حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم -

الخطبة بعنوان حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٣ ذو الحجة ١٤٣٤هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في حقوق النبي صلى الله عليه وسلم

يُبين الخطيب أهمية حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ويحذر من الغلو في ذلك. يُوضح أن هذه الحقوق من أصول الإيمان وتشمل محبته وتعظيمه وتوقيره.

تفصيل حقوق النبي ووجوب طاعته

يُوضح المقطع الفرق بين المحبة الشرعية للرسول والغلو الذي نهى عنه، ويُبين أهمية التحاكم إلى سنته وطاعته. طاعة الرسول واجبة ومصيرها الفوز العظيم، ومتابعته ضرورية لتحقيق الهداية والنجاح.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر أهمية الدعاء والصلاة على النبي في ختام الحديث عن حقوقه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، لقد كانت في بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم هي النعمة العظمى والمنة القصوى، فما هنالك نعمة تساوي ولا تداني بعثة الهادي صلى الله عليه وسلم. قال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. لقد كانت في بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم حياةٌ للمجتمعات، حياةٌ لأبدانهم وقلوبهم وأرواحهم، ففتح الله جل وعلا به آذانًا صمَّى، وأعينًا عميًا، وقلوبًا غُلفًا. أرسله الله جل وعلا إلى البشرية جمعاء، فأخرج الله جل وعلا به الناس من الشرك والضلال والانحراف والانحلال. يَا الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ وَالْإِيمَانِ أَتُطْلَبُونَ مِنَ الْمُخْتَارِ مُعْجِزَةً يَكْفِيهِ شَعْبٌ مِنَ الْأَمْوَاتِ أَحْيَاءُ أَتَطْلُبُونَ مِنَ الْمُخْتَارِ مُعْجِزَةً يَكْفِيهِ شَعْبٌ مِنَ الْأَمْوَاتِ أَحْيَاءُ. اعلموا عباد الله، وإنني في هذا المقام لا أتطرق إلى موضوعٍ لطالما غفل عنه الناس، إذ أن لنبينا عليه الصلاة والسلام حقوقًا عظيمة مناط في أعناقنا، ما من أحد إلا وقد أنيط في عنقه تأدية الحق وتأدية الحقوق لنبينا عليه الصلاة والسلام، ولا تبرأ الذمة إلا بآدائها واستيفائها. وللأسف أن نجد أن كثيرًا من الناس من ظنَّ أن نبينا عليه الصلاة والسلام ليس له إلا حقٌ واحد، ألا وهو الإيمان برسالته وبعثته عليه الصلاة والسلام. فنجد أن الناس قد وطنوا أنفسهم على الاعتراف بهذا الحق الوحيد الفريد، الإيمان بنبوته وببعثته وبرسالته، وهم بهذا الجهل قد تركوا حقوقًا كثيرة، حقوقًا عظيمة لا تقلُّ أهمية عن ذلكم الحق. عباد الله، أمر الله جل وعلا بها، وحثَّ على تأديتها إيفاءً لحق نبينا عليه الصلاة والسلام، بل ربما كان في ترك هذه الحقوق والتجاهل بها لربما كان في ذلك إخراجُ العبد من دينه وملته. فكان لزامًا عباد الله على كل مسلمٍ ومسلمة أن يتعرَّفوا على أعظم الحقوق التي ينبغي أن تُؤدَّى إلى نبينا عليه الصلاة والسلام. فمن هذه الحقوق العظيمة يا عبد الله محبته وإجلاله وتعظيمه صلواتُ ربي وسلامُه عليه، وأنتُم لأجل القلوب بتقديره وتوقيره. وقد أشار ربنا جل في علا على أهمية هذا المقام، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾. قال أهل التفسير في معنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾، قالوا: أي توقروه بالإجلال والإعظام والإحترام. وأكد نبينا عليه الصلاة والسلام على عظم هذا الحق الذي يكون له، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين». هكذا تكون محبة عليه الصلاة والسلام، أن تُملأ هذه القلوب بإجلاله واحترامه ومحبته، لا والد ولا ولد ولا أحد من البشر يُداني في محبته محبة النبي عليه الصلاة والسلام. بل إن جميع المحاب تُذاب أمام محبة المُصطفى عليه الصلاة والسلام. ومتى ما حقَّق العبد هذا المقام وأدَّى هذا الحق، حينها سيستشعر بحقيقة الإيمان ويتلذَّذ بطعم الإيمان الذي لطالما افتقدناه. قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثٌ من كنَّ فيه وجدَ بهنَّ حلاوةَ الإيمان»، وذكرَ فيمن ذكر عليه الصلاة والسلام: «أن يكون الله ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما». ولهذا عباد الله، لعظم هذا المقام وهذا الحق، سارع الصحابة رضي الله تعالى عنهم في إظهار ودِّهم وحبِّهم لنبينا عليه الصلاة والسلام. فكم تفانوا في ذلك حتى أن الواحد منهم ما كان يستطيع أن يُحِدَّ النظر أو يُدقِّق النظر في وجه نبينا عليه الصلاة والسلام إجلالًا له وإعظامًا. وكان نبينا صلواتُ ربِّي وسلامُ عليه متى ما قام للوضوء، سابق الصحابة وتسارعوا إلى الماء المتساقط منه عليه الصلاة والسلام، فتوضَّأوا منه. بل كان عليه الصلاة والسلام ما تسقط شعرة من شعرات رأسه إلا تلقَّفتها أيدي الصحابة فخبَّأوها لأنفسهم. عباد الله، إن ضرب الأمثلة في هذا المقام ليطول ويطول، لكن حسبنا أن نعلم أن من أعظم الحقوق التي ينبغي على المسلمين أن يُؤدُّوها لنبينا عليه الصلاة والسلام أن يُظهروا حُبَّهم وتعظيمهم وإجلالهم وتوقيرهم وتقديرهم لنبينا عليه الصلاة والسلام. لكن ينبغي أن يُعلم أن هذه المحبة والإعظام ينبغي أن يُضبط بميزان الشرع. فالذي يُعطى لنبينا عليه الصلاة والسلام المحبة الشرعية التي تليقُ بجناب الرسالة وبجناب النبوة. إن ناسًا من الناس عباد الله لو ربما تبرَّروا بمحبة النبي عليه الصلاة والسلام، فسوَّغوا لأنفسهم من إحداث غلو وإفراط في ذاته عليه الصلاة والسلام. وفرقٌ يا عبد الله وشتانٌ شتان بين المحبة وبين الغلو. فالمحبة مطلبٌ شرعي يُحِبُّه الله ورسوله، وأما الغلو فهو أذى أذى يُبغِضُه الله ورسوله. ولهذا نهى نبينا عليه الصلاة والسلام عن الغلو، فقال: «إياكم والغلو». وقال صلواتُ ربي وسلامُ عليه: «لا تطروني أي الزيادة في المدح الزيادة في الثناء، لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، وإنما أنا عبد، وإنما أنا عبدٌ، فقولوا عبد الله ورسوله، فقولوا عبد الله ورسوله». فأين هذه الأحاديث من ناسٍ تعذَّروا بعذر المحبة، فرفعوا نبينا عليه الصلاة والسلام عن منزلته التي يستحقها؟ فمنهم من أعطاه من صفات الرب من صفات الربوبية، فزعم أن نبينا هو النافع وهو الضار وهو الخالق الرازق. ومن الناس من أعطى لنبينا عليه الصلاة والسلام من خصائص الألوهية، فاجعلوا إلهًا مع الله يصرف له الطاعات يصرف له العبادات من دعاء ونداء واستغاثات، وكل ذلك باطل. وأيضًا عباد الله، من الحقوق التي ينبغي أن تؤدَّى إلى نبينا عليه الصلاة والسلام حقُّ التحاكم إليه، حقُّ التحاكم إلى نبينا عليه الصلاة والسلام. وكان ذلك في زمن حياته، أما بعد مماته فإن التحاكم إلى سنته صلواتُ ربي وسلامُ عليه. لا مناص ولا انفكاك من واحدٍ منا أن يرجع ويرضَخ إلى التحاكم لسنته عليه الصلاة والسلام. قال جل في علاه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. تأمَّل يا عبد الله في هذه الآية كيف أن الله جل في علاه علَّق إيمان العباد وذلك بتحكيمهم لله ولرسوله، بتحكيمهم للكتاب والسنة. فلا إيمان إلا بالتحاكم إليهما. وتأمَّل يا عبد الله في هذه الآية أيضًا في قوله جل في علاه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾، شيء في بابها، أي أي شيء يقع فيه التنازع، فلا رجوع ولا رد إلى هذا الأمر المتنازع إلا إلى سنته عليه الصلاة والسلام. سَواءٌ أَكَانَ التنازع في مسائل دولية أو إقليمية أو مسائل سياسية أو اقتصادية أو في مسائل أمنية أو اجتماعية، وحتى في المسائل الدعوية والمنهجية، بل وحتى على مستوى الأسرة بين الزوج والزوجة، بين الجيران والأقارب والأرحام، وبين الراعي والرعية. ما من شيء يقع فيه التنازع إلا الرجوع فيه إلى كتاب الله وإلى سنة المُصطفى عليه الصلاة والسلام. