك العلماء، أن من فوائد الصيام إخواني في الله أن فيه تخلية للقلب وللفكر وللذكر وللفهم. يقول العلماء: إن من إيجابيات الصيام أنها تؤثر في الأبدان من حيث الصحة والاعتدال، وهي أيضًا تؤثر في الأفهام، فتجد أن القلب يصفو، وأن الفهم يسمو، فتجد أن الصائم في أثناء صيامه يجد من الفهم ومن التدبر ومن التعقل ومن التأمل ما لا يجده في فترة شبعه، وهذا ملاحظ. فالصائم إذا قرأ كلام الله وكتاب الله جل وعلا يجد من المناجاة، بل يجد من وضوح المعاني في تأمله لكلام الله جل وعلا ما لا يجده في أيام الفطرة. وهكذا قل ما يتعلق بخشوعه وخضوعه، بل حتى الأفهام، فهمه وعقله يظهر منه التركيز، ويتضح منه فهم المسائل، كل ذلك يكون في إبان صومه. ومن هنا نبه العلماء رحمهم الله تعالى على ضرورة الإقلال من الطعام والشراب، حتى في سبيل صفاء العقل وصفاء النفس وصفاء القلب. فيأتي الصوم، ويأتي رمضان، وخاصة لأناس ما عرفوا الصوم طوال حياتهم، بعض الناس ما يعرف للشبع، تمر عليه الأيام، تمر عليه الليالي، تمر عليه الشهور، وهو في شبع، وهو في ملء البطن، وتجد أنه يجد من القساوة في عقله ومن القساوة في قلبه، لكن إذا جاء رمضان وصام مع الناس، يرى أن حالته النفسية تتغير، تجد أن عقله يتفتح، قلبه يسمو، يتأثر من المواعظ، يتأثر من كل ما حوله، يتدبر، يتأمل. ولهذا، أخواني، كان العلماء، بل كان حتى العباد قديمًا، يحبذون لمن أراد أن يسلك طريق العبادة، ومن أراد كذلك أن يسلك طريق العلم، عليه بالإقلال من الطعام والشراب. يقول القحطاني رحمه الله تعالى في نونيته المعروفة: ولا تحش بطنك بالطعام تسمنا فإن جسوم أهل العلم غير سماني يعني يقول أراد القحطاني رحمه الله يبين أن من صفة العلماء ومن حال أهل العلم أنهم غير سمان، ما معنى ذلك؟ أنه لا يجتمع سمنة مع عقل، إذا وجدت السمنة وجدت البطنة، فإن هذا بالضرورة سيؤثر على العقل. قال الشافعي رحمه الله تعالى: ما أفلح سمين قط، ثم استثنى رحمه الله، قال: إلا أن يكون محمد بن الحسن، أراد الشيباني، فقد كان من الفقهاء وكان من العلماء، إلا أنه كان على سمنة. فلما قال: ما أفلح سمين قط، قال: إلا أن يكون محمد بن الحسن، استثنى من هذه القاعدة. والأصل أن القاعدة أن من أراد أن يسلك مسلك العلم، وأراد من العلوم وأراد من الفنون ومدارك الأمور أن تكون من نصيبه، فعليه أن يقلل من الطعام والشراب. ومن العبارات المعروفة: البطنة تذهب الفطنة، الفطنة هي الذكاء وهي التفطن لكل شيء، فما الذي يذهبها؟ البطنة، ومعنى البطانة وهي السمنة. قال عمر بن قيس الملائي رحمه الله تعالى: إياكم والبطنة، فإنها تقسي القلب. وهكذا قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: من أحب أن يصح له جسمه وأن يقل نومه، فليقلل من أكله. فإقلال الطعام والشراب يعطيك النشاط، ليس في الجسم بل في العقل، وهكذا نشاط في القلب. وهذا يلاحظ، فحتى في حق الصائم، تجد أنت يا عبد الله في إقبالك في أيام رمضان من النشاط في القلب ومن النشاط في الفهم ومن النشاط في العقل ما لا تجده في غيره. وبهذا دلالة على أن مدرسة رمضان مدرسة تربوية، أنه ألزمك بالإقلال من الطعام، وشبل إعدام الطعام والشراب حتى يصف العقل لله عز وجل. وها نحن في رمضان نجد هذا الصفاء في الأذهان وفي الأفهام وفي القلوب، تجد المواعظ، تجد التفكر، تجد التأمل، تجد كذلك الفكر. وقد تكلم ابن خلدون رحمه الله تعالى في كتابه المقدمة، ذكر فصلًا مطولًا، وكان يتكلم حول تأثير الطعام على الأبدان وعلى الأفهام، ثم تكلم كذلك عن تأثير الجوع، وبين وذكر قراء كثيرة جدًا، وبين كيف أن الإقلال من الطعام والإقلال من الشراب له آثار عجيبة على الأفهام والعقول. ذكر رحمه الله أن في الأرض التي فيها الشبع وفيها البذخ وفيها الترف، أنه يكثر في حقهم البلادة، ثم ذكر وقارن في بعض المناطق في أرض المغرب في زمنه، في أرض فاس، وذكر أن هذه أراضي فيها خشونة وفيها فقر وفيها ضيق، وأنهم ما يأكلون إلا على ما قل من الطعام، من الزيت ومن بعض الحبوب، وذكر أن هؤلاء عندهم من الإقبال على الدين وعلى العبادة ما ليس عند غيرهم. ثم ذكر طبيعة الإنسان، وذكر أن هؤلاء أصحاب الشبع الذي يملؤون بطونهم بما طاب وبما لذ من شراب وطعام، أن هؤلاء عند المجاعة من أسرع الناس هلكة، تجد بعض الناس فيها كسياسة تربوية يرى أنه يخزن الزاد والطعام في بطنه، حتى إذا جاءته مجاعة هلك. قال: فمتى من قطع عنها الطعام ما صبرت، ستهلك. وذكر قراء كثير في التاريخ أن كان أمثال هؤلاء أصحاب السمنة وأصحاب البطنة من أكثر الناس هلكة ومن أسرعهم موتى في أيام المجاعات والقحط، بخلاف الذي تعود على خشونة وعلى الإقلال من الطعام، فإن هؤلاء يصبرون صبرًا عجيبًا. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه، فإن كان لابد فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه. فحاول يا عبد الله أن تراعي هذه الأشياء، فمن راعى هذه الأشياء يجد حينئذ من المدارك ما يجد. قال من قال من سلفنا الصالح: من صام النهار وقام الأسحار، رأى العجب العجاب من ملك الجبار. هذا بالصوم يا عبد الله، فإن موت تتفتح، ولا زال الكثير لا أقول من أهل الإسلام بل حتى ممن ليس من المسلمين، تجد غالب الفرق الدينية، سواء كان النصارى أو كان عند الكفار من الملاحدة في أرض الهند والسند، ممن هم يتعبدون، أصحاب الرياضيات، فلا يجدون من لذة التعبد في دينهم المحرف بمثل الصوم. بل حتى المتوصوفة ممن يقولون بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود، أن من الرياضيات الأكيدة عندهم أن الرجل إذا أراد أن يبلغ الذروة عندهم والوصول إلى مرتبة اليقين عندهم، لابد أن يتخلص من الطعام والشراب، لماذا؟ قال: إن هذا التخلص سبيل إلى صفاء الذهن، ومن ثم استقبال ما يمكن أن يلقيه المخاطبات من علم لدني. فأصحاب الرياضيات ومن أصحاب الرياضة قصد بهم أصحاب الرياضيات، أصحاب الرياضة رياضي النفس، وغير هؤلاء الكل أجمع على أن من أعظم السبل في ترويض النفس وفي تهذيب النفس وفي صفاء القلب، وكذلك صفاء العقل، ليس هناك مثيل الإقلال بالطعام والشراب. وأما ما يتعلق بالشبع، إن هناك فترات من فترات أن يشبع، ليس في ذلك عتب، قد ذكر العلماء ذلك، رحمه الله تعالى، أن ليس هناك عتب أن تشبع أحيانًا، كما وقع لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه مع نبينا عليه الصلاة والسلام، أنه كان يطعمه ويشربه حتى قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا. أما أنك يا عبد الله يكون دائمًا ومن والك شبع، شبع، إن جئت على الفطور شبعت، وإن جئت على الغداء تصبح إلى درجة الشبع، وإن جئت على العشاء ما تقوم إلا على الشبع، شعارك الشبع، لا يا عبد الله ما ينبغي. نقل عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه كان يتغذى، فجاءه رجل ممن يعرفه، فقال الحسن: هلم إلى الغداء، فقال الرجل: لا والله لقد أكلت حتى لا أستطيع أن آكل، فقال الحسن: وعجبًا، أيمكن للمسلم أن يأكل حتى لا يستطيع أن يأكل؟ هل هذا يوصف أن يكون في حال مسلم؟ أنك تأكل لدرجة أنك ما تستطيع أن تأكل، إيش معنى هذا؟ ازدحام، معنى هذا ازدحام في البطن، ما عندك مسلك. ويكون هذا ديدنك، لا يا عبد الله، هذا مما يعاب، أنك تشغل نفسك يا عبد الله بماذا؟ بالشبع. ولله الحكمة البالغة، فإن الله جل وعلا جعل في ذلك، جيل الصحابة، ما كان من جوع ومن قلة في المعيشة وشدة في المؤونة، ما أثمر ذلك من قوة في العبادة وقوة في الفهم. وبالإجماع، وبإجماع العلماء، أن عقول أهل الإسلام أكمل عقولًا من أهل الكفار، لو جئنا بمقارنة. وقد ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، أنه لما قارن بين العقول، ذكر أن عقول أهل الإسلام أكمل من عقول أهل الكفار، وأن عقول أهل السنة أكمل عقولًا من عقول أهل البدع. فإذا جئنا بالجملة إلى عقول أهل الإسلام، فإنهم أكمل عقولًا من أهل الكفار، لماذا؟ للحال الذي كانوا فيه من الإقلال المعيشي، الشدة في المؤونة، أورث هذا الإقلال ماذا؟ صفاء الذهن وصفاء القلب. ولله حكم البالغة. فمما يستفيد الصائمون من خلال صومهم ودخولهم في رمضان، أن يتحسسوا لهذا المعنى العظيم، أن الصوم أثمر مثل هذا المقام العظيم، مقام التفكر والتأمل وصفاء العقل وصفاء النفس. فهذا يا عبد الله يجعلك تحسب حسابًا فيما سيأتي لك من أيام أكلك وشربك، أنك يا عبد الله تقلل ما استطعت لذلك سبيلًا. وأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.