الدرس في شرح مسائل الجاهلية 110، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول مفهوم الكفر بالرسل وأهمية الإيمان بهم جميعا، حيث يشرح أن الله تعالى بعث الرسل إلى الأمم لتبليغ رسالته. يجب الإيمان بجميع الرسل من أولهم نوح عليه السلام إلى آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم.
يتطرق إلى مسألتين رئيسيتين تتعلقان بموقف أهل الجاهلية من الأنبياء والرسل، الأولى الغلو في حقهم ورفعهم إلى مرتبة الألوهية أو الربوبية، والثانية التقصير في حقهم وإنكار نبوتهم ورسالتهم وتكذيبهم.
يتحدث عن تكذيب الرسل وأهل الجاهلية، ويبين أن هذا التكذيب ليس مقصورا على الأمم الماضية بل يوجد في الأمة الإسلامية من ينتقص من مقام النبوة والرسالة، ويذكر أمثلة على ذلك من طوائف مختلفة.
يؤكد على ضرورة الإيمان بكل الأنبياء والرسل لتمام هذا الباب، ويختم بالدعاء أن ينفعنا الله بما قلناه ويجعلنا من أهل الهداية والطاعة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الرابعة بعد المئة: الكفر بالرسل. سيذكر لنا المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بالمسائل التي كفر بها أهل الجاهلية، وهي تعتبر من صميم الدين. مر معنا في درس أمس الكفر بالملائكة، وفي هذا المقام ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الكفر بالرسل، فقد كان ذلك من شيم أهل الجاهلية، كما سيأتي بيانه. فقول المؤلف رحمه الله تعالى: الكفر بالرسل، الرسل جمع رسول، والرسول هو المبعوث بإبلاغ شيء ما. الرسول في اللغة هو المبعوث لإبلاغ شيء ما، فربنا جل وعلا من حكمته أنه بعث الرسل وبعث الأنبياء إلى الأمم وإلى الأقاليم، بل ما ترك أمة من أمة الدنيا في الأرض إلا وأرسل إليها ربنا جل وعلا رسولا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾. فكانت حكمة الله سبحانه وتعالى في بعثة الأنبياء والرسل في كل مكان حتى تعم الرسالة، فتنقطع الحجج عند الناس، فلا يحتج أحد بعد ذلك بعدم وصول الرسالة الإلهية. أول الرسل والإيمان ينبغي أن يتطرق الإيمان من أول الرسول إلى آخر رسول، أولهم نوح عليه السلام، كما جاء ذلك مصرحا في الأحاديث والآيات من صريح السنة، في حديث الشفاعة عندما يأتي الناس والأقوام والأمم إلى نوح، فيقول: أنت أول رسول، أنت أول رسول، فينبغي الإيمان من أول رسل إلى آخرهم، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام، فينبغي الإيمان بهم جميعا، وعدم الإيمان بواحد من هؤلاء الرسل هو في الحقيقة عدم الإيمان بالكل. عدم الإيمان بواحد من الرسول هو في الحقيقة عدم الإيمان بالكل، وذلك جاء في قوله تعالى: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾. فقوم نوح كم رسول أرسل إليهم؟ رسول واحد وهو نوح عليه السلام، فكيف القرآن جاء بصيغة الجمع؟ وهل هناك رسل قبل نوح حتى يقال أنهم قد كفروا وكذبوا بهم؟ لا، نوح يعتبر أول رسول إليهم، لم يسبق بأحد، ولم يبعث رسول آخر إلى قوم نوح، فكيف يقول ربنا جل وعلا: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾؟ من هؤلاء الرسل؟ قال علماء في ذلك: دلالة على أن قوم نوح عندما كذبوا نوحا هو في الحقيقة تكذيب لجميع الرسل. فدل ذلك على وجوب الإيمان بجميع الرسل، وأنك يا عبد الله إن لم تؤمن بأحد من أنبياء الله، فأنت في الحقيقة لم تؤمن بالجميع. وكذلك مما ينبغي أن نعلم أن الله جل وعلا أمر جميع الخلق بالإيمان برسل الله جل وعلا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾. فأمر ربنا جل وعلا بالإيمان بالرسل، وجعل ذلك من أركان الإيمان الذي لا يصح إيمان الواحد منا إلا بالإيمان برسل الله، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره». فأدلة وجوب الإيمان برسل الله كثيرة، وأن ذلك من صميم الاعتقاد. نعرج الآن على ما يتعلق بأهل الجاهلية، كيف كان أهل الجاهلية مع الأنبياء ومع الرسل؟ هم يتفاوتون، هم يختلفون في طريقة تعاملهم مع أنبياء الله ورسله. فمنهم من أهل الجاهلية من لربما غلا في باب الرسالة، غلا في باب الرسالة لدرجة أنه رفع الأنبياء ورفع الرسل عن منزلتهم التي أنزلهم الله جل وعلا إياها، وجعلهم في مرتبة الأولوهية والربوبية، وهذا كفعل النصارى مع نبيهم مع رسول الله عيسى عليه السلام، هو نبي هو رسول، لكنهم لم يرتضوا هذا المقام لنبيهم، فرفعوه، فمنهم من قال: هو ثالث ثلاثة، ومنهم من ارتقى درجة فقال: هو ابن الله، ومنهم من بلغ القمة فقال: هو الله. هذا كله غلو، وكذلك إفراط في مقام النبوة والرسالة، وهذا في الحقيقة تكذيب لرسل الله. وجه التكذيب لرسل الله لأن الله جل وعلا أمر الناس بأن يجعلوا لهؤلاء منزلة الرسالة، لكن هؤلاء عارضوا حكم الله، فلم يرتضوا حكم الرسالة والنبوة، وإنما جعلوهم لهم منزلة ماذا؟ الأولوهية والربوبية. وهذه البلية إخواني فيها لم تقتصر على أهل الجاهلية مع أنبيائهم، بل وجدت كذلك في هذه الأمة مع نبينا عليه الصلاة والسلام، وجد من أبناء الأمة المحمدية من رفع نبينا عليه الصلاة والسلام عن منزلته وفوق منزلته. فمنهم من أصبغ على نبينا صفة ربوبية، ومنهم من أعطى من خصائص الألوهية، فمن الناس من يعتقد الربوبية في نبينا عليه الصلاة والسلام، وأنه رب مع الله، وإن لم يصرح بهذه العبارات بصريح الألفاظ، لكن في اعتقاداته هذا الذي مؤداه. فمنه من يعتقد أن النفع وأن الضر بيد نبينا عليه الصلاة والسلام، وأن خير الدنيا والآخرة بيده عليه الصلاة والسلام، يعطي من يشاء ويحرمه عن من يشاء، هذا اعتقاد الكثير من الناس. بل أن الأكوان ما خلقت إلا من نور نبينا عليه الصلاة والسلام، ومنه من يقول بأن الأكوان ما خلقت إلا لأجله، لولاك ما خلقت الأفلاك، لولاك ما خلقت الأفلاك، هذا كل اعتقاد في ربوبية نبينا عليه الصلاة والسلام، وهل هذه منزلته؟ لا، ليست منزلة نبينا، هذه منزلة الرب سبحانه وتعالى الذي لا يدانيه أحد ولا يساوي أحد في ربوبيته. ومنهم كذلك من غالى في نبينا في الألوهية، فصرف له العبادات وصرف له الطاعات، فأخذ كما أنه يتعبد لله جل وعلا بأنواع العبودية، فقام بعضهم كذلك ويتوجه إلى نبينا بأنواع من العبودية، النذر لنبينا، الدعاء بنبينا، الاستغاثة باسمه والتضرع يهتف باسمه عليه الصلاة والسلام، حتى من العجب أن سمعنا وقد ذكر ذلك العلماء أن منهم من كان يقول: أنا أعبد الله وأعبد محمدا، أنا أعبد الله وأعبد محمدا، هذا الكفر، هذا التكذيب لرسل الله. لأن نبينا عليه الصلاة والسلام ما هو إلا بشر، قل إنما أنا بشر مثلكم، ليس لهم من خصائص الألوهية ولا ربوبية من شيء، إلا أن الله جل وعلا ميزه بالنبوة وميزه بالرسالة، قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي، يوحى إلي، فدل ذلك على أنه بشر، لكن ميزه الله بالوحي، فجعل من عداد الأنبياء والرسل. فمن أخرج نبينا من طور النبوة وألحقه بالربوبية والألوهية، فهذا التكذيب تكذيب لرسل الله سبحانه وتعالى. كذلك من صور أهل الجاهلية في اعتقادهم في أنبياء الله ما هو على خلاف ذلك، إذ كانت الطائفة الأولى ممن غلوا في مقام النبوة والرسالة فرفعوه إلى الألوهية والربوبية، فبالمقابل هناك طوائف من أهل الجاهلية من انتقصت الأنبياء وانتقصت الرسل إلى درجة التكذيب، التكذيب والنكران والجحود لنبوتهم ورسالتهم. ما أنتم إلا بشر مثلنا، وهكذا بلغ ببعض من وقاح التطاول على أعراضهم، التطاول على عقولهم، التطاول كذلك على نفوسهم، كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون، تنقص في أنبياء الله وفي رسل الله، بل ليس التنقص لباب الاعتقاد فقط من إزراء وتكذيب، بل بلغ من بعضهم أنه لربما لجأ إلى السلاح وإلى السيف لإسالة دم الأنبياء. فكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم، ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون، كم قتل من أنبياء الله من رسل الله على أيدي هؤلاء من أهل الجاهلية؟ فهذا كذلك من أفعال بعض أهل الجاهلية التكذيب بالرسالة لدرجة ماذا؟ الكفر والنكران والجحود والاستهزاء والسخرية والأذية. وهذا الفعل كذلك وهذه العقيدة ليس فقط موجودة عند الأمم الماضية، بل الأسف وجد من ينتمي إلى هذه الأمة من ينتقص من مقام نبينا عليه الصلاة والسلام، بل حتى أن بعضهم لربما بصريح العبارة يجحد مقام النبوة والرسالة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، من العقلانيين ومن الفرق المادية اللادينية مما تنكر الغيبيات، تنكر الغيبيات، فينكرون من باب أولى الوحي. ويقولون أن محمدا عليه الصلاة والسلام ما هو إلا بشر، ويبقى بشر، وما كان ظهوره على الناس إلا لذكائه، لحدة ذكائه، لحسن تعامله مع الناس، استطاع أن يستميل أقواما وأعوانا إلى صفه، ففعل الذي فعل، هذا الذي نستفيده من حياته، ما عندنا وحي، ما عندنا نبوة، ما عندنا رسالة، هو بشر، نستغله، عبقري من العباقرة، نعرف كيف عاش ونستفيد من تجارب ومن حياته، فيجعل نبينا عليه الصلاة والسلام أنموذج بشري، أنموذج بشري عاري عن النبوة والرسالة. وهذا التكذيب لنبي الله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، وهذا كذلك من هؤلاء من ينتقص نبينا، من ينتقص رسول الله عليه الصلاة والسلام، بعضهم من ينتسب إلى بعض الطوائف الدينية، فمثل ما يذكر عن ابن سبعين، هذا من بعض رؤوس الباطنية، جاء من أرض المغرب وقدم إلى مكة، فكان يقول: لقد زرت ابن آمنة -يعني نبينا عليه الصلاة والسلام- انظر إلى الوقاحة والأسوأ الأدب مع مقامه عليه الصلاة والسلام. قال: قد زرت ابن آمنة الذي يقول لا نبي بعدي، فوجدته بارعا بالفلسفة، لقد زرت ابن آمنة الذي يقول لا نبي بعدي فوجدته بارعا بالفلسفة، هكذا يقول هذا المخذول في حق نبينا عليه الصلاة والسلام. بعد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتابه «الفرقان بين الحق والباطل»، قالوا: أخبرني الثقة -هكذا قال رحمه الله- وأخبرني الثقة ممن كان معهم ثم خرج عنهم، ممن كان مع من كان الكلام حول أتباع ابن عربي، ابن عربي النكرة، ابن عربي الباطني. فقال شيخ الإسلام: وحددني الثقة ممن كان معهم ثم خرج عنهم، قال: كان أبغض رجل إلينا محمد بن عبد الله -أبغض رجل إليهم محمد بن عبد الله- من هو محمد بن الله؟ هو نبينا عليه الصلاة والسلام. فالحاصل إخواني في الله أنه إذا وجد من طوائف من أهل الجاهلية من انتقص الأنبياء وأنكروا الرسالة والنبوة، يوجد كذلك في أمتنا من كان على هذا الحال، وهذا تكذيب لرسل الله. طائفة ثالثة من طوائف أهل الجاهلية من آمن بالأنبياء من آمن بالرسل، إلا أنه آمن ببعض وكفر ببعض، لم يجعل الكل على حد سوى، وإنما يتخير ما شاء، فتجد أن اليهود آمنوا بموسى وبهارون وكفروا بمن عداهم من أنبياء الله، وتجد أن النصارى آمنوا بعيسى عليه السلام على من يقول بنبوة ورسالته، وأما نبينا فقد أنكروا نبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام. وهكذا إن وجد أن أحدا من المسلمين آمن بنبوة نبينا عليه الصلاة والسلام وكفر بموسى وكفر بعيسى، فهذا كذلك تكذيب لرسل الله، فإن من اللوازم الإيمان برسل الله الإيمان بجميع الرسل، بجميع الرسل. فالذي يفرق بين النبي ورسول، فهؤلاء ماذا هم؟ الكافرون حقا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾، لا نفرق بين أحد من رسله، لا نؤمن ببعض ولا نكفر ببعض كما عليه أهل الجاهلية، يؤمنون ببعض الأنبياء كما كان بعض العرب لو ربما آمنوا بإبراهيم عليه السلام، لكن بالمقابل جحدوا غيره. فلا يمكن أن يتم هذا الباب وهذا المسلك يا عبد الله إلا بالإيمان بكل أنبياء الله وبكل رسل الله سبحانه وتعالى. فهذا ما يتعلق بهذا الباب، فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.