ثمرات الصيام  3

ثمرات الصيام 3

الدرس في ثمرات الصيام 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل الدعاء في رمضان وتأثيره

يُشدد على أهمية الدعاء في شهر رمضان باعتباره فرصة لتعزيز التعلق بالله، ويُبين أن الدعاء مستجاب للصائم في كل الأوقات. يُشجع على استغلال هذا الشهر لطلب الخير في الدنيا والآخرة.

أهمية الدعاء في الشدائد وطلب الرزق وتأثيره على المؤمن

الدعاء هو وسيلة المؤمن للتغلب على الشدائد وطلب الرزق، وينبغي على المسلم اللجوء إلى الله تعالى في كل الأحوال. يُشدد على أهمية عدم اليأس من استجابة الدعاء.

أصناف الناس في الدعاء وتحذير من الاستكبار

يتناول ثلاثة أصناف من الناس في الدعاء ويحذر من الاستكبار عن دعاء الله، ويشجع على لزوم الدعاء في الأوقات العظيمة مثل شهر رمضان. يُبين أهمية التعلق بالله والابتعاد عن الاستكبار.

تغيير الدعاء والأذكار لتحقيق التأمل والتفكر

ينصح بتغيير الدعاء والأذكار ليتفكر القلب في معاني الألفاظ والأوراد، وليخرج من إطار العادة المملة. هذا التغيير يساعد على شغل القلب بالتفكر والتأمل ويجعل العبادة أكثر حيوية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله في ذكر أهم الفوائد والثمار التي يجنيها العبد من شهر الصيام. مر معنا العديد من هذه الثمار، وكان الكلام في درس أمس فائدة أن الصيام فيه تربية على إخلاص العمل لله جل وعلا، وأنك تريد بهذا الفعل الأجر والثواب من عند الله سبحانه وتعالى، ولا رياء ولا سمعة. وأيضًا استفدنا ويستفاد من فرضية الصيام أن العبادات توقيفية، وهكذا علمنا كذلك كيف المسلم أن يحقق جانب توحيد الأسماء والصفات، ويستشعر ذلك في حركاته وسكناته في فترة الصيام. وأيضًا إخواني في الله، مما يستفيده الصائمون من رمضان عظيم التعلق بالله سبحانه وتعالى، تتعلق القلوب بباريها، تتعلق القلوب بخالقها جل في علاه. وخاصة إذا علمنا إخواني في الله أن الصيام هو شهر الدعاء، شهر الدعاء، شهر تكفل فيه رب العالمين جل في علاه باستجابة دعوة الداعين، وبإجابة دعاء المضطرين. وقد ألمح إلى ذلك القرآن، وصرحت بذلك السنة. وربنا جل وعلا عندما ذكر أحكام الصيام وفرضية الصيام أتبعها بهذه الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. ذكر ربنا جل وعلا هذه الآيات في خضم أحكام الصيام، إشارة ودلالة على أن من أحكام الصيام ومن أحكام رمضان الدعاء، أنك تسأل ربك جل وعلا. وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان. واجأت السنة وضحت وبيّنت عظم هذه الخصلة، وأن رمضان هو شهر تكفل فيه ربنا جل وعلا بإجابة الدعاء. قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث لا ترد دعوتهم»، ثلاث لا ترد دعوتهم، وذكر نبينا عليه الصلاة والسلام دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة الصائم، دعوة الصائم يا عبد الله، هذه دعوة لا ترد، فإن لها ثقلها ولها وزنها عند الله جل وعلا، وأنت متلبس بهذه الشعيرة، متلبس بهذه العبادة ألا وهي الصيام، فدعوة الصائم لا ترد. فدعوة الصائم لا ترد، ولا تظن يا عبد الله أن هذا خاص فقط في فترة النهار وأنت متلبس بالصيام، بل حتى في فترة الليل، وإذا