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «وفي هذه الآية أمرٌ من الناس بأن تنازعوا في شيءٍ في أصول الدين وفي فروعه، فيجب ردُّ الأمر المتنازع إليه إلى الكتاب والسنة، فيجب ردُّ الأمر المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة». وهذا حال أهل الإيمان، بخلاف أهل النفاق وبخلاف أهل الشقاق. يقول ربنا جل وعلا حاكيًا عنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾. المنافق من كان في قلبه مرض، من كان في قلبه دخلٌ وزغل، متى ما أُمر بالرجوع والتحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فما عنده إلا الرد والإعراض والصدِّ والنفور. بخلاف أهل الإيمان، فإن صدورهم لتنشرح أي من شراح متى ما كانت تحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام. قال جل في علاه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. هؤلاء هم أهل الإيمان، في كل ما شجر بينهم، الرُّبوخ والرجوع والتحكيم إلى سنته عليه الصلاة والسلام. عباد الله، لو أن الناس حققوا هذا المقام، فتحاكموا إلى شرع الله وتحاكموا إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام، لثاد في مجتمعاتنا الأمن والأمان والرخاء والاستقرار، ولظهر في أوقاتنا الخيرات والبركات. ولكن إلى الله المشتكى. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أدعو لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، لازلنا وإياكم نستعرض مع أهم الحقوق التي ينبغي أن يؤدّيها الناس لنبينا عليه الصلاة والسلام، امتثالًا لحق النبي عليه الصلاة والسلام. وكان مما مر معنا أن من أعظم الحقوق محبته وإجلاله وإعظامه صلواتُ ربي وسلامُه عليه. وأيضًا من الحقوق التي ينبغي أن تؤدَّ إليه، ردُّ التنازُع إلى سنته، وذلك بالتحاكم إليها. وأيضًا عباد الله، من أعظم الحقوق ينبغي أن يتمثَّل لها الناس جميعًا، هي طاعته عليه الصلاة والسلام. عباد الله، إنما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام من شرائع ومن دين ومن طاعاتٍ وأوامرٍ وواجبات، حقُّها أن تؤدَّى، وأن نُسارِع جميعًا في تأديتها. قال ربنا جلَّ في علاه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. أمرنا ربنا جلَّ وعلا بطاعة نبينا عليه الصلاة والسلام. يقول إمام أحمد كما في رواية الفضل بن زياد رحمه الله: «نظرتُ في المصحف، فوجدت طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام في ثلاثٍ وثلاثين موطنا». بل يا عبد الله، بلغ من عظمة هذا المقام، أي طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، أن الله جل وعلا قرنها بطاعته، كما في آياتٍ كثيرة. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. هذه الحقيقة التي ينبغي على الجميع أن يتقبلها، أن طاعة الرسول هي من طاعة الله، وأن معصية الرسول هي من معصية الله. وبهذا ينبغي أن يصحح ما في أذهان الناس، حينما ظنوا أن كل ما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام يعتبر سنة بمعنى أن من فعله يؤجر ومن تركه فلا لوم عليه ولا عتب. لا يا عبد الله، بل إن من طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام ما هو واجب، ما ينبغي أن يتسامح فيه. ومن أعرض عن طاعة النبي عليه الصلاة والسلام فهو على شفى هلكة. وانظروا عباد الله كيف أن الله جل وعلا عظم من مقام طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فجعل لأهلها وجعل أصحابها من وطن نفسه على طاعة الرسول، أعد له ربنا جل وعلا المناقب الكثيرة والفضائل العديدة. من أراد الجنة فعليه بطاعة الرسول. قال جل في علاه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. من أراد الفلاح من أراد النجاح من أراد الفوز في الدارين فعليه بطاعة الرسول. قال جل في علاه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. من أراد الهداية أن يهده ربنا جل وعلا إلى سواء الطريق إلى سواء الصراط فعليك بطاعة النبي. قال عز وجل: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. من أراد أن تتنزل عليه الخيرات والبركات والرحمات فعليك يا عبد الله بطاعة النبي عليه