التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 4

التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 4

الدرس في التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مسائل فقهية خفيت على الخلفاء الراشدين

تطرق الشيخ إلى مسائل فقهية خفيت على الخلفاء الراشدين و كيف رجعوا إلى العلماء. تم توضيح ذلك من خلال أمثلة مثل ميراث الجدة و الاستئذان و الطاعون.

شرح حديث علي بن أبي طالب ومسائل المهر والعدة

تم شرح حديث علي بن أبي طالب حول استحلاف الصحابة عند الرواية، وتناول مسائل فقهية متعلقة بالعدة والمهر. بين أن بعض الأحكام لم تكن معروفة للصحابة لعدم بلوغ السنة إليهم.

السنة النبوية واشتراطات الاجتهاد

ناقش المقطع مسألة عدم انحصار السنة في كتب معينة، وأكد أن الأئمة قد يخفى عليهم العلم. وضح شروط الاجتهاد وحدوده، مشيراً إلى أن العلماء الأوائل كانوا أعلم بالسنة.

ختام الجلسة والدعوة للنصيحة والعلم

تم ختام الجلسة بالاكتفاء بما نوقش، مع دعوة الشيخ عبد الرحمن بادح لتقديم النصيحة والعلم. دُعي له بالجزاء الحسن على ما يقدمه لإخوانه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله من مسائل تتعلق ببعض ما خفي من العلم مما علمه بعض الصحابة ولم يعلمه بعض الخلفاء الراشدين، وابتدأ بأبي بكر رضي الله عنه وارضاه، ثم بعمر، ثم بعثمان رضي الله عنهم وارضاه. فمن يذكر لنا بعض المسائل، ولو مسألة واحدة مما خفي على أبي بكر رضي الله عنه، على فضله وجلالته وإمامته وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم؟ نعم، من اليمين فالظلم مراث الجدة، فإن أبا بكر خفي عليه ذلك وعلمه بعض الصحابة فأخبروه، فرجع عن قوله لما جاء وصح من خبر غيره ممن سمع من النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك عن عمر رضي الله عنه، من يضرب لنا مثالا؟ نعم، نعم، في مسألة الاستئذان، لم يبلغه حتى أخبره أبو موسى، وشهد من شهد مع أبي موسى. وهنا تأتي مسألة: هل في هذا دليل على عدم العمل بخبر الآحاد؟ لأنه لم يقبل خبر أبي موسى حتى يأذن له بأن يشهد معه أحد، ليس كذلك، لأن أبا موسى إنما أتى برجل واحد واكتفى عمر رضي الله عنه بذلك. وذلك لأن عمر استغرب أن خفيت عليه مثل هذه السنة، والاثنان لا يزالان في اصطلاح من قال بالتفريق بين خبر الواحد وغيره، يعتبر من خبر الواحد، بل فيه دليل على العمل بخبر الواحد. وصح أن عمر رضي الله عنه أرضاه عمل بخبر واحد، كذلك في مسألة أخرى، ما هي؟ مرت معنا مسائل كثيرة، مسألة أخرى في الطاعون، فأخبره عبد الرحمن بن عوف فقط، ولم يخبره غيره، ومع ذلك أخذ بخبر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أرضاه. وهذا فيه دليل على رجوع الصحابة رضي الله عنهم، وهؤلاء الخلفاء الراشدون على جلالتهم وإمامتهم وعلو مرتبتهم وقربهم من النبي صلى الله عليه وسلم، خفي عليهم بعض العلم، فرجعوا لما لم يعلموا إلى من علم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفيه كذلك العمل بخبر الآحاد، وأنهم لم يكونوا يفرقوا بين خبر الواحد وغيره إذا صح الخبر وكان الناقل محل أمانة وصدق. وهكذا عن عثمان رضي الله عنه، من يضرب لنا مثالا؟ نعم، في المتوفى عنها زوجها، وقد مر معنا ذلك. وهذا كذلك فيه الرجوع إلى الدليل، وكذلك فيه العمل بخبر الواحد، وأنه كان من فعل وعمل الصحابة رضي الله عنهم وارضاهم. قال رحمه الله تعالى: وكذلك علي رضي الله عنه، قال: «كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي مِنْهُ، فَإِذَا حَدَّثَنِي غَيْرُهُ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ. وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرُ» وذكر حديث صلاة التوبة المشهور. وهذا مثال آخر استدل به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على رجوع علي رضي الله عنه إلى ما لم يعلم من العلم لعلم غيره بعلم لم يكن يعلمه. والحديث الذي أشار إليه هو ما رواه أحمد وغيره عن علي رضي الله عنه وأرضاه، أنه قال: «وَإِذَا حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ. وَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ ثُمَّ يُصَلِّي ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ. ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ﴾» والحديث حسنه جماعة من أهل العلم لمجموع طرقه، وضعفه بعضهم، ورجح بعضهم فيه الوقف، والصحيح أن الحديث يرتقي إلى الحسن. وقوله رضي الله عنه أرضاه: «استحلفته» هذا من باب زيادة التثبت منه رضي الله عنه أرضاه، وليس تكذيبًا وتهمة لمن يحدثه من الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم، ولكن من باب التأكد والتأكيد أنه قد سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولذلك لما حدثه أبو بكر رضي الله عنه أرضاه لم يستحلفه، لأنه ليس هناك ما يوجب الشك والخطأ، وقد جرب أبا بكر رضي الله عنه أرضاه في ذلك. وهل معناه أن خبر الواحد من غير الخلفاء الراشدين محل شك؟ هذا ليس كذلك، بل معناه أنه قد تكون من مظنة، لكن هذه المظنة مدفوعة بفضل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فإنهم لا ينقلون إلا ما علموا، وقد زكاهم النبي صلى الله عليه وسلم، بل أثنى الله عز وجل عليهم وارتضاهم سبحانه وتعالى أن يكونوا صحابة رسوله ونقلة دينه من بعده عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: وأفته وهو ابن عباس وغيرهما بأن المتوفى عنها إذا كانت حاملا تعتد بأبعد الأجلين، ولم يكن قد بلغتهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيعة الأسلمية، حيث أفتاه النبي صلى الله عليه وسلم بأن عدتها وضع حملها. وهذا كذلك من العلم الذي خفي على ابن عباس وعلى علي رضي الله عنهما، فقد أخذ ذلك على وجه الاجتهاد والاحتياط، لعدم بلوغ شيء من العلم في عين هذه المسألة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبلغ غيرهم أو غيرهما هذه السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وأفتاهوا وزيد وابن عمر وغيرهم بأن المفوضة إذا مات عنها زوجها فلا مهر لها. والمفوضة التي فوضت المهر، يعني لم تعين المهر، ارتضت الزواج بمهر غير مسمى. فهذه إذا مات زوجها فاختلف أهل العلم في حالها، والصحيح أنه قد صحت السنة بأن لها مهر المثل، كما سيأتي. قال: ولم تكن بلغتهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق. وقصة بروع بنت واشق رواه الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح، وكذلك جاءت من غير وجه في حديث ابن مسعود، أن رجلا تزوج امرأة فمات عنها ولم يفرض لها مهرا ولم يدخل بها، فسئل عنها ابن مسعود، فلم يقل فيها شيئا، ثم سألوه فقال: «أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ. قَالَ: لَهَا صَدَقَةُ نِسَائِهَا وَلَهَا الْمِيرَاثُ وَعَلَيْهَا الْعِدَةُ». فقام رجل من أشجع فقال: «أَشْهَدُ لِقَضِيَتِكَ فِيهَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بُرُوعٍ ابْنَةِ وَاشِقٍ». قال: فقال: «هَلُمَّ شَاهِدَيْكَ». فشهد له الجراح وأبو سنان رجلان من أشجع. والحديث حسن بمجموع طرقه، وهو يدل على ما في هذه