الدرس في شرح نزهة النظر 10، ألقاها
يناقش هذا الفصل حكم زيادة الثقة في رواية الحديث، حيث تُقبل إذا لم تكن منافية لرواية الأوثق، وإلا يُرجع إلى الترجيح بين الروايات. يُفصل أيضًا في كيفية التعامل مع زيادات الثقات في الأسانيد والمتون.
يتناول هذا الفصل تعريف الشاذ والمنكر في مصطلح الحديث، حيث يُعرّف الشاذ بأنه رواية الثقة التي تخالف رواية من هو أولى منه، والمنكر بأنه رواية الضعيف التي تخالف رواية الثقات. يُوضح أيضًا الفروق بينهما.
يشير هذا الفصل إلى عدم العيب على من استقر على رأي قبل استقرار الاصطلاح عليه، مما يدل على مراعاة التدرج التاريخي للآراء والاصطلاحات الشرعية.
بسم الله الرحمن الرحيم فهذه تُقبل مطلقًا؛ لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة، ولا يرويه عن شيخه غيره. وإما أن تكون منافية، بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى، فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها، فيُقبل الراجح ويُرد المرجوح. وما اشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذًا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه. والعجب ممن أغفل ذلك منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح، وكذا الحسن. والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني وغيرهم، اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها. ولا يُعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد: قوله رحمه الله تعالى: «وزيادة راويهما» أي: صحيح هو الحسن، مقبولة ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة. هذه المسألة، وهذا المبحث، يسميه ويسميه العلماء، علماء مصطلح الحديث وعلماء الحديث، «بزيادة الثقة». وصورته: أن يروي جماعة حديثًا واحدًا بإسناد واحد ومتن واحد، فيزيد بعض الرواة فيه زيادة لم يذكرها بقية الرواة. هذا هو تعريف الزيادة، أو «زيادة الثقة»: أن يروي جماعة حديثًا واحدًا بإسناد واحد، أن يشترك الجماعة في رواية ذلك الحديث الواحد بالإسناد الواحد، ثم يزيد أحد الرواة زيادة لم يذكرها غيرهم، أو لم يذكرها غيره. فما حكم هذه الزيادة في المسألة؟ أقوال ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، أشهرها القول بأنها مقبولة مطلقًا، وهذا قول الفقهاء والأصوليين. القول الثاني: بأنها تُقبل إن تعدد المجلس، ولا تقبل إن التحديث في مجلس واحد. كيف؟ إذا تعدد المجلس، بمعنى أن التلاميذ إذا كانوا سمعوها هؤلاء في مجلس، وسمعها صاحب الزيادة في مجلس آخر، فإنه يُقبل. وأما إذا كانوا جميعًا في مجلس واحد، وزاد أحد، فإنها لا تقبل. ومنهم من قال: بأن زيادة الثقة مقبولة إذا كانت موافقة لرواية الأصل، وإن كانت منافية فغير مقبولة، أي: يُرجع فيها إلى الترجيح. والقول المشهور عن العلماء، أو عن كثير من أئمة الحديث: العمل بالترجيح مطلقًا، أي: زيادة موافقة أو منافية، اعتبار الترجيح مطلقًا. وهذا هو الأقرب، وهو الذي نقله الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عن الأئمة المذكورين. مع التنبيه على أن هذا الأصل، أو هذه القاعدة في هذا الباب، لا استثناءات كغيرها من القواعد، بمعنى أن زيادة الثقة الأصل فيها أنه يعتبر فيها بالترجيح. ويُستثنى من ذلك صور، مثل: أن يكون صاحب الزيادة إمامًا من الأئمة الحفاظ، فمثل هؤلاء يعني الأئمة الحفاظ المتقنين، فمثل هؤلاء صنيع العلماء رحمهم الله تعالى أنهم يتعاملون معها على تفصيل المذكور عن الحافظ ابن حجر. أي: إذا كانت موافقة، أو كانت في معناها، أو قل: لا تنافيها، فإنها تكون مقبولة. وإذا كانت تنافيها، أي: بحيث أن إثبات إحدى الروايتين تكون ناقضة للأخرى، في هذه الحالة يُرجع فيها إلى الترجيح. مع التنبيه أيضًا أن العلماء رحمهم الله تعالى يقسمون الزيادات إلى ثلاثة أقسام: الزيادات إلى ثلاثة أقسام: زيادة هي موافقة للأصل، كالحديث الذي يروى بالمعنى، فهذه مقبولة. وعليها يتنزل كلام الحافظ رحمه الله تعالى ابن حجر. الحالة الثانية: أن تكون مردودة، وهذه إذا كانت منافية لأصل الحديث، بحيث أنه إذا قُبلت إحدى الروايتين رُدت الأخرى، فها هنا يُرجع إلى الترجيح. الحالة الثالثة: ما كان موافقًا باعتبار، ومخالفًا باعتبار آخر، أو قل: إذا كانت الرواية موافقة لرواية الأصل باعتبار، ومخالفة لها باعتبار آخر، كالخاص مع العام، والمقيد مع المطلق. الخاص مع العام باعتبار هو ماذا؟ موافق، وباعتبار آخر هو منافي؛ لأنه يخرج العموم عن عمومه ويخصصه، فيخرج صور، يخرج العموم عن حقيقته فيخصصه. وكذلك المطلق مع المقيد واضح. فمثل هذا الباب هو الذي وقع فيه الخلاف، وأشد ما وقع الخلاف في مثل هذا. فمن رأى أنه من باب الموافق ألحقهم بالأول، ومن رأى أنه من باب المخالف ألحقه بالثاني. وهذا في الغالب يكون محل اجتهاد. والغالب أن في مثل هذه الروايات كذلك يُعمل فيها ما تقدم ذكره من أن الراوي إذا كان إمامًا حافظًا متقنًا، فإنه يُمشى حديثه وروايته. وما نزل على ذلك، يعني: كان صدوقًا، كان ثقة، ليس بالحافظ، ها هنا يُرجع فيه إلى الترجيح، فيُقبل الراجح ويُرد المرجوح. والله تعالى أعلى وأعلم. هذا خلاصة هذه المسألة، وهي تعد من أكبر مسائل علم المصطلح من حيث النظر، من حيث التأمل، من حيث الحكم، فهي من أشدها. لذا تجد العالم الواحد ربما اختلف اجتهاده في الرواية الواحدة، والعلماء ربما تختلف أنظارهم في الرواية الواحدة: هل هي من قبيل الأول؟ هل هي من قبيل الثاني؟ فيحصل ما يحصل من الخلاف بسبب ذلك. ولعل الله تبارك وتعالى ييسر لنا في درس آخر وأكبر وأوسع من هذا الكتاب، يبين هذا الأمر بأمثلته، بأوضح من ذلك، بإذن الله عز وجل. قوله رحمه الله: «وزيادة راويهما» أي: راوي الحديث الصحيح والحسن، مقبولة ما لم تقع منافية على التفصيل السابق. واضح أن الثقة على كم أقسام؟ على ثلاثة أقسام. قال: «لرواية من هو أوثق منه ممن لم يذكر تلك الزيادة». قال: لأن الزيادة إما أن تكون منافية، وإما أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها، فهذه تُقبل مطلقًا. أي: تُقبل مطلقًا. هذا علقه الأول، أمر واضح. وعلقه الثاني على التفصيل السابق. قال: لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به ثقة، هو لا يرويه، ولا يرويه عن شيخه غيره. وإما أن تكون منافية، بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى، أي: إذا ثبت إحدى الروايتين رُدت الأخرى. فهنا ما حكمها؟ قال: فهذه التي يقع فيها الترجيح بينها وبين معارضها، فيُقبل الراجح ويُرد المرجوح. ثم ذكر ما اشتهر عن بعض العلماء بالقول بأنها تُقبل مطلقًا، وهذا القول كما سمعتم أنه منسوب إلى الفقهاء والأصوليين. أما المحدثون فلا. ثم ذكر تعجبًا، فقال: «والعجب ممن أغفل ذلك منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح، وكذا الحسن». أي: كيف ينفي الشذوذ ثم يقول بأن زيادة الثقة ماذا؟ مقبولة مطلقًا. واضح. زيادة الثقة مقبولة مطلقًا، لكن هذا قد يُجاب عن هؤلاء، أي: عن الأصوليين الفقهاء، بجوابين: الأول أن يقال: بأن هؤلاء في حالة كون الحديث منافيًا للحديث الآخر تمامًا، هذا لا يُقبل؛ لأنه بثبوت أحد الروايتين نفي للأخرى، ففي مثل هذه الحال لا بد لهم أن يردوا الرواية المنافية. الأمر الثاني: على التسليم بأنهم يقبلونها مطلقًا على هذا الإطلاق، يقال: بأن الشاذ قد يكون باعتبار الإسناد لا باعتبار المتون، لا باعتبار زيادات المتون. يعني: مثلًا حديث روي بإسناد مسند، وآخر مرسل، فإذا رُجح المسند على المرسل، الأمر واضح. وإذا رُجح الآخر، يقال: بأن الآخر ماذا؟ الشاذ، فيكون هناك شذوذ باعتبار الإسناد. إلا أن يقال: بأن هؤلاء، يعاملون المتون والأسانيد بالسواء. وهذا هو الظاهر من عمل الأصوليين، يعاملون الإسناد والمتن سواء من حيث الزيادات. فعلى هذا يكون ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى تعجبًا، وإلزامًا هو لازم لهم. يعني: معنى هذا: أن زيادات الثقات لما يقول قائل: لما يقول الإمام، لما يقول العالم: «زيادة الثقة»، فالمقصود فيها زيادة في ماذا؟ في المتون. الزيادة في المتون. أما ما يقع الخلاف فيه في الإسناد، فلا يُقال: «زيادة الثقة». فلا يُقال فيه: «زيادة ثقة». يعني: إسناد رواه مثلًا أئمة مرسلًا، وخالفهم ثقة من الثقات فرواه ماذا؟ من «زيادة الثقة». والثقة مقبول. الأصوليون يعاملون هذه المعاملة، يقولون: «الزيادة من الثقة مقبولة»، فيمشون. أما المحدثون فلا يعاملونه هذه المعاملة. المحدثون رحمهم الله تعالى في الأسانيد يعتبرون الترجيح مطلقًا، يعتبرون ترجيحًا مطلقًا، فيقبلون الراجح ويردون المرجوح. بخلاف المتون، فإنه على التفصيل السابق. المتون على التفصيل السابق. فيفرقون بين المتون وبين الأسانيد. قال رحمه الله: «وأعجب من ذلك إطلاق كثير من الشافعية القول بقبول زيادة الثقة، مع أن نص الشافعي يدل على غير ذلك». فإنه قال في أثناء كلامه على ما يعتبر به حال الراوي في الضبط: «المنصوص، ويكون إذا أشرك أحدًا من الحفاظ لم يخالفه، فإن خالفه فأجد حديثه أنقص، كان في ذلك دليل على صحة مخرج حديثه. ومتى خالف ما وصفته أضر ذلك بحديثه». انتهى كلامه. ومقتضاه: أنه إذا خالف فأجد حديثه أزيد، أضر ذلك بحديثه. فدل على أن زيادة العدل عنده لا يلزم قبولها مطلقًا، وإنما تُقبل من الحفاظ. فإنه اعتبر أن يكون حديث هذا المخالف أنقص من حديث من خالفه من الحفاظ، وجعل نقصان هذا الراوي من الحديث دليلًا على صحته؛ لأنه يدل على تحريه. وجعل ما عدا ذلك مضرا بحديثه، فدخلت فيه الزيادة. فلو كانت عنده مقبولة مطلقًا لم تكن مضرة بحديث صاحبها. والله أعلم. وهذا من الحافظ رحمه الله تعالى إلزام للشافعية وغيرهم من الفقهاء والأصوليين ممن يقول بقبول زيادة الثقة مطلقًا: بأن الشافعي رحمه الله نص الشافعي: أن الراوي يعتبر في روايته، فما زاد على الثقات لم تُقبل. فدل على أن زيادة الثقة ليست بمقبولة مطلقًا. قال: «لكن قد لا يسلم له هذا الاستدلال». وإن كان المقال صوابًا، المقال صواب. لكن حيث الاستدلال بكلام الشافعي على زيادة الثقة، فإن كلام الشافعي رحمه الله تعالى عند التأمل فيه، يجد الإنسان نفسه بأنه لا يدل على مسألة زيادة الثقات، ولا يتكلم عليها. وغاية ما يقال في كلام الشافعي رحمه الله تعالى: أن الراوي تعرف عدالته بسبب روايته ومقارنتها برواية الثقات. فإن وافقهم، أو نقص عنهم، دل على أنه ممن تُقبل روايته، ويدل على حفظ وإتقانه. وإن كان يخالفهم ويزيدهم في روايته، فهذا يدل على أنه ليس بمقبول، ليس بثقة. فالكلام على معرفة حال الراوي، ليس الكلام على زيادة الثقة. فهو في هذه الحال لم تتحقق ماذا؟ لم تتحقق أهليته، ولم تتحقق ثقته. واضح. الحاصل: أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى الآن يقول: تتحقق ويثبت تثبت على الراوي، وأنه ممن يُقبل حديثه، إذا وافق الثقات، ولو نقص عنهم أحيانًا لا يضر؛ لأنه يدل على التحري. لا أن يزيد عليهم ويخالفهم. إذا زاد عليهم وخالفهم، يدل على أنه ليس بثقة. واضح. وإذا كان ليس بثقة، فروايته ماذا؟ ليست بمقبولة. لا أنه ثقة وزاد. ففرق بين الصورة والصورة. واضح يا أخوة؟ الكلام ها هنا على الراوي: متى يكون ثقة؟ لا على الراوي الثقة إذا زاد. ففرق بين المسألة والمسألة. قال رحمه الله: «فإن خولف فأي الراوي بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات، فالراجح يقال له: «وجوه ترجيحات»، أي: قراءة ترجيحات، قصد بها القراءة الطارئة على الحديث، سواء كانت من ذات الحديث أو كانت خارجة عن الحديث». قال: «فالراجح يقال له: المحفوظ، ومقابله وهو المرجوح يقال له: الشاذ». يعني: في قوله: «فإن خولف فأي الراوي بأرجح منه». الراوي أي: المقبول، الثقة أو الصدوق. إذا خولف فأرجح منه ثقة أو عددًا. قال: «لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات». وجوه الترجيحات مثل ماذا؟: كان يكون ثقة، وثقة رويا حديثًا عن شيخ ما، فزاد أحدهما زيادة. الذي زاد وإن كان ثقة، إلا أنه في هذا الشيخ الآخر أثبت منه. واضحة. فهم: ثقة وثقة عن شيخ واحد، زاد أحدهما زيادة، والآخر لم يزد هذه الزيادة. نظرنا إلى الذي لم يزد، رأيناه بأنه ماذا؟ أثبت الناس في ذلك الشيخ، فتكون هذه قرينة على ماذا؟ على أن رواية الذي لم يزد محفوظة، ورواية الذي زاد ليست بمحفوظة، وتُسمى ماذا؟ شاذة. لذا قال الحافظ: «فالراجح يقال له: المحفوظ، ومقابله وهو المرجوح يقال له: الشاذ». قال: «ومثال ذلك ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلًا توفي في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لم يدع وارثًا إلا مولاه، وأعتقه» الحديث. «وتابعه ابن عيينة على وصله ابن جريج، وتابع ابن عيينة ابن جريج». فاعل هنا «ابن عيينة» مفعول به مقدم، وغيره فاعل. «وخالفه محمد بن زيد فرواه عن عمرو بن دينار عن عوسجة ولم يذكر ابن عباس». قال أبو حاتم: «المحفوظ حديث بن عيينة». انتهى كلامه. فـ«حماد بن زيد» من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك رَجح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددًا منه، وعرف من هذا التقرير أن الشاذ ما رواه المقبول مخالفًا لمن هو أولى منه. وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح. وقول: «هذا المعتمد في إشارة إلى خلاف؛ لأن بعض أهل العلم يتوسع في هذا الإطلاق، فيطلق المنكر مكان الشاذ، والشاذ مكان المنكر، والمحفوظ مكان المعروف، والمعروف مكان المحفوظ». فأبو حاتم الرازي رحمه الله تعالى كما ترون في هذه الرواية رَجحها، رواية الأكثر: رواية بن عيينة مع بن جريج عن عمرو بن دينار. والمرجحات قد تكون عدة. الحافظ ذكر واحدة. ما هو لي ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: العدد. ومرجح آخر: أن ابن جريج وابن عيينة من الأثبات في عمرو بن دينار، أي: أنهم أكثر ملازمة له. حتى قيل: أن عمرو بن دينار لما كبر وثقل، قالوا: ذهبت بعض أسنانه، وكان يتكلم، كان لا يفهم كلامه إلا ابن عيينة رحمه الله تعالى. كثرة ملازمته له، يقال: لازمهم نحو ثمانية عشر سنة. وقبل ابن جريج كذلك بنحو هذا، نحو هذه الفترة. يعني: هم ملازمون لهذا العالم. فهذه قرينة أخرى. وقرينة ثالثة ذكرها العلماء: هي أن حماد بن زيد كان من الأثبات المتحرين، وإذا شك في الحديث أنقصه. إذا شك في الحديث أنقصه. وهذا يدل على ماذا؟ على ورعه وتحريه. واضحة. شك في الحديث: هل هو مسند أو متصل؟ يعني: مسند أو مرسل، أرسله. هل هو متصل أو منقطع؟ أضعه؟ لماذا؟ من باب التحري. فهذه قرينة ثلاثة تدل على تقديم رواية الآخرين عليه. قال: «وإن وقعت المخالفة له مع الضعف، فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله يقال له: المنكر». قوله: «وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح»، أي: الذي استقر عليه الاصطلاح، ولاسيما اصطلاح المتأخرين. ننتبه لهذا؛ لأننا قد نجد في كلام المتقدمين الأئمة رحمهم الله تعالى قد يحكمون على بعض الأحاديث بأنه منكر، ويحملون العهدة على أحد الثقات. واضحة. يقول: «منكر من حديث فلان»، أو «منكر خالف فيه فلان كذا»، أو «هذا مما أنكر على فلان»، أو ما شابه ذلك، سواء على سبيل الإطلاق، يعني: على سبيل المصدر، أو على سبيل الفعل. فيقال: بأن كلام المتقدمين يطلقوا هذا على هذا، وهذا على هذا؛ لأن المتقدمين المنكر عندهم ما كان خطأ خطأ فاحشًا واضحًا، سمي ماذا؟ منكرًا. أن يقال: بأنه ثابت، يقول: «منكر». هذا حديثه منكر. تنظر إلى الإسناد: من علته؟ فيقول: فلان وفلان. هذا مما أنكر على فلان وفلان من فلان وفلان. ثقة من الثقات. هل نقول: بأن هؤلاء أخلوا في الشرط؟ يقال: لا. عند المتقدمين الاصطلاح لم يستقر بعد، فكان كل إنسان يعبر بعبارته وبما يظهر له. قوله رحمه الله تعالى: «وإن وقعت المخالفة له مع الضعف»، أي: أن الضعيف زاد زيادة خالف فيها الثقات، فما حكم الحديث؟ وما حكم تلك الزيادة؟ يعني: زيادة زادها ضعيف وخالف فيها هذا الضعيف الثقات، فما حكم هذه الزيادة؟ واضح. يقول الحافظ: «وإن وقعت المخالفة له مع الضعف»، أي: مع كون الراوي ضعيفًا. الزيادة لهذه الرواية. قال: «فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله يقال له: المنكر». ومعنى هذا: أن مخالفة الضعيف للثقة، أو مخالفة الضعيف للراوي المقبول، أي: الذي يُقبل حديثه، تُسمى ماذا؟ تُسمى منكرًا، أو يقال: منكرًا. والمحفوظ يُسمى ماذا؟ والراجح يُسمى ماذا؟ يُسمى معروفًا. مقابل منكر: معروف. ومقابل الشاذ: محفوظ. قال: «ومثاله ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حبيب ابن حبيب، وهو أخو حمزة ابن حبيب الزيادي المقرئ، عن أبي إسحاق العيزاري، عن العيزار ابن حريث عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج البيت وصام وقرأ القرآن دخل الجنة»». قال أبو حاتم: «هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفًا، وهو المعروف». رواه عن أبي إسحاق موقوفًا، وهو المعروف. الشاهد: أن الحافظ، أن الإمام أبو حاتم الرازي، قال ماذا؟ «هو منكر». فسمى مخالفة الضعيف للثقات ماذا؟ منكرًا. ثم قال: «رواه غيره من الثقات عن أبي إسحاق موقوفًا»، أي: وهو المعروف. «فالراجح معروف، والمرجوح سماه ماذا؟ منكرًا». تفضل. ولو عرف بهذا: أن بين الشاذ والمنكر عمومًا وخصوصًا من وجه؛ عمومًا وخصوصًا من وجه؛ لأن بينهم اجتماعًا في اشتراط مخالفة، وافتراقًا في أن الشاذ رواية ثقة، وافتراقًا في أن الشاذ رواية ثقة أو صدوق، والمنكر رواية ضعيف. وقد غفل من سوى بينهما. والله أعلم. غفل باعتبار ماذا؟ باعتبار متقدمين. باعتبار ماذا؟ باعتبار: يعني بعد استقرار الاصطلاح، يقال: بعد استقرار الاصطلاح. أما قبل استقرار الاصطلاح فلا يُعاب على من استقر على أمر لم يكن قد استقر الاصطلاح عليه. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.