دخل عليك الليل ودخل عليك المساء وجنح الظلام، فكذلك فإن هذه الفضيلة وهذه الخصيصة لا زالت تستمر. فقد جاءت في بعض الروايات عند البزار بأن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة. فأشهد إخواني في الله، فهذا الشهر عظيم التعلق بالله جل وعلا، بأن تلهج ألسنتنا بذكر الله سبحانه وتعالى، وندعو الله جل وعلا، وكلنا أمل، بل وكلنا ثقة بأن الله سبحانه وتعالى يجيب دعوة الداعين. إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان. فما علينا يا عبد الله إلا أن ندعو الله جل وعلا، ولا تستخف يا عبد الله بالدعاء، فإن الدعاء له شأن، الدعاء عبادة كما قال عليه الصلاة والسلام، بل هو من أجل العبادات ومن أجل الطاعات، أنك تظهر خضوعك وخنوعك وتظهر فقرك وعجزك لله جل وعلا، بأن تنطرح بين يدي الله سبحانه وتعالى، فتسأل ربك جل وعلا ما تريد من سؤاله. تسأل ربك جل وعلا الهداية، تسأل ربك جل وعلا الرحمة، تسأل ربك جل وعلا البركة، تسأل ربك جل وعلا الجنة. وكان هذا من الدعاء المأثور، نبينا عليه الصلاة والسلام كان يدعو ربه ويسأل ربه الجنة: «اللهم إني أسألك الجنة»، «اللهم إني أسألك الجنة»، «اللهم إني أسألك الجنة»، ثبت ذلك ثلاثًا عن نبينا عليه الصلاة والسلام. فينبغي إخواني في الله أن نستغل وأن نعظم هذا المقام، وأن نشغل قلوبنا بالدعاء وباللهج والاستغاثة والاستعانة بالله سبحانه وتعالى. ولا تظن أيضًا يا عبد الله أن هذا الباب، وأن هذا الجانب جانب الدعاء هو خاص بالأمور الأخروية أو الأمور الدينية، أنك تدعو فقط في باب الهداية أو تدعو في باب الرحمة أو السؤال للجنة أو الاستعاذة عن النار. بل يا عبد الله، بل خير الله عام وخير الله كبير، فلك أن تدعو في أمور الدنيا وأمور الدين، ولك أن تسأل ربك جل وعلا كذلك من خيري الدنيا. تدعو ربك جل وعلا في خاصة نفسك، أمور خاصة أنت محتاجها لها، تتعلق بالدين، ومع ذلك لك أن تسأل ربك جل وعلا. لك عبرة يا عبد الله بأنبياء الله، لك عبرة يا عبد الله برسل الله، أولئك مصفوة من خيرة خلق الله، كانوا يلجأون إلى الله جل وعلا بالدعاء، ويلهجون سؤال الرب سبحانه وتعالى. ومع ذلك كان من أدعيتهم وكان من سؤالهم أنهم يسألون الله جل وعلا في أمور تتعلق بهم، تتعلق بهم. فهذا أيوب عليه السلام عندما ابتلاه الله جل وعلا بالمرض وبالآفات والأسقام، دعا ربه جل وعلا بالشفاء: «ربي أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين»، فاستجبنا له، دعا ربه بالشفاء. فأنت يا عبد الله قد تكون مبتلى مبتلى بأمراض، وهأنت تتعالج من علاج إلى علاج، ومن مستشفى إلى مستشفى، ومن عقاقير إلى حبوب إلى عقاقير وإلى علاجات، هذا مرض قد ابتلاك الله جل وعلا به، فمع ذلك فلا تظن أنك يمنع أن تسأل ربك جل وعلا الشفاء، أو أنك تغفل عن دعاء الله جل وعلا في هذا الباب. تسأل ربك: «اللهم اشفني»، «اللهم ارفع عني الضر»، تدعو ربك يا عبد الله. بل نبينا علمنا ذلك، قال عليه الصلاة والسلام في دعاء: «اللهم أنت الشافي»، «اللهم أنت الشافي»، «لا شفاء إلا شفاءك»، فتدعو ربك سبحانه وتعالى، فهو الشافي يشفيك من كل بلاء، يشفيك من كل ضر، يشفيك من كل مضرة. كذلك ليس فقط يكون هذا المرض في نفسك، بل قد يكون في أهلك، يكون في عيالك، يكون في زوجتك، يكون في أولادك، يكون في أقاربك، في أرحامك، تدعو لهم بالشفاء: «اللهم اشف والدي»، «اللهم اشف والدتي»، «اللهم اشف أهلي»، «اللهم اشف أولادي»، تدعو يا عبد الله، الهج بالدعاء. وهكذا يا عبد الله، ولو أردت شيئًا من باب الدنيا، من باب الدنيا، أردت مالًا، أردت رزقًا، أردت أن الله يوسع عليك في حياتك الدنيا، ادعُ الله جل وعلا، ليس في هذا عار، وليس في هذا شنار، وليس في هذا عيب. نبينا حكى ربنا جل وعلا حكى عن سليمان، هذا نبي صالح، قال: «رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب»، فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص. تدعو يا عبد الله، من حفظ الدنيا لما فيه إعانة لك على إقامة الدين، فلا بأس أن تبتلاك الله جل وعلا بالفقر، ابتلاك الله عز وجل بالضيق، ابتلاك الله بالضنك، بقلة المعيشة، بشدة في المؤونة، فلا تظن أن الحل الوحيد عمل اليد، وإن كان هذا من الأسباب، لكن لا تغفل يا عبد الله عن أعظم الأسباب، وهو الدعاء، أنك تدعو الله جل وعلا، وأنت قائم، وأنت ساجد، وأنت منطرح بين يدي ربك جل وعلا. تقول: «اللهم ارزقني»، «اللهم ارزقني»، «اللهم وسع علي»، «اللهم اكشف عني الكربة»، «اللهم اكشف عني الغربة»، تدعو بما شئت، فباب الدعاء يا عبد الله مفتوح. وهكذا من أراد ذرية، ابتلاه الله عز وجل بالعقم، والذي فيه يعني زوجه وأهله، أو ما رزقت بأولاد، أو تأخر عليك الإنجاب، تريد أولادًا يا عبد الله، ادعُ ربك جل وعلا. لك عبرة يا عبد الله بزكريا عليه السلام، فدعا في دعائه، قال: «ربي هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء»، فنادته الملائكة وهو قائم في المحراب: «أن الله يبشرك بيحيى». فدعا ربه سبحانه وتعالى في الذرية، في الأولاد. فالحاصل إخواني في الله، ولنعدد في هذا المقام، لكن مقام ينبغي أن يزرع في القلوب، أنك لا تظن أن الدعاء لله جل وعلا يتعلق بالأمور الأخروية أو الدينية فقط، بل الدعاء عام، تدعو ربك جل وعلا من خير الدنيا والآخرة. ألهج يا عبد الله بدعاء: «يا الله»، «يا الله»، «اللهم»، «اللهم». فاجعل هذا رمضان يا عبد الله شهر تجعل لسانك، وقبل اللسان القلب، يتعلق برب العالمين سبحانه وتعالى. لا يتيسر من رحمة الله سبحانه وتعالى، كلما جاءتك ضائقة، وما من أحد إلا ويبتلى بالمضائق في نفسه، في عياله، من فقر، من مرض، من حاجة، من كربة، من شدة، من مشقة، من عنت، ما من أحد يسلم من ذلك. ولهذا ما هو الحل؟ الحل يا عبد الله أنك تلجأ إلى الله سبحانه وتعالى، تدعو ربك في جنح الظلام، تدعو ربك في النهار، تدعو ربك أدبار الصلوات، تدعو ربك وأنت في السجود، تدعو ربك وأنت في القيام، تدعو ربك وأنت في الصلاة، تقول: «يا الله»، «يا الله». وإن الله جل وعلا كما جاء في الآثار يحب الملحين في الدعاء، يحب الملحين في الدعاء. لماذا هذا الحب لهذا الصنف من الملحين؟ لأنك بإلحاحك تعلم أن لك ربًا، تعلم أن لك ربًا يسمع الدعاء ويستجيب. فتلهج: «يا الله»، «يا الله». و دعاء اللهم اللهم. ولهذا جاء في الصحيح، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل». وكيف العجلة؟ قال عليه صلى الله عليه وسلم: «أنك تدعو ثم تنقطع»، تقول: «لم يعط لي»، لا، يا عبد الله، هذا استعجال. كونك تنقطع، لا، إلهج بالدعاء، إلهج بالدعاء. وما أحد دخل في باب الدعاء وخرج خائبًا. فإن لم يوفق هذا الداعي لما يريد في الدنيا، فإن الله كما جاءت الآثار والأحاديث يعوضه بأجر الآخرة. ولو لم يكن من دعائك إلا إظهار توحيد الله سبحانه وتعالى، وأنك موحد لله عز وجل، فلم تلتجئ لا يمنة ولا يسرة سوى التجائك لله سبحانه وتعالى، هذا كافي في رفع قدرك يا عبد الله. فكيف لو أن الله أعطاك وأعطاك؟ فأمر إخواني في الله أن نعلم، وأنك معًا في هذه الفضيلة، وخاصة ونحن في رمضان، وهذا الشهر المبارك الذي تكفل فيه رب العالمين بإجابة دعوة الداعين. والناس إخواني في الله إزاء الدعاء على أصناف ثلاث، أو أصناف كثر. فمن الناس من هذا حقه، من هذا وصفه الذي سمعتموه، أنه يلهج بذكر الله، لسانه لا ينقطع بدعاء الله سبحانه وتعالى، أنسه بالله، ونعلم أنسه، متى ما تحرك دعا، متى ما سجد دعا، فيدعو ربه سبحانه وتعالى. هذا الصنف هو صنف مبارك، الذي يحبه الله جل وعلا. وصنف آخر من الناس، والأَسَف أنه لا يعرف معنى الدعاء، مع الدعاء لا يعرفه، تجد أنه في أحواله في الدنيا اتكل على نفسه، اتكل على عقله، يدبر أمره بيده، كما يقال، فيرى أنه مستغن عن رب العالمين. وإن لم يتلفظ هذا باللسان، لكن لسان الحال لا يدعو الله عز وجل. إن جاءه مرض، ماذا؟ شمر عن جيبه، وشمر عن أموره وسعيه. وإن جاءته مشقة وضيق، اتكل على واسطته وعلى زملائه في فك هذه الفرجة والكربة. وهكذا حاله، تأتي المزائق هنا وهنا، وربك يبتليه، علَّ وعسى أن هذا يرتدع، علَّ وعسى أن هذا ينحني لله، علَّ وعسى أن يقول: «يا الله»، لكنه لا يغفل، لا يعقل أبدًا، وإنما يتكل على نفسه. وهذا قد حذر ربنا جل وعلا من الاستكبار عن دعائه: «إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ». وإذا سألك عبادي عني فإني قريب. فإياك يا عبد الله عن الاستكبار عن طاعة الله، وعن عبادة الله، وعن دعاء الله جل وعلا. تعوّد يا عبد الله، تعوّد، متى ما سجدت، لا تكون حسبك في السجود: «سبحان ربي الأعلى»، ثم تقوم، لا، اجعل لك حظًا يا عبد الله من الدعاء. إن كنت أنت يا عبد الله في غنى عن الدعاء، فاعلم يا عبد الله أن هناك أناسًا لهم حق عليك، هم بحاجة لدعائك. عندك آباء، من كان آباؤهم يا الموتى، أمهاتهم، أو أجدادهم، أو أقرباؤهم يا الموتى، يحتاج إلى دعائك يا عبد الله. عندك زوجة، عندك أولاد، يحتاج إلى دعائك. إذا أنت مستغني، فادعُ لغيرك. أما أنك تكون محرومًا في نفسك، ومحرومًا في غيرك، فهذا هو البلاء العظيم. فعلينا إخواني في الله أن لا نستكبر عن دعاء الله، وأن لا نستهين في هذا الباب. فأي شيء أي شيء يعترض عليك الطريق، فالتجئ إلى الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يجعل من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، جل في علاه. وصنف آخر للناس، هو نعم التجأ، لكن لم يلتجئ إلى الله، بل التجأ إلى غير الله عز وجل، إما التجأ إلى طلاسم، إلى سحرة، إلى مشعوذين، إلى حبائل، حبال، علق حبلًا في عضده، أو علق حبلًا في وسطه، وظن أن هذا الحبل ينفعه