الدرس في مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 6، ألقاها
ينصح بطلب العلم شيئًا فشيئًا مع مرور الأيام والليالي، دون محاولة أخذه جملة. ينبغي لطالب العلم أن يستمر في الطلب لفترات طويلة ليحصل على حصيلة علمية جيدة.
ينصح بالتدرج في طلب العلم وتخصيص وقت للمراجعة والحفظ، مع أهمية ترويح النفس بممارسات مباحة. كما يشدد على التوازن بين العبادة والمسؤوليات الحياتية لجعل كل الأعمال طاعة لله.
حذر من بدع الاجتماعات الشعرية وغيرها من الممارسات التي تعتبر من البدع والمحدثات. هذه الممارسات انتقلت إلى بعض الجماعات الأخرى، والله تعالى أعلم بحقيقة الأمور.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمسلمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وبعد، قال الإمام عبد الله رحمه الله، كما في صحيح جامع بيان علم وفضله، في الكلام في رواية العلم والحالة التي يسأل بها عن العلم، قال: وقال آخر: ما يدرك العلم إلا مشتغل بالعلم، همته القرطاس والقلم. وقال رجل لأبي هريرة رضي الله عنه: إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه. يقول أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: وهذا ربما يقع في نفس الشخص، يقول: أخاف أن أضيعه، ثم يضيعه وينساه، إذا ما في داعي لطلب العلم، فماذا كان جواب أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؟ قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: كفى بتركك له تضيعا. أنت إذا لم تطلب العلم فقد ضيعته، فكيف تخاف أن تضيعه وأنت قد ضيعته بعدم طلبه؟ قال: الباب الثالث والعشرون: كيفية أخذ العلم، يعني كيف يأخذ الإنسان العلم، والطريقة التي يستمر بها في الطلب. قال عن يونس بن يزيد: قال لي ابن شهاب -وهو الزهري محمد بن مسلم-: يا يونس، لا تكابر العلم، فإن العلم أودية، فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن خذه شيئا بعد شيء مع الليالي والأيام. هذه نصيحة عظيمة من هذا الإمام ابن شهاب الزهري رحمه الله. وكذلك الإمام يونس بن يزيد يقول له: لا تكابر العلم، فإن العلم واسع، أي واسع بحر، قالت: أيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه، يعني إذا أخذت في أحد أنواع هذا العلم أو فن من فنون هذا العلم ووقفت في بحره، قطع بك قبل أن تبلغه، أي قبل أن تبلغ هذا العلم. قال: ولكن خذوه مع الأيام والليالي، يعني ما تريد أن تجمع هذا العلم في لحظات، تريد أن تكون عالما في ليال وأيام أو في أشهر، تريد أن تكون قد لممت وأصبح عندك علمان في جميع فنون العلم، ما يمكن. ولكن خذوه مع الأيام والليالي، أي تستمر في الطلب الشهور والسنين، ومع مرور الأيام والليالي تكون عندك بعد ذلك حصيلة علمية. ولا تأخذ العلم جملة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة. لا تأخذ العلم كله جملة، أي تأخذ كله جميعا، فهذا ضيق على طالب العلم، يتنقل من فن إلى فن، كما قال: يقفز من العقيدة إلى الفقه إلى الأصول إلى كذا، يفتح درسا مثل كتاب الدرس الفلاني في هذا وهكذا، يريد أن يجمع كل الفنون في فترة يسيرة، وما درى إلا وقد خرج من كل هذه الدروس بلا فائدة. خرج منها كلها بلا فائدة، ما يستفيد شيئا. من رام العلم جملة فأذه جملة، كله يذهب عليك. لكن تأخذه شيئا فشيئا. وكما قيل: ومن علت همته اتسعت مداركه، ومن سفلت همته اتسع خباله. ومشتغل العزمات ينفق عمره حيرانا، لا ظهر ولا إخفاق، يبني العمر ولا يجد ثمرة، ولا يجد ثمرة بسبب التقلب بين الفنون. التقلب في العلم ربما يبدأ بكبار الكتب قبل الصغار، فيحضر مثلا دروس العقيدة من الكتب الكبار، وما قد درس أصُول هذه الكتب، وهذا الفن الذي يعرف به العقيدة الصحيحة، ويستعمل هذا أن يبني عليه بقية العلوم. فمثل هذا يضيع، يدخل في كتاب التوحيد وهو ما قد درس أصُول ثلاثة، وهذا رأس مثلا كتاب التوحيد، أو غيرها من الكتب. وهكذا مثلا يأتي في النحو، يدخل مثلا في قطر الندى، وما قد أتقن المتممة أو التحفة، ما قد أتقن التحفة السنية. فهذا يضيع ويتخبط. وهكذا أيضا في بقية العلوم، فإنه إذا أراد أن يستفيد يبدأ بصغار العلم قبل كباره، ويبدأ شيئا فشيئا، مثلا يتخذ من فنون العلم فنين، يتخذ مثلا علمين، ويسير عليهما شيئا فشيئا حتى يتقنهما، ثم ينتقل إلى علمين آخرين، وهكذا يسير عليهما شيئا فشيئا، كتابا بعد كتاب، ومع مرور الأيام والليالي يجني ثمرة. لكن إذا بقي مشتتا، يدخل مثلا خمسة دروس أو أربعة دروس من كل فن، فربما ما استطاع أن يراجع، أن يدرس هذه الدروس، فيخرج منها بلا فائدة. لكن لو يدرس كتابا واحدا أو كتابين مع الحفظ والمراجعة والنظر في الكتاب، هذا الذي يستفيد ويجد ثمرة هذه الدراسة. قال: وكان الزهري يحدث، ثم يقول: هاتوا من أشعاركم، هاتوا من حديثكم، فإن الأذن مجاجة، والنفس حناظة. يعني يريد رحمه الله أنه ينبغي على طالب العلم حتى لا يمل، حتى لا يمل، أن يجعل في مجلسه شيئا مما يهوِّن على النفس، حتى لا تمل من تكرار الحديث أو الدروس، فيجعل مثلا شيئا من الأشعار، وهكذا شيئا من الفوائد مما يجعل النفس نشيطة. ولهذا كان شيخه رحمه الله الذي يحضر دروسه ما يمل أبدا من دروسه، يبدأ رحمه الله من بعد المغرب إلى وقت صلاة العشاء، وما يمل أبدا من الدرس، فوائد وهكذا أشعار، وهكذا، يوما بعد يوم، مما يوقع في مجلسه رحمه الله قوة، يكاد يمل. قال الأسمعي: وصلت بالعلم، وكسبت بالملح. وقال: من رقى وجهه رقى علمه. وعن زغري قال: الأذن مجال، والنفس حناظة، فأبيض في بعض ما يخف علينا. قال أبو عمر: لقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول في مثل معنى هذا الباب. وأبو العتاهية شاعر من الشعراء كان في أول أمره ممن قد اشتهر بحب الغزل والفجور، ثم تاب بعد ذلك، فنقل شعره في الزهد والورع. قال: لا يصلح النفس إذا كانت مصفدة إلا التنقل من حال إلى حال. لا تلعبن بك الدنيا وأنت ترى ما شئت من عبر فيها وأمثال. قال: وعن عمارة بن زيد قال: كان القاسم بن محمد إذا أتوه بالمسائل قال: إن لحديث العرب وحديث الناس نصيبا من الحديث، فلا تكفروا علينا من هذا. يعني لا تكفروا من المسائل، ودعونا نتحدث. وهذا كما ذكرنا من أجل أن لا يقع للنفس الملل، لا يقع للنفس الملل والضجر. وعن ابن شهاب أنه كان يقول: روحوا القلوب ساعة وساعة. والساعة والمراد لذلك ترويح القلب بالشيء المباح، بالشيء المباح لا بالمحرمات والمعاصي. وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لحنظلة كما في صحيح مسلم: «لحنظلة ساعة وساعة». كان إذا حضر مجلس النبي عليه السلام قال: فيا يذكرنا بالجنة والنار، أي النبي عليه السلام قال: «كأننا ننظر إليها نظر عين»، فإذا انصرفنا إلى الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا. أي إذا رجعنا وخالطنا الزوجات والأولاد والأعمال نجد بأن هذا الإيمان