الدرس في وقفات مع آيات الصيام 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يفسر المقطع آية ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ﴾ بأنها تدل على السكن والمباشرة بين الزوجين في ليالي رمضان، مبيناً سبب نزول الرخصة بعد أن كان الصحابة يخونون أنفسهم. ويوضح أن الأكل والشرب والنساء حلال من غروب الشمس حتى تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود عند الفجر الصادق.
يشرح المقطع أن آية "حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود" كانت مجازاً لبياض النهار وسواد الليل، وأن بعض الصحابة فهموها حرفياً فربطوا خيوطاً بأرجلهم. فنزلت عبارة "من الفجر" لتوضيح المراد، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء لعذرهم في الاجتهاد.
يُعذر الصائم إذا اجتهد في معرفة وقت الفجر بأسباب شرعية متاحة له وأخطأ غير مفرط، أما المفرط الذي لم يتحرَ الوقت فيفسد صومه. ويجوز لأهل الاجتهاد العمل بظاهر الآية مع الاستفسار للتثبت، كما فعل الصحابي عدي بن حاتم حين استشار النبي صلى الله عليه وسلم.
يؤكد المقطع على وجوب سؤال أهل العلم عند الوقوع في حرج أو شك في أمر شرعي وعدم اليقين بحكمه، بدلاً من الاستمرار في العمل بلا دليل من الكتاب أو السنة. وينهي بالتأكيد على التوقف عند هذا الحد والعلم عند الله.
الحمد لله، وصلى الله عليه وسلم، ورسول الله، وعلى آله وصحبه، وعلى آله وصحبه، وعلى. أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: ثم قال عز وجل: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ﴾ [البقرة: 187]. ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ﴾ [البقرة: 187]. ومعنى هذا: أن الله عز وجل أحل للصائمين بعد ذلك النساء منذ الإخطار إلى قبيل الفجر. فإذا طلع الفجر الصادق حرم عليهم الأكل والشرب والنساء. وقوله تعالى: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ﴾، أي: هن سكن لكم وأنتم سكن لهن. فالإنسان أو الزوج يكون مع زوجته في مضجع واحد، في فراش واحد، فهي كاللباس له، فهي كاللباس له. ولذلك قال بعد ذلك: ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾. ومعنى "تختانون أنفسكم": يعني تخونون أنفسكم، فتقعون في ذلك الأمر وتخالفون ما نهيتم عنه بسبب عدم صبركم على النساء. وذلك في أول الأمر، لما جعل الله عز وجل الرخصة في النساء للصائم منذ الإخطار، ما لم ينم الصائم أو يصلي العشاء. فكان بعضهم ربما نام وقام وأتى أهله، أو ربما صلى العشاء وأتى أهله. فهذا معنى قوله: ﴿ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾، يعني: تخونون أنفسكم. ثم قال عز وجل: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ﴾، يعني: مع أنكم وقعتم في ذلك المحظور، إلا أن الله عز وجل بعد نزول هذه الرخصة، وجعل هذا الأمر إلى طلوع الفجر، فقد عفى الله عز وجل عما سلف ممن وقع في ذلك الأمر مما في مخالفة لأمر الله سبحانه وتعالى. ثم قال عز وجل: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾ [البقرة: 187]. ومعنى هذا: أي جاءت الرخصة في الأكل والشرب والنساء من غروب الشمس، وهو المعبر عنه بالخيط الأسود. ﴿ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ﴾، المراد به ما يقع في طلوع الفجر، الفجر الصادق، الفجر الصادق. أي أنه رخص لكم إلى الفجر، إلى طلوع الفجر، إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل. وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود، يعني: عبر عن ظلام وسواد الليل بالخيط الأسود، وعن ضياء الصباح بالخيط الأبيض، بالخيط الأبيض. ثم رفع اللبس بقوله: ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾. ولذلك كان قبل نزول لفظة "من الفجر" فهم بعض الصحابة الآية على ظاهرها، فظن بعضهم أن المراد أن يضع خيطًا أسود وخيطًا أبيض، فإذا تبين الخيط الأبيض ورآه واضحًا فهذا هو المراد بما ورد في الآية. كما جاء ذلك في عدة أحاديث، منها حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه، أنه قال: «أنزلت: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ﴾، ولم ينزل "من الفجر" في أول الأمر، لم ينزل "من الفجر"، وإنما ﴿ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ﴾. قال: وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، حتى يتبين له رؤيتهما. فأنزل الله بعد: ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾، فعلموا أن المراد بذلك سواد الليل وضياء الصباح». والحديث هذا في صحيح البخاري، وهذا الحديث في صحيح البخاري. وجاء كذلك عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ﴾، قال: عمدت إلى عقالين، يعني إلى خيطين، أحدهما أسود والآخر أبيض. قال: فجعلتهما تحت وسادتي، جعلها تحت الوسادة، فجعلتهما تحت وسادتي. قال: فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت. فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالذي صنعت، فقال: "إن وسادك إذا لعريض، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل"». وهذه الأحاديث فيها أن الشخص قد يفهم فهمًا غير المراد، غير المراد، فبسبب هذا التأويل يُعذر، يُعذر بسبب هذا التأويل. فهؤلاء الصحابة، هل أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يعيدوا الصيام؟ لم يأمرهم بذلك، مع أنهم يعني ربما يعني أكلوا وشربوا حتى بان الفجر بيانًا واضحًا. لأنه متى سيتبين الخيط الأبيض؟ إذا ظهر، إذا ظهر يعني البياض، بياض النهار وضياء النهار بيانًا واضحًا، بيانًا واضحًا. لأنهم فهموا هذا الفهم، فاستدل أهل العلم بهذا على أن من فعل أمرًا من أمور الصيام، ولربما يكون متأولًا أو جاهلًا، يُعذر بجهله كهذه الحالة. ومثالًا، ومثالًا: إنسان ما عنده ما يستدل به على طلوع الفجر، فاجتهد، فظن أن الليلة لا يزال باقيًا، لا يزال باقيًا، فأكل وشرب. فبينما هو يأكل ويشرب إذ سمع الناس يصلون، معنا أنه قد أذن الفجر قبل أن يأكل، قبل أن يأكل. ففي هذه الحالة يُعذر بجهله، لأنه اتخذ مستطاعًا من الأسباب الشرعية في معرفة الوقت، فلم يستطع، فاجتهد، ولم يكن مفرطًا. أما إذا كان مفرطًا، فأهل العلم قالوا: يفسد صيامه. إنسان مثلًا قام ومباشر ذهب، قام من النوم مباشر ذهب إلى الثلاجة وشرب وأكل، ثم تبين له أن الفجر قد طلع. لكن ماذا؟ لم يتخذ الأسباب في معرفة الوقت، ولم يسعَ في الاجتهاد في ذلك، ففرط، فرط لشهوة في نفسه يريد أن يأكل أو أن يشرب. لكن الإنسان إذا غفل مثلًا وقام ولم يدرِ الوقت، يتحرى. والآن ولله الحمد الساعات موجودة، والتقاويم موجودة، والجيران موجودون، والاتصالات موجودة، فيستعين بأي وسيلة من تلك الوسائل التي تعينه على معرفة الوقت الصحيح، على معرفة الوقت الصحيح. وفي هذا الحديث أيضًا جواز الأخذ على ظاهر الآية، على ظاهر الآية، لمن كان أهلًا لذلكم الاجتهاد، وليس لكل أحد، وليس لكل أحد. فهؤلاء الصحابة كانوا من أهل العلم، كانوا من أهل العلم، ومع هذا استفسروا وسألوا النبي عليه الصلاة والسلام. فكما سمعت في حديث عدي بن حاتم، ذهب إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخبره باجتهاده، كأنه يعني لم يطمئن إلى ذلك الاجتهاد، لم يطمئن إلى ذلك الاجتهاد، فأراد التثبت وأراد التأكد، فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بصنيعه، فبين له النبي عليه الصلاة والسلام خطأ ما فعل، وأن المراد بهذه الآية هو خلاف ما فهم هذا الصحابي الجليل، رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين. وفي هذا: سؤال أهل العلم، أمر رأيت فيه حرجًا أو شكت فيه، ولم تكن متيقنًا من الحكم الشرعي فيه، فتسأل أهل العلم، تسأل أهل العلم، ولا تستمر في هذا الأمر الذي لم يكن مستندًا إلى دليل شرعي من كتاب الله أو من سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.