الدرس في مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 2، ألقاها
يُشدد على أهمية طلب العلم في الصغر لثبوته ورسوخه في العقل، ويُستشهد بآثار السلف الصالح في ذلك. يُوصى بالحفظ والكتابة لتثبيت العلم.
يُنصح بطلب العلم مهما كان العمر كبيرا، حيث إن العديد من السلف الصالحين طلبوا العلم في سن متقدمة وأصبحوا أئمة يقتدى بهم. يُروى عن عروة بن الزبير أنه حث أبناءه على طلب العلم.
يجب على الأب أن يهتم بتربية ابنه منذ الصغر ويعلمه العلم ويحثه على الحفظ والاجتهاد والمحافظة على الصلوات. بهذه التربية الصالحة يفرح الأب بابنه عندما يكبر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام عبد الله رحمه الله، في كتابه «جامع بيان العلم وفضله»: باب فضل التعلم في الصغر والحث عليه. عن الحسن، قال: «طلب الحديث في الصغر كالنقش في الحجر». قال المحقق: وأسناده جيد. في هذا الأثر أخرجه الخطيب في «الفقيه والمتفقه»، والبيهقي في «المدخل». قال: واسناده جيد. فالحسن البصري رحمه الله، قال: «طلب الحديث في الصغر كالنقش في الحجر». والمعنى أن من طلب العلم من صغره، ثبت هذا العلم ورسخ في عقله، كما أنك تنقش في الحجر، إذا أتيت بحجر ونقشت فيه نقشا، فإنه يثبت ولا يتغير ولا يتحرك. وهكذا أيضا طلب الحديث والعلم في الصغر، يثبت في الرأس، في العقل. وعن عقبة، قال: «ما حفظت وأنا شاب، فكأني أنظر إليه في قرطاس أو ورقة». قال: ما حفظت وأنا شاب، فكأني أنظر إليه في قرطاس أو ورقة، يعني أنه يجد ما حفظه في حال الصغر، حفظا قويا ومتقنا، كأنه يقرأه من ورقة، كأنه يقرأه من كتاب، لشدة ثبوت ما حفظه. وقال الحسن بن علي لبنيه ولبني أخيه: «تعلموا العلم، فإنكم صغار قوم وتكونون كبارهم غدا، فمن لم يحفظ منكم فليكتب». أخرجه الدارمي في «السنة»، والبيهقي. قال: وسنده حسن. «تعلموا العلم، فإنكم صغار قوم وتكونون كبارهم غدا»، يعني: أنتم اليوم صغار تطلبون العلم وتحفظون العلم، وغدا تكونون كبار قوم، يحتاج الناس إليكم، ويحتاجون إلى هذا العلم الذي حفظتموه، والذي ثبتتموه في صغركم. «فمن لم يحفظ منكم فليكتب»، أي: يستعين بالكتابة حتى يثبت ما تعلمه. قالوا عن الأعمش، وهو سليمان المهراني، قال: «قال لي إبراهيم النخعي وأنا شاب: احفظ هذه الفرائض، لعلك أن تسأل عنها». قيل: علم مراده في الفرائض، مسألة فرضية، أو مسألة من مسائل العلم. «احفظ هذه لعلك أن تسأل عنها»، أي: ثبتها لعلك بعد ذلك تسأل، فينتفع الناس بما حفظت. وليس معنى أن الشخص يقول: إذا كان هذا في حال الصغر، ونحن قد كبرنا، إذا نحن نصب العلم ولا نهتم بالحفظ، خلاص قد فات وقت الصغر، نحن الآن قد شيبنا وظهر البياض على الرأس واللحية، خلاص معنى ذلك لا، أنت إذا وفقت لهذا الباب، فأحمد الله، واحفظ، وأقبل على العلم، ويؤتيك الله سبحانه وتعالى على قدر قصدك ونيتك. ويوفقك الله سبحانه وتعالى، لكن لا تتثبط عن طلب العلم ولو كنت كبيرا. نعم، الصغر أثبت للحفظ وأتقن، وليس معنى هذا أنه في حال الكبر لا طلب علم، لا تتوقف عن طلب العلم وتحفظ وتجتهد في طلبه. فكم من السلف الذين طلبوا العلم وهم كبار، وهم كبار في السن، ومع ذلك صاروا أئمة يقتدى بهم، ويقتدى بعلمهم. قالوا عن عروة بن الزبير، أنه كان يقول لبنيه: «يا بني، إن أزهد الناس في عالم أهله، فألموا إلي، فتعلموا مني، فإنكم توشكون أن تكونوا كبار قوم». إني كنت صغيرا لا ينظر إلي، فلما أدركت من السن ما أدركت، جعل الناس يسألوني. وما شيء أشد على امرئ من أن يسأل عن شيء من أمر دينه فيجهله. هذا الأثر العظيم رواه الدارمي في سننه، وإسناده صحيح كما يقول المحقق. أن عروة بن الزبير رحمه الله، الصابر المحتسب، كان يقول لبنيه: «يا بني، إن أزهد الناس في عالم أهله»، أزهد