الدرس في مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 15، ألقاها
ناقش الإمام عبد الرحيم أصول العلم والاجتهاد في القضاء، وأكد على أهمية اتباع الكتاب والسنة والإجماع. وأشار إلى أن العلم والحكمة نعمة من الله وليست بكثرة المسائل.
يتناول أحكام الفتوى وحدودها الشرعية، ويشترط في الفتوى أن تكون مبنية على الكتاب والسنة والإجماع أو القياس عند الضرورة. ويبين حجية الإجماع وأدلته من القرآن والسنة.
يذكر أن العلم الشرعي ينقسم إلى أربعة أقسام: كتاب الله، سنة رسول الله، الإجماع، والقياس. هذه الأقسام هي أساس الأحكام الشرعية.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام عبد الرحيم رحمه الله، كما في كتاب صحيح جامع بيهقي، وقبله في كلامه على معرفة أصول العلم، وما الذي يقع عليه اسم الفقه والعلم، ذكر رحمه الله قول النبي عليه الصلاة والسلام: «تردت فيكم أمرين لن تظلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم». قول النبي عليه الصلاة والسلام: «سألت ربي ألا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها». قلنا: ويراد بذلك الاستدلال على أن من أصول العلم الكتاب والسنة، وهكذا أيضا من أصول العلم الإجماع. ثم ذكر رحمه الله قال في كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عروة: «كتبت إلي تسألني عن القضاء بين الناس، وإن رأس القضاء اتباع ما في كتاب الله، ثم القضاء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بحكم أئمة الهدى، ثم استشارة ذوي العلم والرأي». والمعنى أنه أمره أول شيء بالنظر إلى دلالة الكتاب والسنة، اتباع ما في كتاب الله، ثم ما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بما أجمع عليه أهل العلم، فإن لم يكن، فإنه يستشير من عنده علماء، يستشير وينظر إلى آراء أهل العلم. كما قال: «سلوا علي وأمره مشاورة بينهم». قال: «وأنشد ابن شبرمة: ما ما في القضاء شفاعة لمخاصم عند اللبيب ولا البقية العالم هون عليك إذا قضيت بسنة أو بالكتاب فرغم أنف الراغم وقضيت فيما لم تجد أثرا به بنظائر معروفة ومعالم». قال مالك: «الحكم حكمان: حكم جاء به كتاب الله، وحكم أحكمته السنة». قاله مجتهد، ومجتهد رأيه لعله يوفق، وقاله متكلف فطعن عليه. يقول: الحكم ما جاء به كتاب الله، وكذلك حكم أحكمته السنة، ما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن لم يجد، فإن العالم يجتهد، يجتهد في الحكم على هذه المسألة، ينظر في أدلته الكتاب والسنة، فيحكم بما يراه صوابا، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر. فإن لم يكن من أهل الاجتهاد، قال متكلف وطعن عليه، يعني طعن فيه الذي ليس هو من أهل العلم، وليس كذلك ممن هو في درجة المجتهدين، فيتكلف، فهذا مذموم. قال في رواية عنه: «قال الحكم الذي يحكم به بين الناس حكمان: ما في كتاب الله، أو ما أحكمته السنة، فذلك الحكم الواجب، وذلك الصواب. والحكم الذي يجتهد فيه العالم رأيه، فلعله يوفق. وثالث متكلف، فما أحرى ألا يوفق». الذي يتكلف ليس عنده علم بأدلة الكتاب والسنة، وليس كذلك هو أهل للاجتهاد، فيتكلف، فالغالب عليه الخطأ وعدم الصواب. وقال أي رواية عن مالك: «العلم والحكمة نور يهدي به الله من يشاء، وليس بكثرة المسائل». يقول: العلم والحكمة نور يهدي به الله من يشاء، وليس بكثرة المسائل. والمعنى أن العلم توفيق من الله سبحانه وتعالى، نور يقلبه الله جل وعلا في قلب العبد، فيوفق للصواب، وليس هو بكثرة المسائل، أي ليس باتباع المسائل المتفرقة والشاردة، وإنما هو الخوف من الله سبحانه وتعالى والخشية. فالله سبحانه وتعالى يقضي في قلب العبد نورا وبين هذا النور العلم والحكمة، يجعل بقلبه العلم والحكمة. قال في رواية عنه: «قال ليس الفقيه بكثرة المسائل، ولكن الفقه يهديه الله من يشاء من خلقه». قال: «ليس الفقيه بكثرة المسائل، ولكن الفقه يؤتيه الله من يشاء من خلقه». نعمة ينعم بها ربنا جل وعلا على من شاء من خلقه، يقذف نور العلم والحكمة في قلب العبد. قال ابن وضاح: «وسئل سحنون: أيسع العالم أن يقول لا أدري فيما يدري؟ قال: أما ما فيه كتاب الله قائم، أو سنة ثابتة، فلا يسعه ذلك. وأما ما كان من هذا الغير، فإنه يسعه ذلك». لأنه لا يدري أم مصيب هو أم مخطئ. يقول: إذا سئل العالم في شيء هو في كتاب الله جل وعلا، أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم، فلا يسعه أن يقول لا أدري. والمعنى أنه لا يجوز له أن يكتم شيئا من العلم إذا سئل مما يعلم مما في الكتاب أو السنة، فعليه أن يجيب. إلا إذا كان يعلم من هذا السائل التعنت، أو يريد السائل أن يضرب أقوال العلماء بعضا ببعض، أو يعلم منه العناد، ويعلم منه عدم طلب الحق، فمثل هذا له أن يعرض عنه. وإن كان يعلم الجواب، أما إذا كان يعلم أنه يريد الاستفادة ومعرفة الحكم الشرعي، وهو يعلمه، فلا يسعه أن يكتمه. فلا يسعه أن يكتم ما علم من العلم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. قد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار». قال: «أما ما كان من هذا الرأي، يعني شيء ليس في الكتاب ولا بالسنة، فسئل عنه، فهذا الأمر مما يحتمل به الصواب والخطأ». قال: «فهذا يسعه أن يقول لا أدري». يسعه أن يقول لا أدري. قال: «وقال الشافعي رحمه الله: ليس لأحد أن يقول في شيء حلال أو حرام إلا من جهة العلم، هو جهة العلم، ما نص في الكتاب أو في السنة أو في الإجماع». فإن لم يوجد في ذلك، فالقياس على هذه الأصول ما كان في معناها. يعني لا يجوز لأحد أن يحلل أو يحرم إلا بعلم، لأن التحليل والتحريم تشريع، والتشريع إنما يكون بالكتاب والسنة، الله جل وعلا هو المشترع، وهكذا رسوله عليه الصلاة والسلام. فلا يقول الشخص هذا حلال وهذا حرام إلا بعلم، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾. والله جل وعلا يقول محذرا من القول على الله جل وعلا بلا علم: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. فالإنسان لا يجوز له أن يقول هذا حلال وهذا حرام إلا بعلم، أما بالهوى وبالرأي والاستحسانات هذا لا يجوز. ولهذا تجد أن كثيرا ممن يتصدر مجالس العلم ويظهرون في طلوات فضائية، تجد كثير من هؤلاء هم ممن يشرعون في دين الله جل وعلا ما ليس منه. فهذا يحلل الأغاني والتمثيليات، وكذلك يحلل كثيرا مما حرم الله سبحانه وتعالى، حتى المعاملات الربوية أو التعامل في بعض المعاملات المحرمة، هوى، وكذلك اتباع لآراء الناس واستحساناتهم، فيشرعون في دين الله جل وعلا ما ليس منه. وهذا من أعظم المحرمات التي حذر الله سبحانه وتعالى منها، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فلا يقول أحد في شيء حلال أو حرام إلا بعلم. قال: «والعلم إما كتاب أو سنة أو إجماع، إما آية من كتاب الله جل وعلا، أو سنة حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، أو إجماع لأهل العلم على مسألة من المسائل». قال: «فإن لم يكن، فالقياس». يعني إذا لم يوجد دليل من هذه الأدلة، فيرتد إلى القياس، وهو من الأدلة المعتبرة عند الضرورة، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: «القياس كالميت للمطر». كالميت للمطر إذا لم يجد، فينظر في القياس، ينظر في هذا الأمر، هذه المسألة، ما الذي يشابهها من مسائل التي وردت في الكتاب أو السنة، فكانت علتها مثلها، فتأخذ حكمها. قال أبو عمر: «أما كتاب الله فيغني عن الاستشهاد عليه، ويكفي من ذلك قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وكذلك السنة، يكفي فيها قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾». وأما الإجماع، فمأخوذ من قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ غَيْرَ الْمِلَّةِ فَسَوْفَ نُوَلِّيهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. الآية، لأن الاختلاف لا يصح معه هذا. الظاهر يقول: الكتاب أدلته كثيرة، ويكفي قول الله جل وعلا: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. والله جل وعلا أنزل إلينا الكتاب، أنزل إلينا الكتاب والسنة، فيجب علينا اتباعها. وهكذا يضم اتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وأمر الله جل وعلا بطاعته وطاعة رسوله في كثير من الآيات، ومنها قول الله جل