المسألة من فتوى أفتى بها ابن مسعود، وافقت فتواه فتوى النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: وهذا باب واسع، يبلغ المنقول منه عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عددا كثيرا جدا. وأما المنقول منه عن غيرهم فلا يمكن الإحاطة به، فإنه ألوف. والمعنى: المنقول عن الصحابة كثير، والمنقول عن غير الصحابة أكثر وأكثر، فهو ألوف مما يشق ويصعب حصره. قال: وهؤلاء كانوا أعلم الأمة وأفقهها وأتقاها وأفضلها، فمن بعدهم أنقص منهم، فخفاء بعض السنة عليهم أو لا. فإذا كان هؤلاء الأئمة من الخلفاء الراشدين ومن معهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين خفي عليهم ما خفي من العلم، فمن دونهم من باب أولى، من التابعين وأتباع التابعين ومن دون هؤلاء من القرون الثلاثة المفضلة، من باب أولى أن يخفى عليهم شيء من العلم. قال: فلا يحتاج إلى بيان، فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل واحد من الأئمة أو إماما معينا فهو مخطئ خطأ فاحشا قبيحا. ولا يقول أن قائل: إن الأحاديث قد دونت وجمعت فخفاؤها والحال هذه بعيد، لأن هذه الدواوين المشهورة في السنن إنما جمعت بعد انقراض الأئمة المتبوعين. قال: ومع هذا فلا يجوز أن يدعى انحصار حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في دواوين معينة. وهنا وقف رحمه الله في مسألتين: المسألة الأولى: وجوب اعتقاد العمل بما صحت به السنة إذا ثبتت، ولو كان ذلك لم يبلغ أحدا من الأئمة، فالعبرة بالدليل، والإمام مهما بلغ من الإمامة فإنه لا يسلم من الخطأ. قال: ثم لو فرض انحصار الحديث فيها، فليس كل ما في الكتب يعلمه العالم. وهذا على فرضية أن الانحصار، والصحيح أن الحديث لم ينحصر في تلك الكتب الدواوين. ولذلك تجد بعض السنة ثبتت في غير تلك الدواوين. قال: ولا يكاد ذلك يحصل لأحد، يعني لا أحد يستطيع أن يدعي الإحاطة. بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة وهو لا يحيط علما بما فيها. يعني حتى ولو قد رأى أن هذه الدواوين موجودة بين يديه، فإنه قد يخفى عليه بعض العلم الذي فيها. قال: بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين كانوا أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير، لماذا؟ لأنهم عاصروا الوحي وشهدوا كذلك التنزيل، فعندهم من العلم بما احتفت به الأدلة ما يجعلهم على دراية بمعرفة الناسخ والمنسوخ والمتقدم والمتأخر والمطلق والمقيد والعام والخاص وغير ذلك. قال: ولا يقولن قائل: فمن لم يعرف الأحاديث كلها لم يكن مجتهدا، لأنه إن اشترط في المجتهد علمه بجميع ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وفعله مما يتعلق بالأحكام، فليس بالأمة مجتهد. لماذا؟ لأنه قد مر معنا قبل قليل أن الخلفاء الراشدين قد خفي عليهم بعض العلم، وهل هذا منعهم من الاجتهاد؟ الجواب: لا، فمن دونهم من باب أولى. قال: وإنما غاية العالم أن يعلم جمهور ذلك ومعظمه، بحيث لا يخفى عليه إلا القليل من التفصيل. ومعنى جمهور ذلك: أكثر العلم، ولا ينافي ذلك أن يخفى عليه بعض العلم والقليل من مسائله، فإن مثل ذلك قد وقع للخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين، ومن باب أولى من بعدهم. قال: ثم إنه قد يخالف ذلك القليل من التفصيل الذي لم يبلغه فيكون معذورا. وهذا قد مر معنا ما يدل عليه مما يؤكد ما ذكره رحمه الله تعالى. وبهذا القدر نكتفي، إن شاء الله تعالى. وإذا كان الشيخ عبد الرحمن بادح موجودا فيتفضل مشكورا مأجورا بإفادة إخوانه بما تيسر من النصيحة والعلم، جزاكم الله خيرا.