الناس في العالم أهله، فربما يكون العالم عنده علم وعنده خير، ومع ذلك يزهد فيه أهله، ربما أقرب الناس إليه، أبوه وأمه وإخوانه وأعمامه وأخواله، يزهدون في علمه، ولا يعطونه قيمة، ولا يعرفون له قدرا، فيزهدون فيه، ويكون أزهد الناس في العالم أهله. فقال: «فهلموا إلي، فتعلموا مني»، خذوا مني العلم، يقول لأبنائه: «فإنكم توشكون أن تكونوا كبار قوم»، أنتم الآن صغار، فخذوا العلم واطلبوا العلم، حتى إذا احتاج الناس إليكم، صرتم كبار قوم، صرتم كبار قوم يحتاج الناس إلى علمكم. قال: «إني كنت صغيرا لا ينظر إلي»، يعني لما كنت صغيرا في السن، وكنت أطلب العلم، ما كان أحد ينظر إلي، ولا أحد يأتي يسألني، ولا يلتفت حولي، ما كان أحد ينظر إلي بسبب صغري. قال: «فلما أدركت من السن ما أدركت، جعل الناس يسألوني»، يعني لما أصبحت كبيرا في السن، واحتاج الناس إلى العلم، التف الناس حولي، وأصبحوا يسألوني ويطلبون مني العلم، ويهتدون بما معي من نور العلم. وكما كان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حبر هذه الأمة، لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم، وتعلمون قصته مع ذلك الأنصاري، لما قال له: «قم بنا إلى أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، نأخذ منهم الحديث». فقال: «يا ابن عباس، هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، أفتظن أن أحدا يحتاج إليك؟». قال: فترك الأنصاري طلب الحديث، وذهبت، فكنت آتي أحدهم إلى باب داره، وهو في قيلولته، فأقيل تحت الباب، وتأتي الرياح عليه، ثم يخرج فيقول: «يا بني عمي، رسول الله أفلا أخبرتنا فنأتيك؟». وهكذا رضي الله تعالى عنه، صبر في طلب العلم وأخذ الحديث، حتى احتاج الناس إليه، والتف الناس حوله. فدخل ذلك الأنصاري، وقد رأى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقد التف الناس حوله، فقال: «لقد كان هذا الفتى أعقل مني». فأنت اليوم صغير، ربما لا ينظر إليك، فاستغل هذا السن في طلب العلم والحفظ والفهم والمجاهدة والاجتهاد والحرص على طلب العلم، وسيأتي يوم يحتاج الناس إليك. قال: «فلما أدركت من السن ما أدركت، جعل الناس يسألوني، وما شيء أشد على امرئ من أن يسأل عن شيء من أمر دينه فيجهله». هذا أمر عظيم جدا، أن العالم يسأل عن شيء من أمور الدين، فهو لا يعلمه ويجهله، هذا أمر شديد على النفس. فلهذا ينبغي أن يسعى الأشخاص في إزالة هذا الجهل عن نفسه، وذلك بالانكباب على طلب العلم والإقبال على العلم. قالوا عن بعض الأنباري، قال: «أنشدني أبي في أبيات ذكرها: فهبني عذرت الفتى جاهلا، فما العذر فيه إذا المرء شاخ». يعني: إذا عذر الفتى بالجهل في حال الصغر، فكيف بمن كبر في السن؟ فما هو عذره؟ وكان يقال: «من أدب ابنه صغيرا، قرت عينه كبيرا». من أدب ابنه صغيرا، قرت عينه كبيرا، يعني أنك إذا أدبت ابنك في حال الصغر، وهذا هو الذي ينبغي التأديب، إنما يكون في حال الصغر، فإذا أدب الابن في حال الصغر، نشأ مؤدبا، وكبر على التأديب. أما إن فتح له الباب من حال الصغر، لا يكلم ولا يؤمر ولا ينهى، يفعل ما شاء، ويتكلم بما شاء، ويذهب إلى أي مكان شاء، ويفعل ما شاء، ثم لما كبر، ورأى أنه على غير استقامة، أراد بعد ذلك أن يؤدبه، فما ينفع، ولا يجدي هذا التأديب شيئا، لأن الغصن قد تقوى، فلا تستطيع أن تذهب به يمينا أو شمالا إلا بالكسر، بخلاف لما يكون الغصن رطبا، مازال رطبا في حال الصغر، فإنك تستطيع أن تلينه يمينا وشمالا. فلهذا من أدب ابنه في حال الصغر، واهتم به، علمه ورباه، وكذلك رباه على طلب العلم وعلى الحفظ والاجتهاد والمحافظة على الصلوات، والالتفات بأهل العلم، فإذا كبر، قرت عينه بابنه هذا، قرت عينه بابنه بسبب تربيته له في حال الصغر.