الدرس في التعليق على رسالة ذم قسوة القلب 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المحور أن الإكثار من الكلام المباح الخالي من ذكر الله يُعد من أبرز أسباب قسوة القلب، مستدلاً بآية ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ومفهوم المخالفة. ويحذر من أن هذا الكلام وإن لم يكن محرماً في ذاته، إلا أن كثرته تجر صاحبه إلى الحرام وتورث القلب القسوة والبعد عن الله.
يؤكد المحور على وجوب اتباع وصية النبي صلى الله عليه وسلم بقول الخير أو الصمت، محذراً من كثرة الكلام بغير ذكر الله لما تجره من سقطات وندامة. ويدعو إلى تعطر المجالس بالذكر والصلاة على النبي، مبيناً أن نقض العهد الخاص الذي يعاهده العبد مع ربه موجب للّعن وقسوة القلوب.
يشرح المحور كيف أن نقض العهود الخاصة - كعهد أهل الكتاب باتباع النبي - والعامة مع الله يُورث قسوة القلب، مستدلاً بآيات قرآنية وكلام ابن عقيل. ويذكر من أسباب قسوة القلب أيضاً كثرة الضحك استناداً إلى حديث نبوي.
يذكر المحور أن الحديث صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة والوادعي في مسند أبي هريرة، مما يجعله حديثاً ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم. كما يشير إلى أن الحديث رُوي عن الحسن موقوفاً ومرفوعاً.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه «ذم قسوة القلب»: «وأما أسباب القسوة فكثيرة»، بعدما ذكر الأدلة على ذم القسوة وخطورة ذلك على القلب، بيّن الأسباب الجالبة لتلك القسوة؛ كي يحذرها المسلم ويبتعد عنها. وقال: وقوله: «ف كثيرة»، ما ذكره وما سيأتي ذكره إنما هو بعض تلك الأسباب، فليس على سبيل الحصر، وإنما على سبيل المثال. قال: «ومنها: كثرة الكلام بغير ذكر الله»، كما في حديث ابن عمر السابق. وقد تقدم أن هذا الحديث لا يثبت، ولكن معنى هذا الحديث، خصوصًا المعنى الأول منه، صحيح، يدل عليه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، ف مفهوم المخالفة: أن بغير ذكر الله تقس القلوب، والعياذ بالله. وقوله: «كثرة الكلام بغير ذكر الله»، المراد بالكلام هنا: الكلام المباح، الكلام المباح الذي ليس فيه محرم، ما فيه غيبة، ولا فيه نميمة، ولا فيه كذب، ولا فيه سب، ولا فيه شتم، وإنما هو الكلام المباح الذي هو خال من ذكر الله، فكثرته مما يقسي القلب. ولذلك لم يقل: «الكلام بغير ذكر الله»، وإنما وصف هذا الكلام بالكثرة، فقال: «كثرة الكلام بغير ذكر الله»، بغير ذكر الله. وكما قيل: «من كثر كلامه كثر سقطه»، فربما ذلكم الكلام المباح الذي هو خال من ذكر الله يجر صاحبه إلى الحرام، يجر صاحبه إلى الحرام، فلذلك: من كثر كلامه كثر سقطه. وهذا يدلك على خطورة اللسان، على خطورة اللسان. فانظر: اللسان ربما تقع في محرم، وربما تقع في مباح، لكن هذا المباح، والعياذ بالله، يجر عليه ذلكم المرض، ألا وهو قسوة القلب، ألا وهو قسوة القلب، خصوصًا إذا كثر هذا الكلام من المتكلم، إذا كثر هذا الكلام من المتكلم. فعليك -أخي المسلم- أن تأخذ بوصية نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، القائل: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، فليقل خيرًا أو ليصمت. فالكلام المباح الذي هو بغير فائدة، وبغير كذلك ذكر وطاعة، فالسكوت هو الأسلم، السكوت هو الأسلم. وليس معنى هذا أن المسلم لا يتكلم بالكلام المباح، من مؤانسة صديق، أو من كذلك محادثة، يعني: قريب، أو إلى غير ذلك، ولكن المراد بهذا: كثرة الكلام بغير ذكر الله، أن يجلس المرء الساعات الطوال وهو يثرثر، وهو يثرثر في المجلس، ويتكلم بغير ذكر الله سبحانه وتعالى، فإن من كثر كلامه كثر سقطه. ثم إن الكلام بغير ذكر الله حسرة وندامة على أصحاب تلك المجالس، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ما من قوم يجلسون مجلسًا لا يذكرون الله فيه، ولا يصلون على النبي عليه الصلاة والسلام، إلا قاموا على مثل جيفة حمار، إلا قاموا على مثل جيفة حمار». فعطر مجالسك -أخي المسلم- بذكر الله، وبالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا هو السبب الأول. قال: «ومنها: نقض العهد مع الله تعالى». قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾. ونقض العهد على نوعين: النوع الأول: كل ما أمرك الله به من امتثال الأوامر والانتهاء عن النواهي، فهذا يسمى «العهد العام»، وليس هو المراد في قوله: «نقض العهد»، وإنما المراد: «العهد الخاص»، وهو أن يعاهد المرء ربه بأمر، ثم لا يفي بذلك العهد، لا يفي بذلك العهد، فيخلف عهده، كأن يكون قد عاهد الله بصدقة، أو بنذر، أو بترك عمل، ثم بعد ذلك ينقض عهده وينكث وعده. فهذا هو المراد بذلك، لأن الآية جاءت في معرض الكلام على أهل الكتاب، وأهل الكتاب قد قالوا وعاهدوا أنه إذا جاء الرسول فإنهم سيتبعونه وسينصرونه، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فهم نقضوا العهد الخاص، وهو أنهم عاهدوا الله: لإن جاء هذا الرسول ليتبعنه ولينصرنه، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نبذوا هذا العهد ونقضوا هذا العهد. ومما يدل على هذا العهد الخاص أيضًا: قوله تعالى حاكيًا عن أهل النفاق، ممن وصفوا وعرفوا بنقض العهد والميثاق، فقال سبحانه وتعالى حاكيًا عن بعضهم: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾. فعاهدوا الله: لئن أنعم الله عليهم ورزقهم ورزقهم ليصدقن، فلما أعطاهم الله عز وجل من فضله، بخلوا، ولم يوفوا بما عاهد الله عليه. فهكذا ينبغي للمسلم إذا عاهد عهدًا مع الله سبحانه وتعالى أن يفي به، وأن كذلك يقوم به، سواء كان من صدقة، أو نذر، أو هبة، أو عطية، أو إلى غير ذلك مما يعاهد المرء عليه ربه. قال ابن عقيل يومًا في وعظه: «يا من يجد في قلبه قسوة، احذر أن تكون ناقض عهد، فإن الله يقول: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾»، استدل بهذه الآية، فلربما يكون سبب قسوة قلب العبد: نقض العهد الذي عاهد الله سبحانه وتعالى عليه. وأما العهد العام، فيدخل في المعاصي، وسيأتي من تلك الأسباب: أسباب قسوة القلب، كثرة المعاصي، وسيذكر أدلة ذلك المؤلف رحمه الله تعالى. قال: «ومنها» -أي: من أسباب قسوة القلب-: كثرة الضحك. ففي الترمذي، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب». وهذا الحديث صححه العلامة الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة»، المجلد الثاني، برقم ثمانية عشر، وكذلك صححه العلامة الوادعي رحمه الله تعالى في «مسند أبي هريرة»، في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين»، فهو حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقال: «روي عن الحسن قوله»، يعني: روي موقوفًا، وروي كذلك مرفوعًا. قال