الدرس في شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 19، ألقاها
يتناول هذا الفصل العلامات التي تدل على أن العلم لا ينفع صاحبه، مثل طلب العلو والمنافسة في الدنيا ومباهاة العلماء، ويحذر من طلب العلم لغير وجه الله مستشهدا بأحاديث نبوية. كما يشير إلى خطورة طلب العلم للدنيا وعدم الإخلاص في طلبه.
يستعرض هذا الفصل علامات عدم الانتفاع بالعلم مثل عدم قبول الحق والتكبر على من يقول الحق والإصرار على الباطل. كما يقارن بين سلوك السلف الذين كانوا يحتقرون أنفسهم ولا يدعون الولاية وبين من يدعون الولاية ويتقربون إلى الملوك والرؤساء.
يركز هذا الفصل على أهمية الإخلاص في طلب العلم وتهذيب النفس على الصدق والخضوع لله، ويحذر من الالتفات إلى المدح والثناء الخارجي الذي يتعارض مع الإخلاص. كما يشدد على ضرورة محاسبة النفس على الأقوال والأفعال لتحقيق الإخلاص.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام نرجب رحمه الله في رسالته «فضل علم السلف على علم الخلف»: قال «وعلامة هذا العلم الذي لا ينفع أن يكسب صاحبه الزهو والفخر والخيلاء، وطلب العلو والرفعة في الدنيا، والمنافسة فيها، وطلب مباهات العلماء، وممارات السفهاء، وصرف وجوه الناس إليه». وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من طلب العلم لذلك، فالنار، النار». ذكر رحمه الله أن من علامة العلم الذي لا ينفع ولا ينفع به صاحبه ما أثمر هذا العلم في صاحبه حب الفخر، والظهور، والعلو، والرفعة، وكذلك أيضًا المنافسة في الدنيا، والمسابقة فيها، وكذلك أيضًا طلب مباهات العلماء، يعني أن يباهي ويفتخر أهل العلم، يباهيهم بما عندهم من علم، ويظهر ما عنده من مسائل ومعرفة بشيء من العلوم وفنون العلوم، أو يماري به السفهاء، يعني يجادل، يجادل ويناقش ويناطح بما عنده من علم، وصر في وجوه الناس إليه، يريد من الناس أن يلتفوا حوله، وأن يشيروا إليه بالبنان، وأن ينادى بأنواع الألقاب، وكذلك أيضًا بشتى الأسماء. وكل ذلك من دلائل عدم الصدق والإخلاص في طلب العلم. والحديث الذي أشار إليه رحمه الله هو ما جاء في حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتحيزوا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار، النار». وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه، وذكره كذلك ابن عبدالبر رحمه الله في «جامع بيان العلم وفضله»، وقد حسنه العلامة الألباني رحمه الله. وهذا فيه تحذير من النبي عليه الصلاة والسلام لمن طلب العلم لغير وجه الله، وقصد به غير مرضات الله سبحانه وتعالى، وإنما أراد به شيء من أمور الدنيا، كما ذكر المؤلف رحمه الله من طلب العلو والرفعة، وكذلك التفاف الناس حوله، وكذلك طلب الدنيا والاستزادة منها باسم العلم، وغير ذلك من المعاني التي تنافي الإخلاص والصدق في طلب العلم. فمن كان حاله على هذا الحال، فهو معرض بدخول النار، عياذا بالله، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فمن فعل ذلك فالنار، النار». وهكذا ثبت في الحديث الصحيح في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة: عالم، وقارئ، ومجاهد، ومتصدق». ولا شك أن هذه الأعمال عظيمة، ومع ذلك «أول من تسعر بهم النار»، ثم ذكر النبي عليه الصلاة والسلام حال هذا العالم الذي علمه الله سبحانه وتعالى، ثم قرره الله عز وجل بنعمته عليه، فيعترف بها، فيقول الله جل وعلا له: «وإنما تعلمت ليقال عالم، وقد قيل»، فيؤمر به فيسحب، فيلقى في النار. وهكذا المتصدق ليقال أنه متصدق ومنفق، وهكذا المجاهد ليقال أنه شجاع. هذه الأعمال ما أخلصوا فيها لله سبحانه وتعالى، وما صدقوا فيها، فكانت وبالا عليهم. وهكذا أيضًا العالم، فطالب العلم ينبغي أن يخلص نيته