ينقص. فلقي أبا بكر رضي الله عنه وأخبره، وقال: «نافق حنظلة». قال: «وما ذاك؟» قال: «سبحان الله». ثم ذكر له ما يجد. فقال أبو بكر: «إن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك». ثم انطلق إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «يا رسول الله، نافق حنظلة». قال: «وما ذاك؟» فذكر له ما يجد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا حنظلة، إنكم لو تدومون على ما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وعلى طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة». أي وقت لتفرغ للعبادة والطاعات والقربات، ووقت يكون فيه قضاء الحاجات من الأعمال. وكذلك أيضا النظر في الأهل والأولاد، وذلك مما هو من أمر الواجب والمباح. وليس المعنى ساعة وساعة أنها ساعة تعبد الله فيها وساعة تفعل ما شئت، كما يقول بعض الناس: ساعة لك وساعة لربك. هذه الساعة لك تفعل ما شئت، إذ تكمل شئت من المحرمات والمعاصي، هذه لك لا. ما في لك كله لله. قل: «إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، بذلك أمرت وأنا أول المسلمين». فالإنسان حياته كلها لله، وأعماله كلها لله. فلا يجوز أن يفرط في شيء من عمله عن طاعة الله سبحانه وتعالى. لا قل له: طاعة عبادتك طاعة، وقضاء حوائج أهلك طاعة، والنفقة على أهلك طاعة. بل كذلك أيضا العمل والاكتساب من أجل أن تنفق على أهلك كذلك طاعة. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «النفقة التي ينفقها رجل على أهله يحتسبها فهي صدقة». فهي صدقة. وهكذا كل أعمالك، كلها طاعة. فحياتك كلها طاعة لله سبحانه وتعالى. قال أبو حامد الغزالي: كنا نجالس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيتناشدون الأشعار ويتذاكرون أيامهم في الجاهلية. أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا إذا جلسوا يتناشدون الأشعار، يعني هذا يأتي بشعر، وهذا يأتي بشعر، وهكذا يذكرون ما كانوا يفعلون في الجاهلية قبل الإسلام، أو ما كانوا يرتكبون من معاصي، ليس من باب الافتخار، ولكن من باب العبرة، من باب العظة والاتعاظ والندم على ما قد مضى. فإنشاد الشعر مباح، بل إذا كان من باب المنافحة عن الحق ونصرة الحق فهو مستحب، وربما يجب. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لحسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه: «أوجعهم وروح القدس معك». كان جبريل عليه السلام يأمره بأن يهجو الكفار، وكان كذلك الشعر عليهم شديدا، كما قال: «فرسان له أشد عليهم من النبال». فهذا أمر مشروع إذا كان الشعر ليس فيه شيء من المحرمات من الغزل وصف النساء، أو كذلك وصف الخمور وغير ذلك. وكان في أمور مباحة كوصف الجنة مثلا، ووصف النار، أو كذلك في الزهد في الدنيا إلى غير ذلك من الأمور المباحة، فهذا مشروع. لكن فرق بين إنشاد الشعر وبين الأناشيد التي يسمونها اليوم بالأناشيد الإسلامية. فليس في الإسلام أناشيد إسلامية. الصحابة رضي الله عنهم ما كانوا يتناشدون كما يتناشد المتناشدون اليوم، لا. كانوا يقوم أحدهم مثلا ويأتي بشعر، وهذا يأتي بشعر. أما أنهم يجتمعون وهذا يأخذون الأشعار جميعا أو أحدهم يأخذ والباقي يرددون، إلى غير ذلك مما يسمى اليوم الإخوان المسمون مما انتقلوا به من الصوفية، هذه من البدع والمحدثات، كما نص على ذلك أئمة العلم، محذرة من هذه الأفعال. والله تعالى أعلم.