الدرس في شرح الشمائل المحمدية 50، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يتناول المقطع باب تعطر النبي صلى الله عليه وسلم من الشمائل المحمدية، مستعرضاً حديث أنس بن مالك عن سكة الطيب وتعليق ابن القيم على أثر الطيب في تقوية النفس. كما يناقش روايات الترمذي والبخاري لحديث عدم رد النبي للطيب وأقوال العلماء في سبب ذلك، أبرزها قول ابن بطال بأنه لملازمة مناجاة الملائكة ورد الحافظ ابن حجر بأن ذلك من خصائصه.
يشرح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب اقتداءً به الصحابة، مبيناً أن النهي عن رده ليس للتحريم بل للتنزيه، والحكمة في ذلك أن الطيب خفيف المحمل طيب الرائحة لا منة فيه. كما يبين أن قبول الطيب مقيد بما يجوز أخذه شرعاً دون المغصوب أو المسروق.
يشرح المقطع حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «ثلاث لا ترد: الوسائد، والدهن، واللبن»، موضحاً أن المراد بالدهن الطيب وأن هذه الأشياء تُهدى للضيف في المنزل. ويناقش تخريج الحديث وتصحيح الألباني له، وترجمة البخاري «باب ما لا يرد من الهدية» مع عدم إخراجه في الصحيح، ويستعرض أقوال الحافظ ابن حجر والقرطبي في علل قبول الطيب وسهولته.
يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم سيبين آداب الطيب للمرأة والرجل في المنزل وخارجه، وأن الإمام الترمذي سيذكر ذلك في حديث قادم. ثم يختم بالتسبيح والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخذنا فيما مضى في درس الشمائل المحمدية للإمام الترمذي رحمه الله تعالى حديثًا في باب ما جاء في تعطر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان أكثر أحيانه يكثر التطيب. وذكرنا في هذا الباب حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سكة يتطيب منها. والسكة كما قال شراح الحديث: إما أن تكون وعاءً للطيب، وإما أن تكون نوعًا من الطيب مجموعًا من أخلاط. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في وصف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الطيب: «وكان صلى الله عليه وسلم يكثر التطيب، وتشتد عليه الرائحة الكريهة وتشق عليه، والطيب غذاء - أو غذاء الروح التي هي مطية القوى - تتضاعف وتزيد بالطيب». إذن من أغذية الروح: عندما يشم الإنسان الرائحة الطيبة تقوى نفسه، كما أنه بالعكس عندما يشم الرائحة الكريهة تتضاءل نفسه، وربما يشعر بغثيان، وبعض الغازات ربما تسبب الدوار وتسبب كذلك الإغماء، بعكس الروائح الطيبة. قال: «كما تزيد بالغذاء والشراب» - يعني النفس أيضًا تزيد بالغذاء والشراب وتقوى - «كذلك الروح تقوى بالطيب، قال: كما تزيد بالغذاء والشراب والذِّكر والسرور ومعاشرة الأحبة وحدوث الأمور المحبوبة، كل هذا فيه تقوى للنفس». وهذا ذكره في زاد المعاد. قال: «والمقصود أن الطيب كان من أحب الأشياء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله تأثير في حفظ الصحة ودفع كثير من الآلام وأسبابها، بسبب قوة الطبيعة به، من قوة طبيعة هذه الأطياب، سواء كان مسكًا أو ريحانًا أو غيرها، تؤثر في ماذا؟ في النفس، وتعطيها دافعًا قويًا، وتحفظ بذلك صحتها. وهكذا أيضًا ربما تذهب الآلام بالطيب». قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن بشار، وقد تقدم كثيرًا معنا وهو بندار ثقة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، وهو ثقة ثبت حافظ أبو سعيد، وهو إمام عارف بالرجال، قال: حدثنا عزرة بن ثابت، وهو ثقة، عن ثمام بن عبد الله، وثمام صدوق. قال: كان أنس بن مالك لا يرد الطيب، وقال أنس: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب. وهذا الحديث رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، الحديث صحيح. وقد بوب عليه الإمام البخاري رحمه الله تعالى بابًا فقال: «باب من لم يرد الطيب، باب من لم يرد الطيب». يقول الحافظ رحمه الله تعالى: «كأنه أشار إلى أن النهي عن رده ليس على التحريم، لأنه قال: باب من لم يرد الطيب، ما جزم بأن هذا الذي يرد يكون حرامًا عليه أن يرد، قال: باب من لم يرد الطيب، فليس على التحريم». قال: «وقد ورد ذلك في بعض طرق حديث الباب وغيره». انتهى كلام الحافظ من الفتح. لماذا لا يرد النبي عليه الصلاة والسلام الطيب؟ اختلف العلماء في ذلك، وذكروا عدة أقوال: لماذا عليه الصلاة والسلام إذا قرب إليه الطيب أو أعطي أو أهدي له الطيب لا يرده، يأخذه مباشرة؟ فذكر الحافظ رحمه الله تعالى في الفتح أقوالًا للعلماء، منها قول ابن بطال رحمه الله: يقول ابن بطال: «إنما كان لا يرد الطيب من أجل أنه ملازم لمناجاة الملائكة». وهذا وجه، قد يكون هذا وجه، ولذلك كان لا يأكل الثوم ونحوه، لأن الثوم رائحته كريهة، والنبي عليه الصلاة والسلام يأتيه الوحي، يأتيه جبريل، فلو أكل الثوم لما أتته الملائكة لأنها تتأذى من رائحة الثوم والبصل ونحوهما، ولأن الطيب أفضل، فكان عليه الصلاة والسلام لا يرد الطيب لأنه يناجي الملائكة. فيبقى على هذا أن هذا من خصوصياته، لو كان هذا هو السبب في عدم رده للطيب. ولهذا رد الحافظ رحمه الله تعالى على كلام ابن بطال هذا، فقال: «لو كان هذا هو السبب في ذلك لكان من خصائصه». لو كان السبب هو أنه لا يرد لأن الملائكة تأتيه وتناجيه، لكان هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف أنس هو الذي ذكر ذلك، وكان لا يرد أنس أيضًا الطيب؟ يعني الصحابة أيضًا لا يردون الطيب إذا أهدي لهم. قال: «وليس كذلك، فإن أنسا اقتدى به في ذلك». ولما كان اقتداء أنس بالنبي عليه الصلاة والسلام في عدم رده للطيب، دل على أن ليس هذا هو السبب، وهو ماذا؟ وهو أنه كان يناجي أو لمناجاته الملائكة. قال: «وقد ورد النهي» يقول الحافظ: «وقد ورد النهي عن رده مقرونًا ببيان الحكمة في ذلك». الآن قد يقول قائل: ما هي الحكمة في عدم رد النبي عليه الصلاة والسلام الطيب؟ يقول: «قد ورد في حديث يدل - هذا الحديث في حكمة - الحكمة موجودة في هذا الحديث، وإن لم تذكر في صحيح البخاري، فإنه أخرجها الإمام مسلم». قال: «مقرونًا ببيان الحكمة في ذلك، في حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وأبو عوانة عن أبي هريرة مرفوعًا: من عرض عليه طيب فلا يرده، فإنه - هنا التعليل - خفيف المحمل، طيب الرائحة». قال أي الحافظ: «وأخرجه مسلم من هذا الوجه، لكن قال: ريحان». يعني جاءت رواية في مسلم: «من عرض عليه ريحان». وهذا أخص من «عرض عليه ريحان»، لأن الريحان كل نبت ريحته طيبة. لكن هذه اللفظة يقول الحافظ فيها ماذا؟ أنها شاذة. يقول: «وأخرج مسلم من هذا الوجه لكن قال ريحان بدل طيب، ورواية الجماعة أثبت». أي أن الجماعة الذين رووه رووه باللفظ ماذا؟ عن عبد الله بن المنذر أو عن عزر بن ثابت رووه بلفظ الطيب، وجاء راوٍ وقال: ريحان بدل طيب. لكن وردت هذه أيضًا الرواية في ماذا؟ في مسلم، وهي: «من عرض عليه طيب فلا يرده». وقال أيضًا: قال ابن العربي في التعليل: «إنما كان لا يرد الطيب لمحبته إياه، ولحاجته إليه أكثر من غيره، لأنه يناجي من لا نناجي». قد قال هذا سببًا: أنه يحبه، وحاجته إليه أكثر، لماذا؟ لاتصاله صلى الله عليه وسلم بالملائكة ويناجي الملائكة. قال: «وأما نهيه عن رد الطيب فهو محمول على ما يجوز أخذه، لا على ما لا يجوز أخذه، لأنه مردود بأصل الشرع». يعني النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من عرض عليه الطيب فلا يرده». نهي أن ترد الطيب، هذا النهي هل هو للتحريم؟ لا، ليس للتحريم، فليس النهي هنا للتحريم، وإنما هو للتنزيه. أيضًا أنت تأخذ ما يجوز أخذه، يعني ما كان متاحًا ومباحًا، وأما ما لا يجوز أخذه: المسروق والمغصوب والمنهوب ونحو ذلك، فأنك لا تأخذه إذا علمت ذلك، لا تأخذ هذا الطيب. خاصة لطيب ماذا؟ التي تكون غالية. وقد علّل أهل العلم في ذلك تعليلات بهذا الحديث: أن الطيب خفيف المحمل، طيب الرائحة، بمعنى أنه لا منة لأحد فيه، يعني ما أحد سيمن عليك عندما يعطيك طيبًا، يقول لك: تعال أعطرك، تعال أطيبك. هل في هذا منة؟ هل سيمتن عليك؟ ويذهب ويتحدث عند الناس ويقول: أنا أعطيت فلان طيب، أو أنا طيبت فلان، أو أنا أعطرت فلان؟ هذا ليس فيه منة، لأن العرب كانت تفعل هذا فيما بينها، فبيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الطيب لا ينبغي رده لأنه خفيف المحمل، طيب الرائحة، والناس تحب الرائحة الطيبة، فلذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن رده. وقد أخرج البزار أيضًا في أن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث أنس: «أنه ما عرض عليه طيب فرده قط، فرده قط». ما يرد الطيب أبدًا، أي نوع من أنواع الطيب، سواء كان ريحانًا أو غيره، سواء كان مسكًا أو غيره، والمسك يعتبر أطيب الطيب. فأنت إذا عرض عليك طيب فأنت ماذا؟ تقبله وتشكر صاحبه، تثني عليه بما أعطاك هذا الشيء الذي لا يرد. وقد حسنا إسناد هذا الحديث، حديث أنس الذي رواه البزار، الحافظ في الفتح. إذن انتهينا من هذا الحديث. قال الترمذي: وحدثنا قطيبة بن سعيد، قال: حدثنا ابن أبي فديك. وقطيبة معروف من أئمة الحديث، وقيل اسمه يحيى. قال: حدثنا ابن أبي فديك، اسمه محمد بن إسماعيل، وهو صدوق، قال: عن عبد الله بن مسلم بن جندب، وهو لا بأس به، عن أبيه، وهو مسلم بن جندب ثقة فصيح قارئ، يعني من حفظة كتاب الله من القراء، قال: عن ابن عمر، وهو عبد الله بن عمر أبو عبد الرحمن. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث لا ترد: الوسائد، والدهن، واللبن». والحديث حسنه الألباني رحمه الله تعالى في الشمائل، الحديث حسن. في هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاث لا ترد». وهذه الثلاث إذا نظرت فيها هي في الأصل تقدم للضيف، لأن الوسائد لا أحد يعطيك وسادة خارج المنزل، هل ستجد واحدًا في الشارع معه وسادة يحملها يقول لك: تفضل هذه؟ تبقى في المنزل، عندما يأتي الضيف تقدم له الوسائد، تقدم له اللبن كمشروب، وأيضًا إذا كان معه طيب ربما بعد الأكل بعضهم يأتيك بالطيب يطيبك، والطيب يحمل أصلًا في ماذا؟ في الجيوب، لأنه خفيف المحمل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. لكن هذه قال العلماء أنها تقدم عندما يأتي الضيف إلى بيت أحد من أقاربه أو أصحابه أو نحو ذلك. وترجم الإمام البخاري رحمه الله تعالى في الهبة من صحيحه، أي في كتاب الهبة من صحيحه، فقال: «باب ما لا يرد من الهدية، باب ما لا يرد من الهدية». لكن هذا الحديث ليس على شرطه، ولهذا ما ذكر هذا الحديث الإمام البخاري رحمه الله تعالى في الصحيح، وإنما كما ترون عندكم في الحاشية: رواه الترمذي والبغوي والطبراني وغيرهم. البخاري بوب أحيانًا، أحيانًا البخاري يشير إلى أحاديث وهي ليست في صحيحه. «باب ما لا يرد من الهدية»: ما هي الأشياء التي لا ترد من الهدية؟ منها: الوسائد، واللبن، والطيب. ولهذا قال الحافظ رحمه الله تعالى في التعليق على هذا الباب: «باب ما لا يرد من الهدية، كأنه أشار إلى ما رواه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا، وهو هذا الحديث: ثلاث لا ترد: الوسائد، والدهن، واللبن». قال الترمذي: «يعني بالدهن الطيب». الدهن في الحديث هنا المراد به الطيب، ليس الدهن الذي هو الزيت، إنما دهن الطيب، لأن بعض الأطياب يكون فيها دهن، مثل دهن العود المعروف. قال: «وإسناده حسن، إلا أنه ليس على شرط البخاري، فأشار إليه كذا». يقول الحافظ: «واكتفى بحديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب». فالبخاري يشير إلى حديث ابن عمر، ولكن لأنه ليس على شرطه لم يخرجه، فبَوَّب عليه: باب ما لا يرد من الهدية، ومن ضمن الهدايا التي لا ترد هي الطيب. ولأن حديث أنس على شرطه أخرجه، وهو: كان صلى الله عليه وسلم لا يرد الطيب. وإلا ليس هذا فقط الذي لا يرد، وهناك أشياء لا ترد مثل المذكور في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وهو: الوسائد، وأيضًا اللبن. قال القرطبي في المفهم: «وهذه فائدة، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم بهذا القول إلى العلة التي ترغب في قبول الطيب من المعطي، وهي أنه لا مؤنة له، ولا منة تلحق في قبوله، لجريان عادتهم بذلك، ولسهولته عليهم، ولنزارة ما يتناول منه عند العرض». عند العرض: لأن الذي يطيبك يعني يطيبك بشيء يسير، نزارة ما يعرض عند العرض، ما أحد يصب عليك الطيب صبًّا كذا، وإنما يأتي بقليل ويضعه في يدك. فلأنه يسير، النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ترده، لأن هذا الشخص ما سيمن أيضًا عليك عندما يطيبك. قال: «ولأنه مما يستطيبه الإنسان من نفسه، ويستطيبه من غيره». انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى من المفهم على شرحي صحيحي مسلم. وبهذه الأحاديث الثلاثة، وأيضًا حديث آخر سنذكره إن شاء الله تعالى، أو حديثين في الباب سنذكرهم إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، وهي مسألة مهمة تميز الرجال من النساء في ماذا؟ في الطيب. لأن المرأة لها أن تتطيب، لكن متى تتطيب المرأة، ومتى لا يجوز لها أن تتطيب؟ وسيذكر النبي عليه الصلاة والسلام ما هو طيب المرأة التي ينبغي أن تكون عليه دائمًا، سواء كان في المنزل أو في خارج المنزل، وما هو الطيب الذي يكون على الرجل في منزله وخارج منزله. سيذكر ذلك الترمذي رحمه الله تعالى في الباب، هذا في حديث قادم إن شاء الله تعالى. نكتفي بهذا القدر. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.