وعلا: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. هذا أمر من الله جل وعلا باتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، أن نأخذ بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وأن نترك ما نهانا عنه. فالذي يكذب السنة فهو مكذب للقرآن، الذي يقول لا، ليس هناك سنة، إنما قرآن فقط، فيقال له: لو آمنت بالقرآن لآمنت بالسنة، لأن الله سبحانه وتعالى أمرك باتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. وهكذا يرم الإجماع مأخوذ من قول الله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وسبيل المؤمنين ما كانوا عليه، وما أجمعوا عليه. كما قلنا من مسئلة الإمام الشافعي رحمه الله على حجية الإجماع، قال: «وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على ضلالة». وهذا الحديث حسنه بعض العلماء بمجموع الطرق». فالله جل وعلا عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، فإذا أجمعوا على أمر، فإن إجماعهم حجة. قال: «وعندي أن إجماع الصحابة لا يجوز خلافهم، لأنه لا يجوز على جميعهم الجهل بالموازين». قال: «إجماع الصحابة لا يجوز خلافهم، لأنه لا يمكن أن يجتمع الصحابة كلهم على أمر، ويكون حقيقة الأمر على خلاف ما يجمعون عليه، ما يمكن». والإجماع المعتبر، وإجماع الصحابة، كما قال ابن تيمية رحمه الله في الواسطية: «قال والإجماع المعتبر ما كان عليه السلف الصالح، فأما بعدهم فقد كثرت الأمة وانتشرت». فيقول: الإجماع المعتبر ما يجمع عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لأنه يمكن حصر أقوالهم، وكذلك لحظة بأقوالهم، بخلاف ما إذا كفروا وانتشروا، فيصعب حينئذ حصر جميع أقوال العلماء. قالوا: «بقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾». دليل على أن جماعتهم إذا اجتمعوا حجة على من خالفهم، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة على جميعهم. يعني كذلك استدل بهذه الآية على حجية إجماع هذه الأمة، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. والوسط أو الوسط جاء تفسيره في السنة بأنه العدل، بأن هذه الأمة هي أمة العدل. قال: «لتكونوا شهداء على الناس»، أي أن هذه الأمة شاهدة على الناس. ومن ذلك ما جاء بالصحيح فيما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام حين يسأل ربنا عز وجل نوحا عليه السلام: هل بلغت؟ فيقول: نعم أو بلى يا رب. فيسأل ربنا جل وعلا أمته، فيكذبوه، فيقول له: ومن يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون لنوح عليه السلام. فهذه الأمة شاهدة على الناس. قال: «رب العلم إذا كانت شاهدة على أفعال الناس، فهي كذلك أيضا شاهدة على أحكامهم، فما أجمعوا عليه، فإجماعهم حجة». قال: «والأدلة على الإجماع من الكتاب والسنة كثيرة، ليس كتابنا هذا موضع لتقصيها». وبالله التوفيق. قال محمد بن الحسن: «العلم أربعة أوجه: ما كان في كتاب الله الناطق، وما أشبهه، وما كان في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المأثورة، وما أشبهه، وما كان فيما أجمع عليه الصحابة، وما أشبهه، وكذلك المختلف فيه لا يخرج عن جميعه». فإذا وقع الاختيار فيه على قول، فهو علم يقاس عليه ما أشبهه، وما استحسنه عامة فقهاء المسلمين، وما أشبهه، وكان نظيرا له. قال: «ولا يخرج العلم عن هذه الوجوه الأربعة». قال أبو عمر: «قول محمد بن الحسن: وما أشبهه، يعني ما أشبه الكتاب، وكذلك قوله في السنة، وإجماع الصحابة، يعني ما أشبه ذلك كله، فهو القياس». المختلف فيه في الأحكام، وكذلك قول الشافعي رحمه الله: «أو كان في معنى الكتاب والسنة»، هو نحو قول محمد بن الحسن. ومراد من ذلك القياس عليهما. ليس هذا موضع القول في القياس، وسنفرد لذلك بابا كافيا في كتابنا هذا إن شاء الله. قال: «وإنكار العلماء الاستحسان أكثر من إنكارهم القياس، وليس هذا موضع بيان ذلك». فهو يقول رحمه الله: أن العلم أربعة: كتاب الله، أو سنة رسول الله، أو ما أجمع عليه الصحابة والعلماء، أو كذلك ما كان من الشبيه والنظير، وهو القياس. فهذه الأمور الأربعة التي تدور عليها الأحكام.