في طلب العلم، وأن يجاهد نفسه ويجاهد قلبه في إخلاصه في هذا الباب، في إخلاصه في طلب العلم وإرادة ما عند الله سبحانه وتعالى. قال: «وَرُبَّمَا ادَّعَى بَعْضُ أَصْحَابِ هَذِهِ الْعُلُومِ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَطَلَبَهُ وَالْإِعْرَاضَ عَمَّا سِوَاهُ، وَلَيْسَ غَرَضُهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا طَلَبَ التَقَدُمِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ مِنَ الْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِحْسَانَ ظَنِّهِمْ بِهِمْ، وَكَثْرَةَ أَتْبَاعِهِمْ، وَالتَعَظُمَ بِذَلِكَ عَلَى النَّاسِ». يعني من هؤلاء الذين يحصلون العلم يريدون بذلك ماذا؟ التقرب إلى الملوك والرؤساء حتى يكون لهم وجاهة ولهم منزلة، وكذلك أيضًا قرب يسهل عليهم الدخول عليهم أو نيل بشيء مما عندهم، وإحسان الظن بهم، والتعظم بذلك يعني الترفع على الناس بذلك. وكل هذه من معاني ومظاهر العلم الغير نافع. قال: «وعلامة ذلك إظهار دعوى الولاية كما كان يدعيه أهل الكتاب، وكما ادعاه القرامطة والباطنية ونحوهم». وهذا بخلاف ما كان عليه السلف من احتقار نفوسهم وازدرائها باطنا وظاهرا. يقول: من علامة ذلك، أي عدم الصدق والإخلاص وإرادة بالعلم الدنيا، إظهار دعوى الولاية كما يدعيه أهل الكتاب، وهكذا أيضًا كما ادعاه بعد الفرق المنحرفة كالقرامطة والباطنية، دعوى الولاية، وأن فلان صار وليا لله، وإذا كان كذلك كان له من الخصائص ما ليس لغيره. يلتف الناس حوله، وكذلك ربما يعطى أشياء من متاع الدنيا من مال وغيره، أو كذلك أيضًا يكون له حق في الدخول على الكبراء والوزراء ونحو ذلك إلى آخر ذلك من أمور الدنيا التي يريدونها باسم الولاية. قال: «وهذا بخلاف ما كان عليه السلف من احتقار نفوسهم وازدرائها باطنا وظاهرا». أي أن السلف ما كانوا يدعون لأنفسهم الولاية، مع أنهم لا شك أن كثيرا منهم من أولياء الله، والولي هو المؤمن التقي، كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، فكل مؤمن تقي فهو لله ولي. ومع ذلك ما كانوا يدعون لأنفسهم الولاية، وما يقول أحدهم: «أنا ولي من أولياء الله» كما يدعيه هؤلاء الباطنية ومن سار على طريقهم ونهجهم من الإسماعيلية والقرامطة، وهكذا أولياء الصوفية ونحوهم ممن يدعي الولاية. ما كانوا على هذا الحال، بل كانوا يزدرون أنفسهم ويحتقرون أنفسهم، ويرون أنهم لا شيء. ولذلك رفعهم الله سبحانه وتعالى وجعل لهم منزلة عظيمة في قلوب الناس. قال: «وقال عمر: من قال إنه عالم فهو جاهل، ومن قال إنه مؤمن فهو كافر، ومن قال إنه في الجنة فهو في النار». هذا الأثر جاء نحوه عند الإمام أحمد في مسنده، وأخرجه المجرير الطبري في التهذيب عن الحسن مرسلا، وهو ضعيف. وهذا الأثر معناه صحيح. من ادعى أنه عالم فهو جاهل، يعني من ادعى أنه قد استغنى بالعلم ولا يحتاج إلى العلم، وأنه عالم بكل شيء، هذا جاهل؛ لأن العالم حقيقة يعرف من ماذا؟ من حقيقة نفسه أنه يحتاج إلى العلم، ولا يمكن أن يستغني عن العلم. فإذا ادعى أنه لا حاجة له إلى العلم وأنه مكتفي بما عنده من علم، فهذا جاهل ما عرف حقيقة العلم. لهذا قال: «من قال إنه لا يحتاج إلى العلم أو صار عالما فهو جاهل»، نحو هذه العبارة أنه يعتبر جاهلا. ولذلك تجدون العلماء قديما وحديثا ما أحد منهم يقول: «أنا عالم»، إلا من كان عنده شيء من الغرور والفخر والخيلاء والكبر. أما العلماء الربانيون فإنهم دائما يحتقرون أنفسهم ويعترفون بحاجتهم إلى العلم، وربما تجد العالم الكبير يقول عن نفسه بأنه طالب علم. الإمام الألباني رحمه الله كان يقول: «أنا طالب علم». انظروا إلى التواضع والاعتراف بالتقصير والنقص والحاجة إلى العلم. هكذا كان حال العلماء رحمهم الله. وهكذا قوله: «من قال إنه مؤمن فهو كافر، ومن قال إنه في الجنة فهو في النار»، يريد بهذا أن من قال ذلك هو في الحقيقة هذا من الغرور والجهل. أن يقول الإنسان أنه في الجنة ويجزم لنفسه بذلك، هذا ماذا؟ من الغرور. والذي ينبغي للمؤمن أن يكون على خوف وعلى وجل من الله سبحانه وتعالى، وخوف من مكر الله جل وعلا، وأن يكون ماذا؟ على قيام بما أوجب الله وانتهاء عما نهى الله، مع خوفه من الله جل وعلا. هكذا كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. النبي عليه الصلاة والسلام بشر من بشر منهم بالجنة، ومع ذلك ما قالوا: «نحن في الجنة، ما نحتاج أن نعمل وأن نكثر من الأعمال والطاعات». النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأنهم من أهل الجنة، وهو الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، ومع هذا كانوا من أشد الناس عبادة وطاعة وقربا إلى الله سبحانه وتعالى، ومسارعة في باب الخيرات، ومن كذلك أشد الناس بعدا عما حرم الله سبحانه وتعالى، فجمعوا بين الخوف والعمل. قال: «من علامات ذلك عدم قبول الحق والانقياد إليه، والتكبر على من يقول الحق خصوصا إذا كان دونهم في أعين الناس، والإصرار على الباطل خشية تفرق قلوب الناس عنهم بإظهار الرجوع إلى الحق». هذا من علامات ماذا؟ العلم الذي لا ينفع، أن صاحبه ما يقبل الحق إذا جيء له بالحق والحج والدليل وهو على خلاف ذلك، ما يقبله، بل يصر على ما هو فيه من باطل، يصر على ما هو فيه من باطل من قول أو فعل، ولا يتنازل أن يقبل هذا الحق. هذا من علامات الغرور والكبر وعدم الانتفاع بالعلم. قال: «وربما أظهروا بألسنتهم ذم نفوسهم واحتقارها على رؤوس الأشهاد، ليعتقد الناس فيهم أنهم عند أنفسهم متواضعون، فيمدحون بذلك، وهو من دقائق الرياء». يعني يظهر عند الناس أنه عنده خوف وخشية من الله جل وعلا، ويذم نفسه ويحتقرها، هذا ربما يقول أحيانا عند الناس حتى يقول الناس: «ما شاء الله، إنه متواضع وأنه كذا وأنه كذا»، ويمدح بذلك، وهو في الحقيقة في قلبه على خلاف ذلك. وهذا من دقائق الرياء، هو في الحقيقة بهذا يرائي الناس بأنه على هذا الخلق وهو على خلاف ذلك. قال: «كما نبه عليه التابعون فمن بعدهم من العلماء، ويظهر منهم من قبول المدح واستحلائه ما ينافي الصدق والإخلاص». يعني يحب أن يمدحه الناس وأن يثنوا عليه، هذا يمدحه بقصيدة، وهذا يمدحه بقصيدة أخرى، وهذا يعطيه من الثناء والمدح ما لا يوصف به إلا من هو أكبر منه، وهو يقول: «جزاك الله خير والحمد لله»، ويثني عليهم ويقبل ذلك منهم، ولا يوقفهم عند حدودهم، ولا يعرف قدر نفسه. هذا أيضًا من دلائل عدم الانتفاع بالعلم، ويستحلي بذلك، يعني يرتاح ويطمئن، يحب هذا يمدحه، هذا يمدحه، هذا يثني عليه، وهذا يثني عليه وهكذا. قال: «فإن الصادق يخاف النفاق على نفسه، ويخاف على نفسه من سوء الخاتمة، ولذلك ما يرضى أن يسمع تلك المدائح التي تقال فيه؛ لأنه بشر معرض للفتنة ومعرض للغرور». فلذلك الصادق ما يرضى بهذه الأمور أن يمدح بتلك المدائح، وأن يقال فيه ما يقال من مدح وثناء، بل يوقف القائل هذا عند حده، يسد هذا الباب، وهكذا أيضًا ماذا؟ يسد باب الفتنة على نفسه حتى ما يغتر بما يقال فيه من مدح وثناء، فيكون ذلك سبب لانتكاسته عياذا بالله. قال: «ويخاف على نفسه من سوء الخاتمة، فهو في شغل شاغل عن قبول المدح واستحسانه». يعني ومشغول بنفسه بالإخلاص وتهذيب هذه النفس على الصدق والإنابة إلى الله والخضوع والذل لله جل وعلا، ومحاسبته على أعماله وعلى أقواله وعلى أفعاله، فلا ينظر إلى ما يقال فيه من مدح وثناء وغير ذلك من الأمور التي هي منافية للصدق والإخلاص في باب طلب العلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.