الصلاة والسلام. قل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. من أراد المراتب العالية والمنازل العلية في الدنيا والآخرة فعليه بطاعة الرسول. قال جل في علاه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. منازل عظيمة، منازل عالية، جعلها ربنا جل وعلا في حق من حقق هذا المقام، الطاعة لنبينا عليه الصلاة والسلام. وإن مما يلحق بهذا المقام عباد الله مقام المتابعة، وذلك أن تتابع نبيك عليه الصلاة والسلام في الطاعات والعبادات. فإن لا سبيل في تأدية العبادة التي يحبها الله جل وعلا ويرضاها ويقبلها من أهلها إلا أن تكون من بابه صلوات ربي وسلام عليه. قال جل في علا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. هو أسوتنا هو قدوتنا، فلا نتأسى إلا به في باب الطاعات والعبادات. فلا مرجعية إلا إلى نبينا، لا معلم لنا إلا نبينا عليه الصلاة والسلام. يا من أردت أن تتوضأ توضأ وضوءه عليه الصلاة والسلام. قال نبينا صلوات ربي وسلام عليه: «من توضأ نحو وضوء هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه». تتوضأ كما توضأ نبيك عليه الصلاة والسلام. ومن أراد أن يصلي فعليه أن يصلي كصلاته، لا زيادة لا نقصان لا شطط. قال عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي». نصلي كما صلى، ركوعًا وسجودًا وقيامًا، وهكذا يا عبد الله. يا من أراد الحج يا من أراد العمرة، عليك أن تأخذ مناسك الحج والعمرة منه عليه الصلاة والسلام، تتأسى بأفعاله تتأسى بحركاته وسكناته. ففي صحيح مسلم حديث جابر، قال عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم». وهكذا الحدود، وإنزال العقوبات على المجرمين، ما يكون ذلك من عند أنفسنا ومن ذوات عواطفنا، وإنما ذاك من خلال السنة. قال عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني، خذوا عني، خذوا عني». قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة. قوله عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني»، الحدود وإنزال العقوبات على المجرمين إنما تُأخذ من بابه عليه الصلاة والسلام. وهكذا الأذكار، وهكذا الأدعية، وهكذا الأوراد، لا تتلفظ يا عبد الله بذكر إلا أن تتفحصه وتتمحصه، أخرج ذاك من فم نبيك عليه الصلاة والسلام، فحيَّ هلأ، وإلا فتركه يكفيك ربنا جل وعلا شر الابتداء. فقد جاء من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، أن نبينا عليه الصلاة والسلام قال له: «يا براء، إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، واضجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم إني وجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبةً ورغبةً إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت». فقام البراء رضي الله تعالى عنه يكرر هذا الدعاء، فكرر بكماله وتمامه، إلا أنه في الأحرف الأخيرة غير، فبدل أن يقول: «آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت»، قال: «وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، غير كلمة واحدة. قال: «وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ». قاله نبينا عليه الصلاة والسلام: «لا يا براء، لا يا براء، وبنبيك الذي أرسلت». هكذا التربية يا عبد الله، علينا أن نؤدي يا عباد الله هذا الحق لنبينا عليه الصلاة والسلام. لا أحد يزاحم المصطفى في تشريعه، وفي عبودية لربه جل وعلا. فالعبادات والطاعات تُأخذ من بابه عليه الصلاة والسلام. عباد الله، إنما ذُكر عبارة عن بعض من حقوقه العظيمة عليه الصلاة والسلام. فكان من ذلك المحبة والإجلال والإعظام لمقامه عليه الصلاة والسلام. والأمر الثاني: ضرورة التحاكم إلى منهجه وإلى سنته وسبيله. والأمر الثاني عباد الله: المسارع إلى طاعته والامتثال لأوامره والترك لنواهيه، ويدخل في هذا الباب المتابعة في باب الطاعات والعبادات. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله.