الخطبة بعنوان بالعدل تصلح جميع الأعمال، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالحديث ٢٩ رجب ١٤٣٧هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
العدل هو أساس صلاح العباد والبلاد، وقد أمر الله به في مواضع كثيرة من القرآن وعرّفه بإعطاء كل ذي حق حقه دون تفرقة. ويستشهد الخطيب بآيات قرآنية وكلام ابن تيمية لبيان ارتباط الصدق والعدل بصلاح الأحوال.
يستعرض المقطع صوراً متعددة للعدل بدءاً بعدل الإنسان مع نفسه، مروراً بالعدل مع الأهل والأولاد والزوجات، وصولاً إلى عدل الحاكم مع رعيته الذي يعد من أعظم صور العدل. ويبين فضيلة المقسطين ومنزلتهم العالية عند الله.
تؤكد الخطبة على وجوب عدل الحاكم في اختيار بطانته وتوزيع المال العام، وأن عدل الوالي يجلب محبة الرعية ودعاءهم وتعاونهم. كما توجب على الرعية العدل مع الراعي بطاعته في غير معصية وعدم الخروج عليه إلا بكفر بواح، محذرة من عواقب الظلم والفتن.
يتضمن المقطع دعاءً يطلب فيه العبد من الله عز الإسلام والمسلمين وإذلال الكفر والكافرين. ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، عندما تختفي أنوار العدل بين البشر يغشاهم الهرج والمرج، ويتفشى بينهم الظلم والبغي، فالقوي يفتك بالضعيف، والغالب يسفك دم المغلوب، وهكذا الكبير يقهر الصغير، والراعي يقهر الرعية أو يهضم حق الرعية، ولا خروج لهم من هذا الوضع المشين إلا بالعدل، إلا بالعدل الذي به سعادتهم، والذي به أمنهم واستقرارهم. عباد الله، إن العدل قوام الدين والدنيا، وهو سبب لصلاح العباد والبلاد. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «فبالصدق في جميع الأخبار، وبالعدل في الأقوال والأفعال تصلح جميع الأحوال، وهما قرينان»، كما قال الله تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ﴾. العدل، عباد الله، هو إعطاء كل ذي حق حقه، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، من غير تفرقة بين المستحقين. العدل، عباد الله، جعله الله عز وجل دعوة جميع الرسالات. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾، أي بالعدل. العدل، عباد الله، أمركم ربكم سبحانه وتعالى به في مواضع كثيرة، فأتمروا بأمره واستجيبوا لندائه سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾، أن تحكموا بالعدل. العدل، عباد الله، أهله حبيبون إلى الله سبحانه وتعالى، فهو يحبهم كما ذكر الله عز وجل ذلك في مواضع في كتابه. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾، وقال عز وجل في سورة المائدة: ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، إن الإسلام أمركم بإقامة العدل، بإقامة العدل مع الأصدقاء والأعداء على حد سواء، وأمركم أن تقيموه بين القريب والبعيد على حد سواء. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾، أي لا تحملنكم عداوة قوم وكراهيتكم لهم ألا تقيموا فيهم العدل أو أن تظلموهم، بل مطلوب منكم أن تقيموا العدل ولو مع الأعداء. وهكذا يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾. هكذا أمر الله عز وجل عباده المؤمنين أن يقيموا العدل ولو على القريب، ولو على القريب. هذه هي شريعة الله، شريعة رحمة، شريعة عدل، حتى مع العدو. ولذلك حرم الإسلام أن لا تعدل مع عدوك، ففي الجهاد في سبيل الله حرم الإسلام على المسلمين أن يقتلوا النساء والولدان أو الشيخ الكبير، وهكذا حرم الإسلام على المسلمين أن يقتلوا المعاهد أو المستأمن، كل ذلك من العدل الذي أمر الله سبحانه وتعالى به. أيها المسلمون، عباد الله، إن للعدل صورًا كثيرة ينبغي للمسلم أن يراعيها وأن يقيمها لأن الله عز وجل أمره بذلك. فمن صور العدل، عباد الله، العدل مع نفسك التي بين جنبيك، والعدل في هذه النفس بأن توازن بين حقها وحق ربها وحق الخلق، فبهذه الموازنة تكون عادلاً مع نفسك. ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاص لما جار على نفسه، فإنه كان يقوم الليل ولا ينام، ويصوم النهار ولا يفطر، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن لنفسك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، وإن لزورك -أي لضيفك- عليك حقًا، فأعطِ كل ذي حق حقه». هذا هو العدل مع النفس، ألا تغلب جانبًا على آخر. فمن العدل مع النفس، يا عبد الله، أن تعطيها حقها من العلم النافع والعمل الصالح، من أداء الواجبات ومن قراءة القرآن، وإلى غير ذلك، فهذا من العدل مع هذه النفس التي بين جنبيك. وهكذا من العدل مع النفس ألا تضرها في جسدها بالمضرات أو المأكولات المحرمات التي تضر بصحتك، فهذا من عدلك مع نفسك. وهكذا من العدل مع هذه النفس أن لا تتعبها وأن لا تكلفها فوق طاقتها، ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾. وهكذا، عباد الله، من صور العدل: العدل مع الأهل، العدل مع الأهل من الزوجات ومن الأولاد، فقد أمر الله سبحانه وتعالى بذلك. جاء في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما أن أباه ذهب به إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقد نحل له غلامًا، أي أهدى وأعطاه غلامًا، فأتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليشهده على ذلك، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «ألك أولاد سوى ذلك؟» قال: نعم يا رسول الله، قال: «وهل نحلتمهم مثل ذلك؟» قال: لا يا رسول الله، قال: «فإني لا أشهد على جور، اتقوا الله واعدلوا في أولادكم». هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: إن المقسطين في أهاليهم لهم درجة رفيعة ومكانة عظيمة. أخرج مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «المقسطون عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وفي أهاليهم وفيما ولوا». وفيما ولوا، الشاهد وفي أهاليهم. ولذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾، فمفهوم هذه الآية: فمن خاف أن لا يعدل فلا يجوز له أن يتزوج بأخرى، لأنه سيخل بهذا الأصل العظيم، ألا وهو العدل بين الزوجات، سواء كان في النفقة أو في القسم أو إلى غير ذلك. هذه شريعة الله أمرت بالعدل في أمور كثيرة، فينبغي علينا عباد الله أن نقيم العدل في أنفسنا وفي أهالينا وفي أولادنا وفي مجتمعاتنا. وفَّق الله الجميع لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله، الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، ومن صور العدل: عدل الراعي مع الرعية، عدل الحاكم مع شعبه، فهذه الصورة من أعظم الصور التي ينبغي أن ينجلي فيها العدل، فبالإخلال بالعدل في هذه الصورة تحصل مفاسد عظيمة، فإن بصلاح الحاكم وبعدله وبقسطه بين الرعية تصلح الأحوال وتصلح المجتمعات. ولذلك فإن الحاكم العادل يتبوأ في الإسلام منزلة عالية ودرجة رفيعة، فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وأول من ذكر عليه الصلاة والسلام: إمام عادل، إمام عادل، لأن بعدله تصلح أحوال الرعية وتصلح أحوال البلاد والعباد. أيها المسلمون، عباد الله، إن الراعي العادل من أهل الجنة، كما جاء في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار قال عليه الصلاة والسلام: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق» -أي ذو حكم وإمارة، سواء كانت الإمارة عامة أو خاصة، سواء كان الأمير العام أو من ينوبهم الأمير من نوابه ووزرائه وحاشيته، فإن هؤلاء إذا قاموا بين الناس بالقسط فإنهم من الأصناف الثلاثة الذين خصهم النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم من أهل الجنة-: «ذو سلطان مقسط موفق، ورجل رحيم رقيق القلب على كل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال». هؤلاء الثلاثة من أهل الجنة. أيها المسلمون، عباد الله، إن عدل الوالي يكون في أمور كثيرة، فمن أهمها وأعظمها: أن يحكم شريعة الله سبحانه وتعالى في رعيته، أن يحكم بكتاب الله وبسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، أن يقيم الحدود الشرعية، فإن بها حياة العباد والبلاد، ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾، نعم القصاص حياة. أيها المسلمون، فكل مفسد وكل مجرم لا يتجرأ على أن ينتهك أمرًا يعلم أنه سيحد فيه، إما بضرب وإما بقتل وإما بقطع، أو إلى غير ذلك، فلا يتجرأ على أن يرتكب شيئًا من ذلك. وهكذا، عباد الله، من عدل الحاكم أن يختار الحاشية الطيبة التي تؤزه إلى الخير وتؤزه إلى الصلاح والإصلاح، وتؤزه إلى سعادة شعبه ووطنه، هؤلاء الذين يقربهم ويوليهم. أما الفساق، فأصحاب الأمور التي تخل بالأمانة، فلا ينبغي له أن يوليهم، ولا ينبغي له أن يدنيهم، ففي قربهم فساد للعباد والبلاد. وهكذا، عباد الله، من الأمور التي ينبغي أن يعدل فيها الحاكم: ما يتعلق بالأموال العامة، فلا يستأثر بها لنفسه أو لحاشيته وأقربائه، بل يعطي كل ذي حق حقه. هذا الذي أمر به النبي عليه الصلاة والسلام، هذا الذي أمر به عليه الصلاة والسلام. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾، أن تحكموا بالعدل. هكذا أمر الله عز وجل عباده بهذه الخصلة العظيمة. أيها المسلمون، عباد الله، إن عدل الوالي، إن عدل الحاكم، يكون سببًا في محبة الرعية له، في دعاء الرعية له، في كذلك تعاون الرعية معه، إذا علموا عدله وعلموا صدقه. ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه: «إن خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم» -أي تدعون لهم ويدعون لكم- «وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». فقالوا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة». فإذا رأيتم من أميركم شيئًا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدًا من طاعة. هكذا يقول عليه الصلاة والسلام، وهذا يدفعنا إلى صورة أخرى من صور العدل، فكما أن الوالي ينبغي بل يجب عليه أن يعدل بين الرعية، فكذلك الرعية يجب عليها أن تعدل مع الراعي، فلا يجوز للرعية أن تكفر الراعي إذا لم يأت بكفر بواح عندنا فيه من الله برهان، ولا يجوز للرعية أن تستحل دم الراعي إن لم يستحق ذلك ولم يصل إلى حد الكفر والمنازعة. وهكذا يجب على الرعية، وهذا من العدل مع الراعي، ألا تنزع يدًا من طاعة، فإن كرهوا من أميرهم شيئًا فلتكن المعالجة بالحكمة، بالمناصحة، بالمكاتبة، بالاجتماع به، بالصبر والدعاء. فكم جلبت تلك الفتن على حكام المسلمين من الويلات، ومن القتل والقتال، ومن ضعف المسلمين، وإلى غير ذلك. ألا فلنتعقل، ولنحكم بالعدل، ولا نظلم أحدًا. وإن من أعظم الظلم أن تظلم أميرك بقتله أو تكفيره أو تفجيره، أو إلى غير ذلك، فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في حديث عبادة بن الصامت: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن يكون كفرًا بواحًا، معكم فيه من الله برهان» -أي دليل واضح على أنه كافر، لا يؤمن بالله ولا يؤمن برسوله، ولا يحب المسلمين ويواليهم، بل يوالي أعداء الإسلام ويحب نصرة أعداء الإسلام على المسلمين، أو كذلك لا يصلي ولا يقيم الصلاة بين المسلمين-، فهذا الذي أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نقاتله وأن ننزع أيدينا من طاعته. أما غير ذلك، حاكم فتح لك المساجد، فتح لك المساجد وفتح لك المنابر والدعوة إلى الله عز وجل، ويحب الخير ويحب أهل الخير، وكذلك يجتمع بهم ويسمع لنصحهم، فما الداعي لتكفيره؟ وما الداعي للخروج عليه؟ أيها المسلمون، عباد الله، وهكذا من صور العدل: العدل في الشهادات، إن عندك شهادة فإن من العدل أن تؤدي هذه الشهادة كما سمعت أو كما رأيت. قال الله عز وجل: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾. وهكذا، عباد الله، صور العدل كثيرة جدًا، فينبغي علينا أن نقيم العدل على الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والشريف والضعيف، فإن العدل إن لم يقم فهذا إيذان بهلاك المجتمعات. أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنما أهلك الذين كانوا من قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله، انظروا إلى هذا العدل العظيم الذي لا يوجد عدل مثله في الدنيا، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». هذا هو العدل، عباد الله، الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم في نفسه، في أهله، في رعيته، في مجتمعه. فأسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يهيئ لنا أمرًا رشيدًا. اللهم ولِّ علينا خيارنا، ولا تولِ علينا شرارنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم عز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، أعداءك أعداء الدين. اللهم من أرادنا والإسلام بخير فوفقه إلى كل خير، ومن أرادنا والإسلام بسوء فأشغله في نفسه، واجعل تدبيره تدميرًا عليه، يا ذا الجلال والإكرام. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم آمين.