التعليق على رسالة ذم قسوة القلب 5

الدرس في التعليق على رسالة ذم قسوة القلب 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مزيلات قسوة القلب: الذكر والقرآن بالتدبر

يذكر ابن رجب أن كثرة ذكر الله بتواطؤ القلب واللسان، وقراءة القرآن بتدبر، من أعظم أسباب إزالة قسوة القلب. ونقل عن السلف خمسة أدوية للقلب أولها قراءة القرآن بالتفكر.

أثر الذكر في جلاء القلب وتجديد الإيمان

يشرح المقطع كيف يصدأ القلب بالغفلة والذنب، ويجلو بالاستغفار وذكر الله، مستشهداً بأقوال ابن القيم وابن تيمية. ويؤكد أن الذكر للقلب كالماء للسمك، وأن الله حث على كثرة ذكره لفوائده العظيمة.

فضل الذكر وأثره في حياة القلوب

يبين المقطع أن ذكر الله تعالى خير الأعمال وأزكاها، مستدلاً بحديث «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت». ويشير إلى أن المحافظة على الأذكار اليومية تجعل العبد من الذاكرين كثيراً، وأعلى مراتب الذكر ما وافق فيه اللسان القلب.

أهمية خلو المجالس من اللغو والرفث

يشدد المقطع على ضرورة تجنب الكلام الباطل والرفث في المجالس لأن ذلك يساهم في صفاء القلوب وزوال قسوتها. ويختتم بالتأكيد على الاكتفاء بهذا التوجيه والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن وآله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وبعد: قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه "ذم قسوة القلب": "قال: وأما مزيلات القسوة فمتعددة أيضا". بعدما فرغ من ذكر أسباب قسوة القلب، ذكر بعد ذلك الأسباب المزيلة للقسوة، يعني من وجد في قلبه قسوة فالذي يزيلها ويذهبها هي هذه الأسباب التي سيذكرها. قال: "فمنها كثرة ذكر الله الذي يتواطأ عليه القلب واللسان". يعني كثرة الذكر ليس باللسان فحسب، بل باللسان وكذلك بالقلب، وذلك بأن يعقله القلب، أن يعقل هذا الذكر ويفهم ما يقوله اللسان، ما يقوله اللسان، فتكون هناك موافقة أو موافقة بين القلب واللسان، بين القلب واللسان. قال المعلى: إن رجلا قال للحسن: "يا أبا سعيد، أشكو إليك قسوة قلبي". قال: "أدنه من الذكر". يعني كن قريبا من الذكر، كن قريبا من الذكر، فهذا الذي يزيل قسوة قلبك. وقال وهب بن الورد: "نظرنا في هذا الحديث فلم نجد شيئا أرق لهذه القلوب ولا أشد استجلابا للحق من قراءة القرآن لمن تدبره". وقوله "لمن تدبره" يوافق ما قاله المؤلف في أول ذكره لهذا السبب، وهو كثرة ذكر الله الذي يتواطأ عليه القلب واللسان. نعم، ولا شك أن القرآن من أعظم الذكر، بل سماه الله عز وجل ذكرا كما في قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾. فلا شك أن كثرة قراءة القرآن مع تدبر وتفهم لما يقرأ من أعظم أسباب إزالة قسوة القلب، إزالة قسوة القلب. وقال: "وقال يحيى بن معاذ وإبراهيم الخواص: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتفكر"، يعني بالتدبر، "وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين". ولا شك أن هذه الخمس الأشياء التي ذكرت من أعظم أسباب إزالة قسوة القلب، وأولها قراءة القرآن بالتفكر، يعني ذكر الله عز وجل بالقرآن. وأما البقية فقد ذكر بعضها في أسباب قسوة القلب ككثرة الأكل، وضده خلاء البطن. وأما قيام الليل فكذلك، ولعلنا ننبه على هذا فيما بعد. قال: "والأصل في إزالة قسوة القلب بالذكر قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾". ومعنى "والأصل" يعني دليل ذلك، الدليل من القرآن على أن كثرة الذكر من أعظم أسباب مزيلات القسوة، هذه الآية: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾. وقال: "وقوله تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾". فلين القلوب إنما يكون بذكر الله سبحانه وتعالى، فمن وجد من قلبه قسوة وصلابة وعدم خشوع فعليه بكثرة الذكر، فعليه بكثرة الذكر، سواء كان الذكر بالقرآن أو بالأذكار الشرعية من التسبيح والتحميد والتهليل، ومن أذكار الصباح والمساء، ومن المحافظة على أذكار المناسبات، كالأذكار أو كذكر الدخول إلى المنزل والخروج منه، أو الدخول إلى المسجد والخروج منه، أو غير ذلك مما جاء في سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وقال تعالى: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق﴾. إذن خشوع القلوب إنما يكون بذكر الله، إنما يكون بذكر الله، ﴿أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾. فذكر ثلاث آيات من أدلة أن الذكر من مزيلات قسوة القلب. قال: "وفي حديث عبد العزيز بن أبي رواد مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذه القلوب تصدأ، إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد». قيل: فما جلاؤها يا رسول الله؟ قال: «تلاوة كتاب الله وكثرة ذكره»". وهذا الحديث كما ذكر، كما ذكر المؤلف رحمه الله، رواية مرسلة، ورواية كذلك مرفوعة عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، ولكن الحديث لا يصح للمرسل منه، ولا كذلك المرفوع، فقد ضعفه العلامة الألباني كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة، بل قال إنه منكر، وذلك برقم ستة وتسعين وستة آلاف. وإن كان ورد بلفظ: «لما قالوا له: فما جلاؤه يا رسول الله؟ قال: كثرة ذكر الموت وتلاوة القرآن وتلاوة القرآن»، وهو بمعنى هذا الحديث، وهو بمعنى هذا الحديث. وورد حديث يحسنه العلامة الألباني، لكنه بلفظ آخر، وهو بعمومه يدل على هذا المعنى، بعمومه يدل على هذا المعنى، أن القلوب تصدأ وتضعف وتقسو، فهي بحاجة إلى ما ينقيها وما يصفيها، فذلك بتجديد الإيمان بذكر الله عز وجل، بتلاوة القرآن، وكذلك التوبة إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا الحديث رواه الحاكم والطبراني، وحسنه العلامة الألباني من حديث عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، كما يخلق الثوب». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم». وأهل العلم يذكرون هذا المعنى في سياق كلامهم على قسوة القلوب، على قسوة القلوب. فقد ذكر ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه "الوابل الصيب" وهو كتاب عظيم جليل في باب الذكر والدعاء، يقول في هذا الكتاب من عباراته الرائعة في هذا الباب، يقول رحمه الله تعالى: "لا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما. قال: وجلاءه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه، حتى يدعه كالمرآة، حتى يدعه كالمرآة البيضاء. قال: فإذا ترك الذكر صدأ، فإذا ذكره جلاه. وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب، وجلاءه بشيئين: بالاستغفار والذكر، بالاستغفار والذكر". ثم استدل بقول الله عز وجل: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا﴾. فذكر سبحانه وتعالى أن سبب غفلة هؤلاء لأنهم أعرضوا عن ذكر الله، ﴿عن ذكرنا﴾، فالذنب يحتاج إلى استغفار، والغفلة تحتاج إلى تنبيه وذلك بذكر الله سبحانه وتعالى. فهذا المعنى، وإن كان الحديث ضعيفا، إلا أن معناه صحيح، إلا أن معناه صحيح. وهكذا ذكر الإمام ابن القيم في هذا الكتاب أثرا عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أنه قال: "لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله عز وجل، وإن جلاء القلوب"، يعني صفاؤها وتنقيتها بذكر الله سبحانه وتعالى، بذكر الله سبحانه وتعالى. وهكذا يقول ابن القيم في هذا الكتاب رحمه الله تعالى، يقول: "فما أذيبت قسوة القلوب بمثل ذكر الله عز وجل"، ما أذيبت هذه القسوة وأزيلت بمثل ذكر الله سبحانه وتعالى. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: "الذكر للقلب مثل الماء للسمك، الذكر للقلب مثل الماء للسمك". فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟ هل تستطيع السمك أن تعيش خارج البحر، خارج الماء؟ ما تستطيع أن تعيش. فكذلك القلب لا يحيا ولا يكون كذلك لينا خاشعا متذللا حيا إلا بذكر الله سبحانه وتعالى، إلا بذكر الله سبحانه وتعالى. وهكذا مع كون الذكر يزيل قسوة القلب، إلا أن الله سبحانه وتعالى قد أمر وحث على كثرة ذكره سبحانه وتعالى، وما ذاك إلا للفوائد العظيمة والكثيرة من فوائد الذكر، حتى أن ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه "الوابل الصيب" أوصل هذه الفوائد إلى مئة فائدة، إلى مئة فائدة من فوائد الذكر، من فوائد الذكر. فإن شاء الله ترجع لتلك الفوائد، فإنها فوائد عظيمة تحثك على كثرة ذكر الله سبحانه وتعالى. فربنا عز وجل في كتابه الكريم قد حث حثا أكيدا على كثرة ذكره سبحانه وتعالى، فقال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا﴾، ﴿اذكروا الله ذكرا كثيرا﴾. وقال سبحانه وتعالى في معرض الثناء على الذاكرين: ﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات﴾، ﴿أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما﴾، وأجرا عظيما. وأما في سنة النبي عليه الصلاة والسلام فقد تكاثرت الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام في بيان ذكر فضل الدعاء، فضل الذكر، وفي الأحاديث الحاثة على ذكر الله سبحانه وتعالى. فمن ذلك ما جاء عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم؟ ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «ذكر الله عز وجل». رواه الإمام أحمد، وصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. انظر إلى هذا الفضل العظيم، عبادة يسيرة، لكن لمن ألهمه الله عز وجل هذه العبادة ووفقه إليها. تقالوا بي ذلكم اللسان الذي لا يكل، ولا كذلك يمل من الكلام، لكن القليل من يوفق إلى أن يذكر الله عز وجل بهذا اللسان. ربما الواحد منا يتكلم في كلام لغو وكلام خال من الذكر الساعات الكثيرة، الساعات الكثيرة، لا تتعب هذه اللسان، ليست مثل اليد أو مثل كذلك العين أو مثل الرجلين، ربما إذا استمرت في عمل ما كلت وملت وتعبت، أما اللسان فهو لا يمل ولا يكل. ولكن الإنسان لا يعني يلهم إلى هذه العبادة الجليلة إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى. فكن على يقظة، وكن على انتباه في أن يكون أكثر كلامك ذكرا لله سبحانه وتعالى. ولذلك يقول العلامة ابن القيم عليه رحمة الله: "يقول: فأما لسان ذاكر، وأما لسان لاغٍ. قال: ولابد من أحدهما، لابد أن تتكلم، فالكلام هذا إما أن يكون بذكر وإما أن يكون بلغو. قال: ولابد من أحدهما. قال: فهي النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. قال: وهو القلب إن لم تسكنه محبة الله سكنه محبة المخلوقين ولابد. ثم قال: وهو اللسان إن لم تشغله بالذكر شغلك باللهو وهو عليك ولابد. فاختر لنفسك إحدى الخطتين، وأنزلها إحدى المنزلتين. فأيهما تختار أخي المسلم؟ تختار أن يكون لسانك لاغيا لاهيا أو ذاكرا شاكرا؟ لا شك أن العاقل اللبيب يختار أن يكون لسانه ذاكرا شاكرا، ذاكرا شاكرا". وهكذا ما جاء في فضل الذكر، ما جاء في صحيح البخاري، ومما يدل على أن الذكر من أعظم أسباب إزالة قسوة القلب وأنه حياة للقلوب، فهذا الحديث يضم في أدلة إزالة قسوة القلب، فهذا الحديث هو حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت، مثل الحي والميت». انظر: الذكر حياة للقلوب، حياة للقلوب. فإذا ترك العبد ذكر الله عز وجل مات قلبه، مات قلبه، وهو معنى حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت». فأكثر أخي المسلم من ذكر الله سبحانه وتعالى. وقد ذكر أهل العلم الضابط في كون العبد يكون ذاكرا، أو يكون من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات، فقالوا: من حافظ على الأذكار اليومية من أذكار الصباح والمساء، ومن الأذكار الخاصة كذلك، من أذكار دخول المنزل والخروج منه، ودخول المسجد والخروج منه، وأذكار النوم، وأذكار كذلك المطر، أذكار كذلك الرعد، أذكار كذلك ماذا يعني اللباس، أذكار الأكل، أذكار الجماع، وغيرها من الأذكار الخاصة الواردة، فهذا يعد من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات. فهي أذكار كثيرة ولله الحمد والمنة جاءت في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ما يتحرك المسلم حركة إلا وقد جاء في السنة من الأذكار ومن الأدعية ما يكون مشروعا في كثير من أعمال المسلم، في أعمال المسلم اليومية. فأنت يا عبد الله تحرص أولا على تلك الأذكار، أذكار الصباح وأذكار المساء، وهكذا في الصيام أذكار، نعم، بعد الإفطار: «ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله». كل ذلك ذكر لله سبحانه وتعالى. وكما تقدم أن أعظم الذكر وأفضل الذكر الذي يكون باللسان والقلب، الذي يكون باللسان والقلب، يعني تتكون موافقة بين اللسان والقلب، بين اللسان والقلب. وقد يكون الذكر باللسان فحسب، وقد يكون بالقلب فحسب، ولكن أعلى ذكر هو الذكر بالقلب واللسان، كما بين ذلك العلامة ابن القيم عليه رحمة الله. فهذا هو السبب الأول مما ذكره المؤلف، وهو أعظم سبب في مزيلات قسوة القلب، وهو ذكر الله عز وجل. ألا فلنكثر من قراءة القرآن، من التسبيح والتهليل والتحميد، من المحافظة على أذكار الصباح والمساء، على أذكار المناسبات. نحرص على أن تخلو مجالسنا من اللغو، ومن كذلك الرفث، ومن الكلام الذي لا فائدة من ورائه. فبهذا تصفو قلوبنا وتذهب قسوتها بإذن الله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.