ويضر. إذا جاءته بلية، جاءته مشقة، ذهب إلى المشعوذين، وانطرح على أبواب وعتبات الكهانين. وأخبث من هؤلاء من يذهب إلى الموتى، ويدعوهم من دون الله جل في علاه، يبتليه الله بالمرض، علَّ وعسى أن يرجع إلى رب العالمين، فيذهب إلى الضريح، يبتليه ربنا جل وعلا بالآفات، يبتليه ربنا جل وعلا بعموم البلايا والأضرار والآفات والآهات، بدلًا من أن ينوب ويتوب ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى. يذهب إلى القبة الفلانية، يبتليه ربنا جل وعلا بالأزمات، علَّ وعسى أن يخرج هذه الكلمة: «يا الله»، لكنه يتوعد، يتوعد، ويخطط من الآن: «إن ذهب رمضان سيذهب إلى الزيارة الفلانية»، حتى ينطرح بين عتبات الموتى وبين عتبات المقبورين، فيدعو الدسوقي، ويدعو الجيلاني، ويدعو العزدي، ويدعو السقاف، ويدعو هؤلاء الموتى من دون الله جل وعلا. وهذا هو الكفر، وهذا الذي يغضب منه ربنا جل وعلا. وما كان غضب الله جل في علاه على الكفار والمشركين إلا لأنهم جعلوا شريكًا معه جل في علاه، يرزقهم، ربنا خلقهم ورزقهم وأعطاهم، ومع ذلك كان الدعاء لهم، للآلهة، ولعزة، فكانوا من أخبث الناس، ومن أخبث الناس عند الله جل وعلا. فلا تكون يا عبد الله شبيهًا بهؤلاء، لا تجعل نعمة الله تقابل بالإساءة، أنك تولي، وأنك تدبر عن هذا الدعاء. فعلينا يا إخواني في الله، وأمر الدعاء بابه طويل، وبابه عظيم، ما يتعلق بفضائله، ما يتعلق بآدابه. لكن حسبنا يا إخواني في الله أن نستغل وأن نغتنم هذه الفرصة. فمن كان لم يتعرف على باب الدعاء، فعليك يا عبد الله لزومًا في هذا الشهر العظيم، وفي هذا الموسم الكريم، وخاص أن الله جل وعلا قد تكفل بإجابة دعاء الداعين والمضطرين. فما علينا إلا أن نلهج، نلهج بدعاء الله جل وعلا، من خيري الدنيا ومن خيري الآخرة، يكون ذلك في سجودنا، في قيامنا، وطبعًا يكون ذلك بقلب خاشع، بقلب خاضع، بقلب حاضر، ليس ساهيًا ولا كسلان. ويكفي يا عبد الله أن تؤجل عبادات، عادة بعض الناس، صحيح لا زال إلى الآن يدعو، لكن تجعل، وترى أن دعاءه أصبح فاترًا، أصبح فاترًا. إذا دعا: «سبحانه ربي»، «رب اغفر لي ورحمني»، «رب اغفر لي ورحمني»، أصبح يردد على اللسان دون تدبر، ما الذي يقلب؟ ماذا طلب؟ والله ما أذكر، لا، فيه دعاء أنا أحفظه، طب ما هو الدعاء؟ لا، يا عبد الله، تتفاعل مع الدعاء، تدعو. لهذا جاءت الآثار أن الله يستجيب من قلب خاشع، من قلب حاضر، أن الذي تتلفظ بلسانه قد مر به على القلب. تأمل من يتدعو به: «رب اغفر لي أرحمني»، تدعو لآبائك، كانوا أحياء بأن الله يمتعك بهم، وأن يحطي في أعمارهم، وأن يحسن أعمالهم. وإن كانوا موتى، أن الله يتجاوز عنهم، وأن يوسع لهم في لحودهم، وأن ينور لهم في قبورهم. وهكذا يا عبد الله تتدبر. ولا بأس أن تغير الدعاء بعد فترة، وهذا الذي يناسب ذكره، ويناسب التنبيه عليه، حتى تخرج من إطار العادة، ولا يكون لسانك يتعود على كلمات دون العقل عليك. يا عبد الله أنك تغير من الدعاء، تغير من الأذكار، حتى يكون القلب مشغولًا بالتفكر في هذه الألفاظ والأوراد. وحسبنا في هذا المقام ذكر هذه الفائدة، وإلا هناك ثمار أخرى، لكن داهمنا الوقت. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.