شرح مقدمة اصول التفسير 8

شرح مقدمة اصول التفسير 8

الدرس في شرح مقدمة اصول التفسير 8، وفيه من قوله ( وقد يجيء كثيراً من هذا الباب قولهم ... بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص ولمن بمنزلته أيضاً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في تعدد أسباب النزول

يتناول المقطع الأول مسألة تعدد أسباب نزول الآيات القرآنية، حيث يشرح أن الآية الواحدة قد نزلت لأسباب متعددة. كما يستدل على ذلك بقواعد أسباب النزول وبعض الأمثلة من السنة النبوية.

قاعدة العبرة بعموم اللفظ في التفسير

يناقش المقطع الثاني قاعدة تفسيرية مهمة وهي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مستدلاً على ذلك بنزول بعض الآيات في أسباب محددة ولكنها تنطبق على عموم الناس. يشرح المقطع أمثلة على هذه القاعدة من القرآن والسنة النبوية.

تطبيقات عموم اللفظ في التشريع والعذاب

يناقش المقطعان الثالث والرابع مفهوم عموم اللفظ في التشريع الإسلامي وتطبيقاته، حيث يوضح أن الأصل في التشريع هو العموم إلا ما دل الدليل على تخصيصه. كما يشير إلى أن العذاب يطال كل من يخالف أمر رسول الله، وأن الله يبتلي الناس بما يشبه ما ابتلي به الظالمون.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، وقد يجيء كثير من هذا الباب قول هذه الآية نزلت لكذا، لا سيما إن كان المذكور شخصًا، كأسباب النزول المذكورة في التفسير، كقولهم: إن آية الظهار نزلت في امرأة أوس بن الصامت، وجاء ذلك من حديث عائشة رضي الله عنها. أصل القصة في الصحيح ليس فيها ذكر التسمية، وجاء ذكر التسمية كما أشار إليه ابن كثير رحمه الله برواية ابن أبي حاتم وغيره، وحسنها رحمه الله تعالى. قال: وإن آية اللعان نزلت في عويمر العجلاني أو هلال بن أمية، وجاء تسمية عويمر العجلاني في الصحيحين من حديث سهل بن سعد، وتسمية هلال بن أمية في صحيح البخاري من حديث ابن عباس، وفي صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه. وجاء كذلك من دون تسمية أنه رجل من الأنصار في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر، ومن حديث عبد الله بن سعود. فمثل هذا الاختلاف يسميه أهل العلم أنه من تعدد أسباب النزول، فلا مانع أن يكون النازل واحدًا والسبب أكثر من واحد، مثل هذه الآية: آية اللعان نزلت في أكثر من رجل؛ لأنه قد صح ذلك، فلا مانع أن يكون النازل واحدًا والسبب أكثر من سبب. وكذلك لا مانع أن يكون العكس. فإذا عبر بعض الصحابة أو بعض السلف ذلك بما نزل في أحدهم، فليس هذا من اختلاف التنوع، ليس هذا من اختلاف التضاد، بل هذا من اختلاف التنوع الذي يمكن أن يكون هذا من تفسيره ببعض المعنى. فالآية نزلت في هذا وهذا وهذا، ولا يعني ذكر بعضهم لأحد هؤلاء أنه مضاد لقول الآخرين، خصوصًا إذا صح. والعبرة بالصحة، فإذا صح فيكون نزول الآية في أكثر من شخص. وهكذا لو كانت نزلت في رجل واحد مثلًا، مثل ما أشار إليه بآية الظهار، فإنه يكون كذلك، ليس هذا بحكم له خاصة، بل القاعدة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. واستدل العلماء على ذلك بحديث وهما جاء بقصة ذلك الرجل الأنصاري، والقصة في الصحيح. وأشار إليها شيخنا رحمه الله وذكرها في مقدمة كتابه «الصحيح المسند من أسباب النزول»، فذكر قواعد في أسباب النزول، ومن هذه القواعد: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقد أشار العلماء -علماء الأصول- إلى هذه القاعدة في كتبهم، وأحال شيخنا رحمه الله إلى كلامي الشنقيطي رحمه الله من المتأخرين، وذكر هذه القصة في نزول قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ أنه قبل امرأة ووقع بها كل شيء معها إلا الجماع، فجاء يسأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك: هل له من كفارة؟ فأنزل الله جل وعلا على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الآية: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ أي: ليغفر من الحسنات والطاعات والحسنات، فذلك مكفر لسيئات إن تابع توبة صحيحة كاملة. فقال الرجل: «أهذا لي خاصة يا رسول الله أم للناس عامة؟» فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بل هي لأمتي عامة». ومن هنا استنبط العلماء هذه القاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. كون أن الآية هذه نزلت في فلان ابن فلان أو في القصة الفلانية لا يعني ذلك خصوص هذا التفسير للآية بهذا الشخص خاصة، فالعبرة بعموم اللفظ. وهكذا الذي أراد أن يشير إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذا الموضع، أي: أن بعض الصحابة أو التابعين أو المفسرين ربما يفسر بذكر بعض أسباب النزول أو سبب النزول، ولا يعني ذلك أنه إذا جاء عن غيره تفسيرها بشيء من العموم أنه بينهم شيء من التضاد، بل هذا من التفسير ببعض المعنى. كذلك قال رحمه الله تعالى: «وأن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله». آية الكلالة يعني: آية المواريث في الرجل إذا لم يكن له ولد وكان له أخوات، ووقع ذلك في حديث جابر بن عبد الله حين عاده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مرضه، كما في صحيح البخاري. وقد أغمي عليه، قال: فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصب عليه من وضوئه، قال: فأفقت، فقلت: يا رسول الله، ما لي ما أصنع منه؟ ما أخذ منه وما أذر؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى نزلت عليه آية المواريث، أي: آية الكلالة في آخر سورة النساء. قال: «وإن قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ التفسير إذا فسر بأنها نزلت في جابر بن عبد الله تخصيص لها، ومن فسرها بالعموم يكون مخالفًا». الجواب: لا، بل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فمن فسرها بأنها نزلت في جابر بن عبد الله أو فسرها غيره بأنها على العموم، ليس هذا من التعارض، بل هذا من اختلاف التنوع. قالوا: «أن قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ نزلت في بني قريظة». والنظير كذلك: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. «وأن قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ نزلت في بدر». كذلك العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. «وأن قوله: ﴿شَهِدَاءَ بَيْنَكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ نزلت في قضية تميم الداري وعدي بن بداء». وقول أبي أيوب: «إن قول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ نزلت فينا معشر الأنصار». الحديث. وهذه أكثر، وأشار إليها شيخنا رحمه الله في كتاب «الصحيح المسند من أسباب النزول» عند هذه الآيات. قال: «ونظائر هذا كثير مما يذكرون أنه نزل بقوم من المشركين بمكة أو بقوم من أهل الكتاب اليهود والنصارى أو بقوم من المؤمنين، فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق، فإذا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب». قالوا: «الناس وإن تنازعوا باللفظ العام الوارد على سببه، هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين: إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ». يعني: إذا جاء لفظ عام بنص الكتاب أو بنص السنة ونزل هذا اللفظ العام بحق أناس من الناس من الصحابة، فلا يعني ذلك تخصيص وتعيين هذا الشخص بهذا الحكم، بل يعني ذلك أن هذا للناس عامة. وهذا هو الأصل: الأصل العموم في التشريع، إلا ما دل الدليل على تخصيصه، ودلالة الدليل على التخصيص لا بد أن تكون بالنص، مثل: ماذا؟ من يستحضر دليلًا في نص دل الدليل الشرعي على تخصيصه بحكم إنسان دون الناس، جهاد الخضيري جعلها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم له بشهادة رجلين وهي له خاصة ليست لكل الناس كذلك. عناق أبي بردة بن نيار، فإنها له خاصة وليست للناس عامة، لم يجزئ أن يذبح في الأضحية ما هو دون السن الشرعي، والسن الشرعي في الغنم من المعز هو سنة وفي الضأن ستة أشهر، ولكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجزأها لأبي بردة بن نيار ولم يجزها لأحد بعده، فجعلها له خاصة ولا تحل لأحد بعده. وهكذا غيرها من مدلول دليل على التخصيص. فإذا الأصل في التشريع العموم، والأصل فيما جاء في نزول شيء أنه على عموم اللفظ لا على خصوص السبب، إلا ما دل الدليل على تخصيصه، فإن دل الدليل على تخصيص شيء فيبقى على ذلك على خصوصه فيما دل الدليل على تخصيصه. قال: «وإنها تخصص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ». والآية التي لها سبب معين، وإن كانت أمرًا ونهيًا، فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته. عندكم النصفة الأخرى بمنزله أو بمنزلته هذا أصول الذي عندنا. قال: «وإن كانت خبرًا بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص ولمنزل بمنزله أيضًا». الأمر المراد به والنهي هو ما جاء في الشرع بطلب حصول شيء فعلًا أو تركه، والخبر ما جاء بالإخبار عن الشيء. والمراد بذلك أن حتى الأخبار العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فمثلًا: أهلك الله جل وعلا قوم نوح بسبب ردهم لخبره ولكذلك عدم استجابتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم نوح عليه الصلاة والسلام، فهل نقول أن هذا خاص؟ الجواب: لا، بل هذا عام، وإن كان هؤلاء عذبوا لأجل ذلك، فكل من كان مخالفًا لأمر رسول الله الذي يبعثه الله عز وجل إليهم فإنه ينال ما نال أولئك، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾.