التعليق على رسالة ذم قسوة القلب 3

الدرس في التعليق على رسالة ذم قسوة القلب 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

كثرة الأكل من أسباب قسوة القلب

يوضح المقطع أن الإكثار من الأكل حتى لو كان مباحاً يزاحم القلب ويضعفه عن العبادة، مستنداً إلى أقوال ابن رجب وأحمد بن حنبل والحديث النبوي. كما يشير الإمام الشافعي إلى ذم الشبع وآثاره السلبية على القلب والبدن.

أضرار امتلاء البطن على القلب والبدن

يبيّن المقطع أن ملء البطن يورث الغفلة وثقل البدن وقسوة القلب، ويمنع الخشوع في العبادة، مستشهداً بقول النبي ﷺ «ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن». ويؤكد الإمام أحمد والأطباء أن الاقتصاد في الأكل يعد من أعظم الأدوية لكثير من الأمراض.

الاعتدال في الأكل والشرب وأثره على الصحة

يشدد المقطع على أن الاعتدال في الطعام والشراب أصل جامع للطب النبوي، وأن الإفراط سبب للأمراض القلبية والبدنية. ويجوز الشبع نادراً لاقتناع النفس، لكن القاعدة العامة هي الاقتصاد والاعتدال.

اتباع وصية النبي لسلامة القلب والبدن

ينبه المقطع إلى أن الإنسان بصير بنفسه، فيجب عليه اتباع وصية النبي محمد ﷺ لضمان سلامة قلبه وبدنه. ويختتم بالتأكيد على الاكتفاء بهذا القدر من الحديث، والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- في كتابه "ذم قسوة القلب"، وفي ذكره لأسباب قسوة القلب: فبعدما ذكر كثرة الكلام بغير ذكر الله، وكثرة الضحك، قال: ومنها كثرة الأكل، ولا سيما إن كان من الشبهات أو الحرام. قال بشر بن الحارث: خصلتان تقسيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل. ذكره أبو نعيم. قال: وذكر المروذي في كتاب الورع: قال: قلت لأبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل-: يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع؟ قال: ما أرى. ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا السبب من أسباب قسوة القلب، وهو كثرة الأكل، والمراد به الأكل المباح. وأما الأكل الحرام فهو محرم، قليله وكثيره، قليله وكثيره. ولكن المراد بكثرة الأكل: أي الأكل الحلال، الأكل الحلال. وقوله: "ولا سيما إن كان من الشبهات أو الحرام"، يعني يشتد الأمر ويعظم إذا كان ذلكم الأكل من الشبهات أو من الحرام. والشبهات: المراد بها الأمور المشتبهة التي لا يدرى أحلال هي أم حرام، فإن الواجب على المسلم أن يجتنبها، بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث النعمان بن بشير، قال عليه الصلاة والسلام: «الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه». والمراد بالحرام: كما هو معلوم، سواء أكان شيء محرم حرمه الله عز وجل كالخمر، أو الخنزير، أو الحمر الأهلية، أو إلى غير ذلك، أو أمر كذلك حرام لغيره كأكل المال المحرم: المسروق، أو الربا، أو إلى غير ذلك، أو إلى غير ذلك. وقوله: "كثرة الأكل"، لأن كثرة الأكل تزاحم القلب، تزاحم القلب، فتضر به، فتضر به. وصدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ يقول في حديث المقداد بن معد كرب عند الإمام أحمد والترمذي، قال عليه الصلاة والسلام: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، شرا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». فهذا الحديث يعد علما من أعلام النبوة، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين في هذا الحديث أن شر وعاء، أن شر وعاء يملأه الإنسان هو بطنه، هو بطنه. لماذا ذلك الامتلاء شر؟ لأن في امتلاء البطن يغشى القلب، يغشى القلب، ففيه ضرر على القلب، وكذلك على الأبدان كما سيأتي. فأما ضرره على القلب، فقد قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: ثلاث هن مهلكة للأنام. قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: قال: «الشبع يثقل البدن، ويزيل الفطن، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة». فلا شك أن هذه الأمور ما يقع فيها الإنسان إلا بسبب امتلاء البطن، مما يؤدي إلى الغفلة، مما يؤدي إلى الغفلة. فإذا امتلأت البطن ثقل الجسد، وفتر البدن، واشتغل الذهن، مما يؤدي إلى الغفلة، والعياذ بالله، إلى الغفلة، والعياذ بالله. ولذلك قال بعض السلف: «من أكل كثيرا شرب كثيرا، فنام كثيرا، فخسر كثيرا». فهو يعني كثرة الأكل مجلبة لكثرة النوم، مجلبة لكثرة النوم الذي يضيع على الإنسان استغلال وقته في طاعة الله سبحانه وتعالى، في طاعة الله سبحانه وتعالى. ولذلك سمعتم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن»، لأن في ذلك ضرر على القلب، وكذلك ضرر على الجسد. ولذلك قال بشر بن الحارث: خصلتان تقسيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل. ذكره أبو نعيم. وقد تقدم معنا الكلام على كثرة الكلام، وكذلك، وكذلك، ها نحن في بيان ضرر كثرة الأكل. وهكذا قال: وذكر المروذي -أو المروذي- في كتاب الورع: قال: قلت لأبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل-: يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع؟ يعني: هل يجد رقة في قلبه، يجد طمأنينة، يجد كذلك لين في قلبه، وهو شبع، يعني وهو شبعان. فقال الإمام أحمد: ما أرى، أي: ما أرى ذلك، ما أرى ذلك. فإن من ملأ بطنه فإنه لا يشعر بتلك الرقة، وبذلك اللين في قلبه، وبذلك اللين في القلب. والواقع يشهد بذلك، فتجد الإنسان إذا ملأ بطنه تثقل عليه العبادة، وربما جاء إلى الصلاة وهو يلهث. لماذا؟ لأن النفس لا يجد له متسع، البطن قد امتلأت بالطعام والشراب، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». فأنت إذا أملأت البطن جميع الأثلاث الثلاثة بالطعام والشراب، فهل سيبقى متسع للنفس؟ ما سيبقى متسع. فلذلك تأتي إلى الصلاة وأنت تلهث، وتضطرب، ولا تشعر بالرقة، ولا باللين، ولا بالخشوع، فيؤثر ذلك على القلب، فيؤثر ذلك على القلب. يقظة أخي المسلم في هذا الشهر المبارك، وعند الإفطار، فاحذر أن تملأ بطنك حتى تأتي إلى صلاة العشاء وأنت ثقيل البدن، وأنت كذلك كثير النفس، فلا تستطيع أن تتأثر بما تسمع من آيات الله سبحانه وتعالى. فامتلاء البطن كما سمعتم يضر على القلب ضررا بالغا، فعليك أن تأخذ بوصية نبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». فتأكل بقدر، وتشرب بقدر، وتترك متسعا للنفس. النفس أيضا يحتاج إلى ثلث، فلا تملأ ثلث النفس. فلذلك يضر بك هذا الامتلاء، يضر بك هذا الامتلاء. ومع كون امتلاء البطن ضرر، أو ضررا على القلب، فكذلك ضرر على البدن، ضرر على البدن. وضرر القلب أعظم من ضرر البدن، ولكن ينبغي للمسلم كما أنه يحرص على سلامة وصحة قلبه، فكذلك يحرص على سلامة وصحة بدنه. فقد جاء عن الأطباء أن هذا الحديث، حديث المقداد بن معدي كرب، يعد من أعظم، من أعظم الدواء لكثير من الأمراض، لكثير من الأمراض. ولذلك يقول ابن رجب الحنبلي -صاحب هذه الرسالة- في شرحه لهذا الحديث، في شرحه لبعض الأحاديث الجامعة: قال: «هذا الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها، لأصول الطب كلها». فلو أخذ بها أهل الإسلام لما وجدت تلك الأمراض المنتشرة والكثيرة فيما بينهم. ولذلك لما قرأ هذا الطبيب المشهور هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت دكاكين الصيادلة، ولتعطلت دكاكين الصيادلة». يعني: لم يحتج الناس إلى أن يذهبوا إلى المستشفيات، ولا إلى الصيدليات، إذا أخذوا بهذا الحديث، إذا أخذوا بهذا الحديث. أنت الآن تذهب مثلا عند الطبيب تشكو من مرض السكر، ارتفاع السكر، أو من مرض ارتفاع الضغط، ضغط الدم، أو إلى غير ذلك، فأول نصيحة يسديها لك يقول لك: كل باعتدال، كل باعتدال. يقول لك: أنا ما أمنعك من اللحم، ولا كذلك من الأرز، ولا من الرغيف، ولكن كل باعتدال. وهو حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه»، لنفسه. قال: وكذلك قال الحارث بن كلدة طبيب العرب: قال: «الحمية رأس الدواء». الحمية: يعني أن تأكل بقصد واعتدال، رأس الدواء، هي الدواء. قال: «والبطنة رأس الداء». هذه عبارة مشهورة عن هذا الطبيب العربي المشهور، عن هذا الطبيب العربي المشهور. فانظروا كيف أن كثرة الطعام ليست ضررا على القلوب فحسب، بل كذلك ضرر على الأبدان، ضرر على الأبدان. وقال ابن الرومي في بيت له جميل: قال: «فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب، يكون من الطعام أو الشراب». وجاء كذلك أبيات رائعة في هذا الباب للإمام الشافعي، إذ يقول -رحمه الله تعالى-: «ثلاث هن مهلكة الأنام، وداعية الصحيح إلى السقام: دوام مدامة، ودوام وطء، وإدخال الطعام على الطعام». يعني: تدخل الطعام على الطعام حتى تمتلئ البطن، حتى تمتلئ البطن. فكما تقدم: كثرة الطعام مفسدة للقلوب، وكذلك للأبدان. فينبغي للمسلم أن يكون معتدلا في أكله وشربه. وكذلك لا يمنع ذلك أن يشبع أحيانا، ليس على وجه الاستمرار. واستدل العلماء على ذلك بما جاء في حديث أبي هريرة، لما أعطى النبي عليه الصلاة والسلام اللبن، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة: «اشرب». قال: فشربت. فقال: «اشرب». قال: فشربت. فقال: «اشرب». فقال: يا رسول الله، لا أجد له مسلكا. فحمل أهل العلم ذلك الحديث على الندرة، حتى قال العلماء: والحكمة من ذلك حتى تقنع النفس. فإن النفس إذا رأت الطعام الطيب ولم تأكل منه ما يشبعها، ربما تعلقت بذلك الطعام. ولكن إذا أخذت منه حاجتها قنعت، يعني: لم تتعلق بذلك الطعام، لم تتعلق بذلك الطعام. فلا بأس أحيانا أن يشبع الإنسان، ولكن على سبيل الندرة. والإنسان بصير نفسه، الإنسان بصير نفسه، فيرى ويعلم من نفسه ما يكون سببا في ما يضره من ذلك الطعام، فيشعر بذلك، يشعر الإنسان إذا ملأ بطنه يشعر بالثقل، ويشعر ربما بالأمراض والأوجاع، ويشعر بهذا الضرر الذي سببه كثرة الطعام. فالإنسان بصير نفسه، فينبغي عليه أن يأخذ بوصية نبيه، كي يسلم له قلبه، ويسلم له بدنه، ويسلم له بدنه. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.