الدرس في شرح الشمائل المحمدية 82، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستعرض المقطع ستة توجيهات للعلماء لجمع معاني حديث تعذيب الميت ببكاء أهله، مؤكداً وجوب نهي الأهل عن النياحة قبل الموت للنجاة من الإثم. ثم ينتقل إلى باب فراش النبي صلى الله عليه وسلم موضحاً أنه كان من أدم محشواً بالليف، دالاً على زهده في الدنيا وتحذيراً من الفرش الفاخرة التي تمنع قيام الليل.
يختم المتحدث باب الفراش مؤكداً أن الراحة الحقيقية تكمن في طمأنينة القلب بقرب الله لا في ترف الفرش، مستشهداً بفراش النبي البسيط. ثم يفتتح باب تواضع النبي صلى الله عليه وسلم معرفاً التواضع بترك التعالي، ومحذراً من الإطراء والمبالغة في المدح مستدلاً بحديث النهي عن الإطراء كما أطرت النصارى عيسى، وينتقد إطلاق لقب شيخ على غير أهله بغير ضوابط شرعية.
يحذر المقطع من إطلاق لقب «شيخ» بغير حق ومن المبالغة في مدح الأشخاص، مستشهداً بنهي النبي ﷺ عن الإطراء كما غلت النصارى في عيسى. ويبين أن تجاوز الحد في المدح يؤدي إلى الشرك ورفع المخلوق فوق منزلته.
يسرد المقطع حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي ينهى فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن الإطراء المبالغ فيه كما فعلت النصارى مع عيسى، ويؤكد أنه عبد الله ورسوله. ويختتم المجلس بالاستغفار والتسبيح.
بسم الله الرحمن الرحيم طيب، تكمل. قال الحافظ رحمه الله: ويحتمل أن يجمع بين هذه التوجيهات. الآن كم توجيهات معنا؟ ستة معنا ستة. في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه». قال: ويحتمل أن يجمع بين هذه التوجيهات، فينزل على اختلاف الأشخاص، بأن يقال: مثلا من كان طريقته النوح، فمشى أهله على طريقته أو بالغ بذلك، عذب بصنعه. ومن كان ظالما فندب بأفعاله الجائرة، عذب بما ندب به. ومن كان يعرف عن أهله النياحة فأهمل نهيهم عنها، فإن كان راضيا عنها انتحق بالأول، وهو من طريقته النوح. وإن كان غير راض، عذب بالتوبيخ: كيف أهمل النهي؟ ومن كان سلم من ذلك، أو من سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية، ثم خالفوه وفعلوا ذلك، كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره. يعني قد أنت تنهى أهلك، تقول لهم: لا تنوحوا علي، لا تنوحوا علي، وتوصي بهذا، وما يطبقون هذه الوصية. أنت عملك الذي عليه، فالميت يلحقه ماذا؟ التألم. يتألم لأنه نهى أهله لكنهم لم يسمعوا كلاما، لم يطيعوه في هذا، فيتألم بهذا الأمر. قال: ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم، والله تعالى أعلم بالصواب. انتهى من الفتح. إذن علمنا أن هذا الحديث الذي فيه تعذيب الميت ببكاء أهله عليه له عدة تأويلات وتخريجات وتوجيهات من العلماء رحمهم الله تعالى. فالواجب على المسلم أن ينهى أهله عن النياحة وأن يوصي بذلك أهله حتى يخرج من الحرج ومن الإثم الذي قد يلحقه بعد موته، أنه أهمل ولم ينهى أهله، خاصة إذا علم أنهم سينوحون عليه. انتهينا من باب ما جاء في بكاء النبي صلى الله عليه وسلم وكيف كان بكاؤه عليه الصلاة والسلام. قال الترمذي رحمه الله: باب ما جاء في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: حدثنا علي بن حجر وهو السعدي، قال: أخبرنا علي بن مسهر أبو مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «إنما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ينام عليه من أدم، حشوه ليف». هذا الحديث أيضا رواه الإمام البخاري ومسلم. إذن هذا كان فراش النبي عليه الصلاة والسلام من أدم، يعني من جلد، من الجلود، مصنوع من الجلد، جلد الغنم أو كذلك البقر أو الإبل، المهم أنه من جلد، من أدم. وكان محشو الليف، الليف معروف، هذا القشاش، ليف الشجر الذي يأتي من النخيل ومن غيره. فهذا الليف كان محشوا في ماذا؟ في الجلد. هذا كان فراشه. وفي هذا التقلل من الدنيا، أي ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من التقلل من الدنيا، ولو شاء أن يدعو ربه أن يصب عليه كنوز الأرض لفعل، لكنه ما يريد الدنيا عليه الصلاة والسلام. «إنما أنا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها». والآن الحمد لله الواحد منا عنده الفرش المريحة، الآن يبحثون عن الفرش التي هاتذ سمكها حتى يغوص فيها، يعني كأنه ما يريد أن يقوم للصلاة، يعني يجلس متنعم مرتاح في ذلك، ماذا؟ الفراش والحصير. كان يؤثر على جنب النبي عليه الصلاة والسلام، كان ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه، فيأتي عمر ويبكي: يا رسول الله، هذا كسرى وقيصر معهم ما معهم من الكنوز، وأنت رسول الله، لو شئت لدعوت الله عز وجل، يعني أن يكون لك مثل ما عندهم. فقال: «يا عمر، إنما هذه لهم الدنيا ولنا الآخرة». نحن لنا الآخرة، ما لنا الدنيا. فالمسلم هذا يعتبر بمثابة السجن له، فليتقلل من الدنيا. فراش لك، فراش لزوجك، فراش للضيف، وثالث أو رابع للشيطان، كما قال عليه الصلاة والسلام. فكيف كان فراشه؟ كان فراشه من جلد، وكان حشوه ليف، فينام عليه صلى الله عليه وسلم. قال: قال حدثنا، قال الترمذي: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى البصري، قال: حدثنا عبد الله بن ميمون، قال: أنبأنا جعفر بن محمد، عن أبيه. قال: والحديث هذا فيه عبد الله بن ميمون وهو مكروب. قال: سئلت عائشة: ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك؟ قالت: من أدم، يعني من جلد، حشوه ليف. وسئلت حفصة: ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك؟ لأنه له عدة أبيات عليه الصلاة والسلام، فكانوا يسألون نساء: كيف فراش النبي عليه الصلاة والسلام الذي ينام عليه؟ قالت: مسحا، نثنيه ثنيتين، أي نعطفه مرتين، فينام عليه. فلما كان ذات ليلة قلت: لو ثنيته أربع ثنيات لكان أرأب له، يعني يكون غليظا فخما، يعني يكون غليظا مرتفعا. قال: فثنيناه أربع ثنيات، عطفات. فلما أصبح قال: «ما فرشتموني الليلة؟» قالت: قلنا: هو فراشك إلا أننا ثنيناه أربع ثنيات، قلنا: هو أوطأ لك. قال: «ردوه لحالته الأولى، فإنه منعني وطأته من صلاتي الليلة». أي كلما كان الفراش مريحا وكان يعني سميكا، فإنه يمنع صاحبه من قيام الليل، وربما منعه كذلك من صلاة الفجر. فلهذا المسلم يتخذ له فراشا يقي جنبه وظهره حتى لا يتأذى من ذلك، فلا بأس باتخاذ الفراش الذي يكون فيه صحة للبدن، يكون فيه صحة للبدن. فما كان كذلك فلا بأس. فأما أن يتخذ هذه الفرش وتلك الوسائد الفخمة المريحة بالآلاف المؤلفة، مؤلفة، ولو صرفت في وجوه الخير فكان خيرا للمسلم. يعني أن المسلم إذا أنفق هذا المال، فبدل من أن يشتري مثلا فراشا بعملتنا مثلا بمئة ألف أو أكثر، فإنه يقتصد، يشتري فراشا بأقل من هذا، ممكن يشتريه بعشرين ألفا أو بنحوه، بما يقاربه أقل أو أكثر، ويصرف الباقي في وجوه الخير، أنفع له، أنفع له. وأيضا المسألة ليست هي أنك ترتاح في ماذا؟ في النوم. الراحة هي الراحة النفسية وطمأنينة القلب، لا الراحة على الفرش والوسائد. فنبينا عليه الصلاة والسلام كان ينام على فراش من أدم وحشوه ليف، ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام يعبد الله، وكان نشيطا، وكان قويا، وكان مطمئنا. فالمسلم عندما يكون بالقرب من الله عز وجل، يكون إن شرح صدره، سيستطيع أن ينام في أي لحظة وضع فيها جنبه وظهره ورأسه، ينام مباشرة لأنه مطمئن، لا شيء هناك يقلقه. بعكس هؤلاء الذين يبحثون عن الراحة، يبحثون عنها بأموالهم، فما يجدونها. فالراحة ما توجد إلا بطاعة الله سبحانه وتعالى والقرب منه، هذه طمأنينة النفوس، القلب ينشرح، والبعد عن المحرمات، والبعد عن أكل المال الحرام. فإذا كان كذلك اطمأنت نفسك ونمت، حتى لو كان على الأرض تنام، وتقوم متى ما أردت أن تقوم. فلهذا هذا الباب من باب الشمائل النبوية، أن الشخص لو استطاع أن يقتدي بنبيه عليه الصلاة والسلام في فراشه، لكان ذلك خيرا له، ولكان كذلك حسنا وأفضل مما هو الحال، والله المستعان. انتهى الباب. فيه حديثان: حديث إسناده ضعيف جدا وهو الثاني، والحديث الأول حديث صحيح. قال الترمذي رحمه الله: باب ما جاء في تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما معنى التواضع؟ التواضع: معنى لين الجانب، وخفض الجناح، وطيب المعاملة، والبعد عن التعالي على الناس والترفع عليهم. هذا هو التواضع. إنسان لا يترفع على الناس، لا يتعالي، لا يتعاظم، لا يختال، يجالس، يخفض جناحه، جالس صغير والكبير، يأخذ بيد الضعيف، هذا إنسان متواضع. والتواضع فيه أحاديث كثيرة، والمتواضع والمتواضعون عند الله سبحانه وتعالى في منزلة رفيعة. فإذا تواضع العبد لله رفعه الله سبحانه وتعالى، وإذا تعاظم في الدنيا واختال وتكبر وتجبر وتجبر، فإنه يحشر يوم القيامة كالذر، جزاء ما فعل في الدنيا. أراد أن يعلو على الخلق ويتكبر عليهم، فحشره الله مثل الذر. «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر». وهذا المعصوم صلى الله عليه وسلم، خير البشر وخير الخلق، أفضلهم عليه الصلاة والسلام، كيف كانت تواضعه مع الصغير والكبير، مع المرأة، مع الجارية، مع الشيخ الكبير؟ شيء يدل على أنه عليه الصلاة والسلام كما وصفه الله عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. فالتواضع من الأخلاق الكريمة، لهذا ينبغي أن الشخص يتحلى بهذا الخلق العظيم، لأننا كلنا خلقنا من تراب، كلنا من آدم، وآدم من تراب. الناس لآدم، كما قال عليه الصلاة: «وآدم من تراب». فبماذا تتكبر على الناس؟ أنت الذي خلقت من نطفة قذرة، يعني استقذرها الإنسان، نطفة قذرة، وتحمل في بطنك العذرة، بطنك إيش هذا في بطنك؟ داخل تحمل العذرة. وخلقت من نطفة، كما قال بعضهم: قذرة، وبعضهم قال: مذرة. يعني أنت خلقت من هذا، تفكر في حالك، فلماذا تتعظم وتتكبر على الناس؟ قال: باب ما جاء في تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: حدثنا أحمد بن منيع، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، وغير واحد، قال: وأنبأنا سفيان بن عيينة. سفيان هذا ابن عيينة، أبو محمد الهلالي الكوفي، ثقة، حافظ، إمام، فقيه من الفقهاء. ذكر الذهبي رحمه الله تعالى في السير عن سفيان، إنه قال للنضر الهلالي: عندما كان صغيرا، عندما كان صغيرا سفيان، كيف كان حاله؟ يقول للنضر الهلالي: يا نضر، لو رأيتني ولي عشر سنين، ابن عشر سنين، طولي خمسة أشبار، ووجهي كالدينار، وأنا كشعلة نار، يعني حرارة حركة، وأنا كشعلة نار، ثياب صغار، وأكمام قصار، وذيلي بمقدار، ونعلي كآذان الفار، أختلف إلى علماء الأمصار، ك الزهري، وعمر بن دينار، وأجلس بينهم كالمسمار. قال: قال: محبرتي كالجوزة، ومقلمتي كالموزة، وقلمي كاللوزة. فإذا أتيت قالوا: أوسعوا للشيخ الصغير. ثم ضحك سفيان رحمه الله. هذا ما ذكره الذهبي رحمه الله عن سفيان، وهي قصة طيبة، يعني يذكر حاله، لكن جابها بطريقة ماذا؟ السجع. وكيف كان سفيان رحمه الله إماما، صار إماما من أئمة المسلمين. قال: أنبأنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله، عن عبد الله بن عباس، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله». الإطراء: تجاوز الحد، الإطراء تجاوز ماذا؟ الحد في المدح والثناء. هذا هو الإطراء. عندما يتجاوز الإنسان الحد في المدح والثناء، يعني يعطي الإنسان أكبر من حجمه. لا تعطي أحد أكبر من حجمه، يعني لا تمدح شخصا وتعطي أكبر من حجمه، وتثني عليه. فانتبه، هذا المدح هذا يجر إلى أمور لا تحمد عقباها. فالنبي عليه الصلاة والسلام مر على رجل وهو يمدح أخاه، قال: «أهلكم، قطعتم عنق صاحبكم». يعني يمدح أخاه، يقول له: كذا وكذا، أنت كذا، وانت كذا. فانتبه، المدح هذا خطير، فلا يعطي الشخص أكبر من حجمه، والله المستعان. الآن صارت كلمة شيخ، كلمة شيخ سهلة على اللسان. قال: هذا الشيخ الفلاني، الشيخ الفلاني، ما عنده شيء من العلم. فينبغي لأننا نضع الأمور مواضعها، نضع الأمور مواضعها. فالشخص تقال له: طالب علم، أبو فلان، تكنيه بكنيته: أبو فلان. فإذا وصل مرحلة الشيخ الكبير العالم، تقول له: يا شيخ. هذا إذا وصل لتلك المرحلة، والله المستعان. فصارت هذه اللفظة سهلة، يتداولها الناس. فلان شيخ، الشيخ الفلاني، الشيخ الفلاني، ما ينبغي هذا، ما ينبغي هذا. ونحن نبهنا الإخوان: عدم إطلاق هذه اللفظة، عدم إطلاق هذه اللفظة. فصرنا شيوخا، زعمتموني شيخا ولست بشيخي، إنما الشيخ من يدب دبيبا، إنما الشيخ من يدب دبيبا. إذا دببنا بعد ذلك صرنا بالعكاز، قولوا لنا: شيخ، يعني كبير في السن، لا بأس أن يقال هذا. فرحم الله امرأ عرف قدر نفسه. فينبغي للشخص أن لا يمدح أخاه بما ليس فيه. فالله الله، اتقوا الله عز وجل، فليتق الله الإخوان في هذا. فهذه بلوى، هذه ماذا صارت؟ بلوى. وأما لفظة شيخ عند بعضهم، يعني قد ما تقال على شيخ العلم، في بعض البلاد يعني يقال لك: امشي يا شيخ، حتى لو كنت صغيرا، تفضل يا شيخ، يعني حتى لو كنت صغيرا. فصارت لفظة شيخ، مع أن هذه كلمة هي أصلا للمدح، أو أنها للرجل الكبير. رحمة النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه». الشيخ اللي يكون كبير في السن، مثل والدنا الشيخ الفلاني، يقول له: الشيخ، هذا وكذلك الشيخ والدنا الشيخ الفلاني، هذا كبير في السن، هم شيوخنا، يعتبرون شيوخنا. شيخ العلم، هذه لا ضابط عند ماذا؟ عند أهل العلم، عند أهل العلم: كن حافظا للأحاديث، كن حافظا للسنة، عامل بها، يفتي، مجتهد، يعني عنده علم، عنده علم يستطيع أن ينفع الناس به. أما نحن نجي ندرس كتب شوية، نحضرها من الكتب، قالوا: شيخ. فانظروا كيف البلوى، انظروا ماذا البلوى. فإذا شيخك، المشايخ، نعم، مشايخ أهل العلم، قالوا: الشيخ الفلاني، هذا يؤخذ عنه، وهو أهل لذلك. شيخك، المشايخ: مالك رحمه الله، ما جلس المجلس هذا حتى شهد له سبعون من أهل المدينة، ومنهم ربيعة شيخه. ما قالوا: والله، ما جلس هذا الكرسي الذي في المدينة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وجلس يفتي، إلا بعد ما شهد له سبعون من العلماء، أنه هذا صالح لأن يجلس هذا الكرسي. فانظروا كيف الآن تشرت هذه، ماذا؟ البلوى. فصاروا صغار طلاب العلم شيوخا، وبعد ذلك ضيعوا الأمور، ضاعت الأمور كلها، والله المستعان. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطروني»، هذا هو المعصوم عليه الصلاة والسلام، «كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله». هذا تشريف للنبي عليه الصلاة والسلام، أن تقول: عبد الله ورسوله، لأنه هو الذي أمرنا أن نقول ذلك فيه. هذا هو الوصف الذي أمر الناس أن يقولوه له عليه الصلاة والسلام. لا تمدحوني، يعني تنفعوني منزلة، حتى منزلة الربوبية، كما قال ذلك البوصيري في بردته. ماذا قال البوصيري الشاعر البوصيري؟ قال: «يا أكرم الخلق، ما لي من ألوذ به سواك، عند حدوث الحادث العمم. إن لم تكن يوم المعادي آخذا بيدي فضلا، وإلا فقل يا زلة القدم. فإن من جودك الدنيا وضرتها، ومن علومك علم اللوح والقلم». قال البوصيري في البردة، قصيدة اسمها البردة، يمدح فيها الرسول، فغلا في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى رفعه وأعطاه منزلة الربوبية. بل قال العلماء: ما ترك لله شيئا. يعني: «فإن من جودك الدنيا وضرتها»، من جود النبي الدنيا، عن الأرض، الدنيا كلها، وضرتها وهي السماوات. إذن السماوات والأرض هذه من جود النبي صلى الله عليه وسلم، وليست من خلق الله عز وجل. انظروا كيف الغلو، لما يصل بها هؤلاء الأشخاص. وهكذا ترى في مدائح التصوف، في مدائح الصوفية، ترى في الموالد هذي، يدخلون فيها هذه الأشياء، يدخلون في ماذا؟ فيها هذه الأشياء. فيمدحون الرسول، ويطرونه، ويرفعونه فوق منزلته. لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ورحب به الأنصار، ومر ذات يوم بحي من الأنصار، أو جواري غنين، يقلن: «وفينا نبي يعلم ما في غد، وفينا نبي يعلم ما في غد». قال: «كفوا، كفوا، حسبكم إلى هنا». لا يعلم ما في غد إلا الله. النبي عليه الصلاة والسلام نهاهم عن ماذا؟ عن أنهم يمدحوه. النبي لا يعلم ما في الغد. ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. فنهاهم عن أنهم يطرونه ويمدحونه عليه الصلاة والسلام، ويرفعونه فوق منزلته التي أعطاها الله له، أنه عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. أما أن تجعل له شيء من خصائصه الربوبية، كالإحياء والإماتة، وكذلك علم الغيب، ونحو ذلك مما هي لله سبحانه وتعالى، فهذا لا يجوز، هذا لا يجوز أبدا. «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم». ماذا قالت النصارى في ابن مريم؟ قالوا: هو روح القدس، وقالوا: هو الله، وقالوا: هو ابن الله. فعندهم ليس لشيء، فاختلفوا على طرق، وعندهم فرق متشعبة، لهم على منهج واحد، فما كلهم يقولون: عيسى هو الله. منهم من يقول: هو الله، ومنهم من يقول: هو ابن الله، ومنهم من يقول: هو ثالث ثلاثة. فتشعبت عندهم الطرق، وضلوا عن سواء السبيل. فالنصارى غلت في عيسى بن مريم، حتى جعلوه إلها، والنبي عليه الصلاة والسلام نهاهم، وسد كل الأبواب التي تفضي إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى. حتى لما قالوا له: ما شاء الله وشئت، قال: «قولوا: ما شاء الله وحده». ليس للرسول شيء من المشيئة عليه الصلاة والسلام، المشيئة لله وحده. «ما شاء الله وشئت»، لكن يقال: «ما شاء الله ثم شئت»، إذا كانت هذه المشيئة متعلقة بالعبد. المشيئة مشيئتان: مشيئة كونية، ومشيئة شرعية. فإذا كان شيء لله سبحانه وتعالى، لا تنسبه إلى العبد. فانتبهوا من الإطراء والمدح، مجاوزة ماذا؟ مجاوزة الحد. إذا جاوز الشيء حده، انقلب ماذا؟ انقلب ضده، والعياذ بالله. طيب، هذا الحديث وهو: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله». وهذا من تواضعه عليه الصلاة والسلام. هذا الحديث وهو حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو في البخاري. طيب، نكتفي بهذا القدر. إلى هنا: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. أستغفرك، أستغفرك، أستغفرك، أستغفرك، أستغفرك، أستغفرك، أستغفرك.